الرئيسية » مقالات » الطفيليات السياسية

الطفيليات السياسية

في مجتمعات تتأرجح بين النظام القبلي والشد العشائري والاستبداد السياسي تنمو وتنتشر أنواع من الطفيليات السياسية والاجتماعية التي تعتاش على أجساد مكونات وشخصيات سياسية واجتماعية أفرزتها وتفرزها تلك المنظومة المستبدة سواء ما كان منها في السياسة أو في مفاصل وتركيبات المجتمع ومكوناته القبلية والقروية التي انتشرت في المدن بعيد قيام الجمهورية وحتى يومنا هذا، حتى أنها تغلغلت في مفاصل كثيرة ومهمة من مراكز القرار والتشريع.
وربما كانت في أطوارها الجنينية أو في بداية ظهورها قبل شخصنة الإدارة والحكومة أيام الحكم الملكي، ومن ثم تسلط فئات أو عصابات في انقلابات تشبه إلى حد كبير سلوك المافيا وتصرفاتها كما حصل في انقلابي 1963م و 1968م اللذان قادتهما مجاميع منظمة من الإرهابيين وما أعقب ذلك من قيام نظام العصابة وجمهورية القرية والعشيرة التي أنتجت وطورت أجيالا خطيرة من الطفيليات السياسية التي بدأت منذ سقوط النظام بتطوير نشاطها ومجالها الحيوي وتحولت إلى قنوات لعبور كل أنواع الفساد والإفساد ورجال المهمات التدميرية في الاقتصاد والتخريب والقتل والتذبيح وإشاعة الفتنة الطائفية وتأليب الرأي العام ضد طائفة أو قومية أو حزب ما ليتسنى لها الاستمرار والبقاء.
أن الكثير من هذه السلالات الطفيلية يعود إلى أواخر أيام الدولة العثمانية وبقاياها وما زرعته على أديم العراق بالتعاون مع الذين وقعوا الصلح في لوزان وأشعلوا الفتنة والاضطهاد في كوردستان وما آلت إليه الأمور بعد إلحاق الموصل بالمملكة العراقية ونشوء أجيال من الطفيليات العرقية والسياسية التي تعتاش على مركزة السلطات في بغداد وتهميش بقية الأجزاء والأجناس.
وليس ببعيد عن العراق وما حصل فيه منذ تأسيسه وحتى سقوط نموذجه المتخلف في الإدارة والحكم كثير من الأنظمة التي ادعت الثورية وانقلبت في عمليات سطو مسلح على أنظمة حكم في بلدانها وأطلقت على تلك العمليات بالثورات ومجموعة الشعارات التي كانت تلامس عواطف الأهالي والعموم، حتى أنها وفي غياب الديمقراطية توهمت بأنها تمثل 99,99 من رأي الشعب وأصواته في تمثيليات الانتخابات التي كانت تجريها على مسرح عملياتها، وهي بالتالي عصابات قبلية أو بيتية أو ربما مناطقية تجتمع لغايات بدوية أو غرائزية في المال والسلطة تحت شعارات وهمية لتخدير الأهالي والرأي العام وما يحصل في كثير من هذه البلدان المعروفة برؤسائها وملوكها ( القادة الأفذاذ ) الذين يقودون عصاباتهم منذ عقود طويلة بانتخابات الــ 99% .
هذه الطفيليات نمت وتربت في كنف أنظمة الاستبداد وفقدت مواصفاتها الإنسانية لتتحول مع الأيام إلى طفيليات تقتاد على فساد الأنظمة الدكتاتورية وتنمو بعيدا عن رأس النظام أو مراكز القرار لتبني لها عوالمها الخاصة في تخريب المجتمعات والاستحواذ على المكاسب من خلال انتشارها افقيا في مؤسسات الدولة ومفاصلها الاقتصادية والعسكرية والأمنية. إن هذا الانتشار الواسع لهذه الطبقة أنتج ترديا كبيرا في أداء الدولة وتقهقرا في السلوكيات الاجتماعية بسبب إفرازها لأنواع من السلوك الانتهازي التكسبي الذي يعتمد التملق والتدليس أساسا في علاقاته والذي لا يأبه بالمصالح الوطنية والإنسانية للفرد والمجتمع ويختصر كل الوطن وما عليه بل الدولة وما فيها في شخص واحد أو مجموعة أشخاص.
ولعل أوضح صورة ظهرت عليها تلك الطفيليات هي ما نشاهده اليوم في اختراق مؤسسات العراق الجديد منذ سقوط نظام العصابة، حيث تغلغلت هذه الطفيليات من خلال القوى الانتهازية وكثير من عناصر النظام السابق مع الأيام الأولى لدخول قوات الاحتلال إلى معظم الأحزاب السياسية ومؤسسات النظام الجديد ( السلطات الثلاث ) إضافة إلى تعاونها مع مفاصل مهمة في القوات الأمريكية والبريطانية وبالذات الكثير من القيادات الحزبية والعديد من شيوخ العشائر الذين انتجتهم دائرة العشائر في ديوان الرئاسة السابق ممن تم تصنيفهم إلى ثلاثة موديلات أ ، ب ، ج والذين استحوذوا على ممتلكات الدولة وآلياتها وموجودات مخازنها عشية هروب ( الرئيس القائد ) إلى الحفرة الشهيرة وسقوط النظام في نيسان 2003م على خلفية ما أطلق عليه صدام حسين وأحله لهم مما عرف بـ ( الحواسم ) أمام مرأى ومسمع وحماية القوات الأمريكية التي حولتهم فيما بعد إلى مقاولين ومجهزين رئيسيين لتلك القوات وفي كثير من المحافظات مثل الموصل والبصرة وكركوك مستشارين للأمور الخاصة جدا.