الرئيسية » مقالات » الحكيم ….والأيام العصيبة في مجلس الحكم

الحكيم ….والأيام العصيبة في مجلس الحكم

من السهل ان يتدرج الانسان في سلم التنظيمات السياسية ويعمل ويناضل , وبمرور الايام يصبح قائدا سياسيا لهذا التنظيم الحزبي او تلك الحركة السياسية , بما يحمله من تجارب في ميدان العمل السياسي والاجتماعي , لكن ليس بالضروره ان يتحول هذا القائد السياسي الى قائدا شعبيا تلتف حوله الجماهير , فالجماهير لها مزاجا واحساسا يختلف عن مزاج السياسيين وطريقتهم في الالتفاف حول القيادات التي تخرج من بين صفوف تنظيماتهم السياسية .

فأحساس الجماهير بقياداتها تبدأ في الوهلة الاولى من لقاءها بالشخصيات , وذلك عندما تشعر الجماهير بأن هذه الشخصية هي ملك لها وليس لأحد ان ينافسها على هذا الكنز .

لقد كان فقيد العراق السيد عبد العزيز الحكيم رض ملكا للشعب ولم تكن له حياة الا بمقدار قربها من الشعب ومصالحة , ففي الايام الاولى من تشكيل مجلس الحكم انبرى فقيد العراق في تأمين مصالح الامة العراقية بكل مكوناتها وطيفها الجميل , فالموقف الاول الذي اتخذه السيد الحكيم رض هو قراره بعدم دخول مجلس الحكم الا بشروط اشترطها على الحاكم المدني الامريكي الذي كان قد اعد قائمة من الشخصيات السياسية التي تمثل الطوائف العراقية , وبعد اطلاع السيد الحكيم رض على تلك القائمة وجد انها اختيرت بعناية امريكية تؤمن مصالح الدولة المحتلة لا مصالح الشعب العراقي , فأصر السيد الحكيم على اضافة قيادات سياسية وحركات كان قد استبعدها الحاكم المدني الامريكي , ومن ذلك اصراره على حضور حزب الدعوة الاسلامية الذي كان قد استبعد بقرار امريكي بسبب مواقف الحزب في معارضة اسقاط النظام بعمل عسكري امريكي وكذلك اصرارة على وجوب تمثيل التركمان في مجلس الحكم .

وكان السيد الحكيم يكثر من اللقاء بأطياف الامة العراقية ويستمع لآراءهم ويتبنى طلباتهم التي تصب في مصلحة الشعب بكل اطيافه , ففي احدى زياراتي لمكتبه ايام عضويته في مجلس الحكم رأيت وجود وفد من الطائفة الايزيدية ووفد من احدى حركات الكرد الفيلية وعلمت من اعضاء الوفدين ان السيد دائم الاتصال بهم ويناقشهم بكل مستجدات الاوضاع بعد سقوط النظام .

وفي زيارتي الثانية له وجدت وفد من الصابئة ووفد من المسيح الارمن , فكان لي شرف التعرف عليهم وتبادل الحديث معهم وكان مما اخبرني به احد اعضاء وفد الصابئة بأن السيد هو الذي طلب استضافتهم وهو الذي بدأ المبادرة باللقاء بهم واخبرني ايضا بأنه نقل لهم كل مايدور في اروقة مجلس الحكم واجتماعاته لكي يكونوا مطلعين على التغيرات السريعة في تلك الفترة .

