الرئيسية » المرأة والأسرة » حديث النساء في (لمة الباب)

حديث النساء في (لمة الباب)

إذا ما كان لزاما على المرأة في بيئتنا أن تبقى حبيسة الجدران والبيت الذي تشارك الرجل فيه، فإنها ليست سلبية إلى الدرجة التي لا تقوم فيها ولو بمجرد محاولة للتحرر من هذا السجن القيمي، الذي فرضته عاداتنا وتقاليدنا، والتي استطاعت المرأة عبر لمات النسوة أمام باب الحوش أن تكسر الجمود فيها، وتحيل محاولاتها للتحرر إلى عادات وتقاليد، فما هي لمة الباب ولماذا تنتشر لدينا، وكيف ينظر الرجل وتنظر المرأة لها؟

لمة الباب، ما هي إلا تلك التجمعات الصغيرة التي تجمع نساء الحي الصغير أمام أحد الأبواب ليتبادلن أطراف الحديث، فلدى كل واحدة منهن قصة، ولدى كل واحدة خبر تخبئه للّمة أمام الباب، وما هذه اللمة إلا عادة تتصف بها قرانا وحتى المناطق الشعبية في مدننا، التي ما هي إلا مدن ريفية إن صح التعبير وصحت التسمية، وما هو إلا طقس نسائي خالص، لأن تجمعات الرجال تجري خارج المنزل وبعيدا عنه، عكس هذه اللمات التي تعبر عن الفرق بين التقييم الاجتماعي لدور كل من الرجل والمرأة، ما بين دور في المنزل ودور خارجه، والأمر الأهم هو أن هذه اللمات هي سمة للمرأة في المناطق الشمالية من سوريا على الأرجح، لأنها كانت الأكثر تحررا من المرأة السورية عموما، والمرأة في المدن الداخلية والعاصمة خصوصا.
وتبدأ هذه اللمات مع أولى انعطافات الشمس نحو غروبها، لينعم الجو، وتنعم النسمات، فتطول أيام الصيف تلك الجلسات إلى أن تمنعهن العتمة من رؤية بعضهن، وتشكل هذه الظاهرة أهم محاولة للمرأة للكشف عن رغبتها في التحرر من قيود المنزل وأسواره أو جدرانه، وما أن تجلس تلك النسوة حتى يمر بعض الرجال بهن ليسلموا عليهن ويبدون الاحترام لمجلسهن ولكن ما أن يخلوا الرجال إلى بعضهم البعض في مجالسهم، حتى يعتبروا تلك اللمات حديث نساء لا طائل منه، ونوعا من التخلف، وصفة دونية أحياناً، كما قد يرى البعض من الرجال.
وتأتي هذه اللمة لتثير حفيظة الكثيرين، فيدعو البعض إلى منع النساء من هذه الجلسات، والسبب كما يقولون بأنها عادة متخلفة، في حين أن السبب الأهم والذي يخفيه الرجل، هو عدم تقبله لأي اختلاط من قبل المرأة بالمرأة الأخرى، التي قد تشجعها على أمور تدفعها لمحاولة رفض بعض الأشياء التي يطلبها الرجل من زوجته، وتزيد فرص اضطلاع المرأة على ما يجري في عالم النسوة خارج أسوار بيتها المطرز بطاعة الزوج والحرص على رضاه.
وإذا ما كانت تلك اللمات تكرس النظرة النمطية للمرأة في أنها كثيرة الكلام قليلة الفعل، وأن تلك اللمات ما هي إلا أحاديث الليل يغيّبها أول شعاع منطلق من الشمس، وأنها صفة ارتباط المرأة ببيت الزوجية، وعدم قدرتها على مفارقته خشية من الرجل وتمثلا لرغبته، وخشية من القيل والقال المرتبطان بمقولة أن المرأة التي تخرج وتذهب وتأتي كثيرا ما هي إلا امرأة غير أخلاقية، ويثار الحديث واللغط الكثير حول سمعتها، فهل من الممكن أن تعوضها المرأة وتستبدلها بأمور أخرى أو نشاطات مغايرة لتلك اللمات تكون أكثر ايجابية وأقدر على أن تنتج بدلا من تضييع الوقت في تلك اللمات، ولساعات طويلة؟ وهل هي قادرة على أن تمحي وتزيل تلك النظرة الاجتماعية المرتبطة بهكذا أفعال للمرأة من ذهنية الرجل تجاهها؟.
إن تقييم ما تقوم به المرأة من أفعال يجب أن لا ينطلق من رغبات الرجل بل يجب أن ينطلق من الظروف المحيطة بالمرأة والتي تدفعها للقيام بهذا الفعل أو ذاك،ويجب أن ينطلق من تقدير حجم الإمكانيات المتوفرة بيد المرأة والتي تستطيع أن تعتمد عليها فعليا في القيام بعمل مفيد وتبتعد عن العمل الذي يسيء لها، فعدم قدرة المرأة الريفية على أن تعمل خارج المنزل، أو أن تخرج بنشاط فعلي خارج البيت القائم على أساس جهلها، وعدم تعلمها،وعدم قدرتها على مخالفة رغبات الرجل الذي يتمتع بكامل الصلاحية في منعها وضربها وحجرها، هو الذي يدفعها إلى القيام بهذا الفعل المقوي للروابط الاجتماعية شكلا من جهة، والذي يضعف من قابلية المرأة للمشاركة في الحياة الاجتماعية فعليا، ويدفعها للاستسلام لأوضاعها المزرية من جهة أخرى، وخاصة أن بعض النسوة المتعلمات يخضعن لهذا الطقس النسائي رغما عنهن، وإلا اعتبرن غير اجتماعيات وغير قادرات على التأقلم، ولذلك فإن التوجه نحو تعليم المرأة الريفية وتأهيلها، وتحسين الظروف المحيطة بها، أمر ضروري لا مفر منه، ويجب أن يكون قادرا على أن يمنح المرأة كل الإمكانيات التي تستطيع بواسطتها أن تشارك في بناء مجتمعها على أكمل وجه، ولا تكون مجرد كائن سلبي، لتغيير النظرة الاجتماعية تجاهها رأسا على عقب.
وإذا ما اتسمت لمة الباب بالكثير من السمات السلبية، فإنها في النهاية قادرة على أن تجعل من نفسها عنوانا للرغبة الجامحة للمرأة في الخروج من المنزل، والاستقلال ولو لبعض الوقت عن الرجل، وهنا ما عليها وفي ظل الإمكانات المحدودة التي تتمتع بها إلا أن تحاول أن تطور من آليات هذه اللمة بحيث تتناول النسوة فيه بعض القضايا المهمة والتي تتعلق بوضعهن كنساء في مجتمع ذكوري، ومحاولة البحث عن الحلول الأكثر قدرة على تسوية أوضاعهن، بحيث تبقى مكرمة داخل المنزل، وقادرة على الخروج منه لا إلى اللمات بل إلى العمل الاجتماعي المنتج لينتفي هذا الحد الموجود ما بين الداخل والخارج، والذي يشكل دليل المرأة المظلومة.

مجلة ثرى – العدد 196 تاريخ 29 8 2009 – السنة الخامسة
29-8-2009