ومما يحسب للسيد الحكيم هو اصراره على ان تكون المرجعية الدينية في النجف الاشرف حاضرة ومطلعة على كل تفاصيل العملية السياسية بل انه قدس سره الشريف كان ينقل كل صغيرة وكبيرة الى المرجعية المباركة وكان يسدي لها الاستشارة بكل امانه ودقة ومما اشار على المرجعية المباركة هو موقفة الصلب في وجوب كتابة الدستور بأيدي عراقية فقدم استشارته الى المرجع الكبير اية الله العظمى السيد السيستاني دام ظله بأن الانتخابات هي الكفيلة بأن تفرز ممثلين حقيقيين للشعب العراقي يأخذون على عاتقهم كتابة الدستور فأستحسن المرجع دام ظله هذا الطرح وطلب من السيد ان يدرس القضية وامكانية اجراء انتخابات في ذلك الظرف الحساس من حياة الامة , فقدم دراسته في امكانية اجراء الانتخابات وفق بيانات البطاقة التموينية , فحاولت بعض الجهات في داخل العراق وخارجة ان تضغط من اجل ان لا تجرى انتخابات قد تفتح الباب على حياة ديمقراطية في العراق غير مألوفة في الوسط الاقليمي الذي يعيش معظم شعوبه دكتاتوريات ترفض مجرد الحديث عن شيئ اسمه انتخابات , فصدر موقف المرجعية المباركة في اسناد الطرح الذي قدمه السيد الحكيم رض واعلنت عن موقفها في وجوب اجراء الانتخابات .

لقد كانت فترة مجلس الحكم في العراق فترة عصيبة لم تكن تفاصيل فصولها مكشوفة للامة , لقد كانت معانات كبيرة عاشها السيد الحكيم رض من اجل تأمين مصالح البلد الى قرون وازمان بعيدة . لم نكن نستوعب خطورة تلك المرحلة التي كان يؤسس فيها العراق وتوضع لبنات بناء مستقبله السياسي والاقتصادي وحتى الاجتماعي لان اللعبة الدولية التي دخل فيها العراق بسبب ممارسات النظام السابق كانت لعبة خطيرة جدا , كان اللاعب الرئيسي فيها ومن دون منازع هو اللاعب الامريكي الذي لم يكن يتوقع ان يرى لاعبا اخر ينافسه في العراق المحطم البنى , وفجأة يجد المرجعية في العراق بنية اجتماعية لم تصل اليها يد العبث والتخريب بالرغم من كل ماعملته السياسة الامريكية من اجل التمهيد للغزوا من حصار اقتصادي وعزل دولي للعراق وصل حد القطيعة العلمية والثقافية والتقنية والتجويع و ….

وكان لابد من قناة سياسية متمكنة وامينة وايضا لابد ان تكون من جسد المرجعية وهيكليتها الاجتماعية لتكون الذراع التي تتحرك بها المرجعية المباركة من اجل رسم سياسة البلد والمساهمة في بناءه والتخطيط لرسم سياساته المستقبلية , وكون الارث المرجعي في العراق لم يسجل تعاملا مباشرا مع الانظمة المتعاقبة بما فيها النظم الاستعمارية التي مرت في حياة البلد , فكان دور السيد الحكيم رض هو تلك الذراع القوية الامينة والمتمكنة للمرجعية المباركة خاصة وانه من الجسد المرجعي وهيكليته الاجتماعية فصار موقع السيد الحكيم في بغداد هو موقع المرجعية وذراعها الامينة .

هذا الدور الكبير الذي تحمله السيد الحكيم لابد ان يدرس ويناقش وتوضع فيه الدراسات والبحوث لانه دور كبير لم تألفه السياسات الدولية فدوره رضوان الله عليه اضاف لمناهج العلم السياسي فرعا اخر لابد من تقييمة بشكل يتناسب مع خطورته , نعم خطورته , لان الامامية لم تألف تدخل المرجعية في الامور السياسية بل وفي تفاصيل العمل السياسي الا بالمقدار العام والبعيد عن التفاصيل , الا ان دور السيد الحكيم حفظ للمرجعية موقعها الروحي وهيبتها الاجتماعية وفي نفس الوقت جعلها في قلب الاحداث وفي ادق التفاصيل , فهو بحق الابن البار للمرجعية المباركة والقائد الشعبي الذي انتظرناه والاخ الذي نأتمنه والحنون الذي نلجأ اليه والحكيم الذي كان يحول مواطن الضعف الى مواقع قوة والفاضل الذي سار بنا سيرة الفضلاء ….. فسلام على الحكيم وجعل الله مثواه الجنة ومجاورة الاطهار عليهم السلام .