الرئيسية » التاريخ » المجتمع الكردي في المنظور الاستشراقي الحلقة الثالثة والعشرون بعد المئة

المجتمع الكردي في المنظور الاستشراقي الحلقة الثالثة والعشرون بعد المئة

ولكن اهم ما جاء به توما بوا هو ذكره لطبيب فرنسي (الدكتور ماركيز) الذي تأكد بنفسه عام 1948 ان النساء في ديار بكر وارضروم وخربوت أي في كردستان تركيا كن يعرفن الدور الفعال لعفن الخبز في مداواة بعض الجروح او الامراض وكان هذا بمثابة البنسلين قبل انتشاره في العالم.
كما يستخدم الكي أيضا في بعض الجروح، كذلك يستخدم الفتيل عندما يكون الجرح قد تقيح لامتصاص القيح من الجرح. ويذكر بوا ان جراحين مهرة في الكسور والجروح علمتهم الخبرة كيف يعتنون بمرضاهم فالجرح الذي تحدثه رصاصة يمكن علاجه بالكي وبالعشب والبارود المسحوق واذا كانت الرصاصة مستقرة في الجسم يلجأ الجراح الى تمزيق اللحم لاستخراجها واذا كان العظم مكسوراً يعاد الى وضعه مع وضع لبخات على المنطقة منها وضع اسماك على المنطقة حتى تتعفن ويستمر الجراح او المجبر بتطرية العظام ذات الكسور الشديدة او غير الملتصقة جيداً ويمكن ان تعاد العملية اذا فشلت (95-96).
اما هاملتون الذي شق طريقاً عملاقاً بين اربيل وراوندوز عبر مناطق جبلية منيعة فيحدثنا عن تجربته في المجال الصحي فيذكر انه كان يتولى معالجة الحالات التي تقع أثناء العمل ولقد اضطر الى فتح مستوصف موقعي لمعالجة الإصابات الطفيفة وامراض الرجال وزودته مؤسسة الصحة بصندوق سهل الحمل حوى الأدوية والعلاجات اللازمة ويدعمه عند الحاجة صديقه الطبيب السوري، الذي كان يعمل في اربيل، وربما كان هذا الطبيب السوري، الذي ذكره هاملتون هو الدكتور صبري القباني فقد سمع المؤلف ان طبيباً سورياً كان يعمل في اربيل وهو نفسه الذي اصدر مجلة طبيبك، وكتاب الغذاء لا الدواء. ان هاملتون المهندس كانت له خبرة طبية على ما يبدو او انه امتلك هذه الخبرة اثناء عمله في شق طريق راوندوز اذ املت الحاجة الى طبيب، ان يقوم بمعالجة المصابين بحوادث العمل، لانه يذكر ان بعض العمليات كانت تبلغ مبلغ العملية الكبيرة وينصرف المرضى مرتاحين وقد ابلوا من امراضهم (116).
ويصف هاملتون عدة العمل الطبي التي كان يمتلكها او ما يحتويه الصندوق اذ فيه زجاجة تحوي صبغة اليود ومقادير من الكنين وحامض البوريك والاسبرين والملح الانكليزي المسهل والمورفين الذي كتب عليه هاملتون (سم) وزيت الخروع وبرمنكنات البوتاس ومباضع ومقاصص ولفافات وأوتار لخياطة الجروح وشظايا خشبية لرأب الكسور.
ان هاملتون توصل الى ما توصل اليه ويكرام من قبل فكلما كان مذاق الدواء اشد مرارة كانت ثقة المريض اكبر، وقد عالج هاملتون حالات سريرية ايضاً منها الملاريا اذ كان يعطي مريضه جرعات منظمة من الكنين. اما الجروح فتنظف بالماء الحار وتمسح باليود وتغسل العين الرمداء بالبوريك والعارض الغالب، كما يذكر هاملتون، هو التراخوما. وكان يرسل من يشتد المرض عليه الى مستشفى اربيل ولكن عندما ابتعد موقع العمل عن اربيل، انشأ هاملتون مستشفى ميدانياً مؤلفاً من عدة خيم، ويذكر مبررات انشاء هذا المستشفى. فقد اراد هاملتون على حد قوله ان يتاح للفقراء من المرضى الافادة منها ونيل طعام جيد مع بعض العناية وراح يؤمه رجال القبائل احياناً بعد خروجهم من ساحات معاركهم الدموية فيقطعون مسافات كبيرة عن ديارهم لتضمد لهم جراحهم.
يصف هاملتون مشاعره الشخصية وهو يرى هؤلاء الناس من القبائل الكردية وهم يتجهون نحو مستشفاه بثقة – يسميها ساذجة عمياء – تحرك في نفسه اعمق العواطف الإنسانية (117).
اما هانسن، فتحدثنا عن مشاهداتها في الجانب الصحي وقد ذكرت انطباعاتها المؤلمة عن أطفال يموتون في السليمانية بسبب أصابتهم بالإسهال او بسبب انقطاع حليب الام وسوء التغذية وقد صادف ان مات الطفل الأصغر في العائلة التي سكنت هانسن معهم وتصف اخذ الطفل الى الطبيب وقد رافقتهم اليه (89).
لقد سألت هانسن من الطبيبة الألمانية التي كانت في السليمانية انذاك عن سبب وفيات الاطفال بكثرة في السليمانية، فأجابتها ان الحمل المتكرر وعدم وجود فاصلة زمنية كافية بين حمل وحمل اخر يضعف من قدرة الام على اعطاء الكفاية من الحليب هذا من جهة ومن جهة اخرى فان غذاء الام في البيت اقل من غذاء افراد الأسرة لانها تأكل ما تبقى والمهم عندها ان افراد الاسرة قد شبعوا ولذا فان نسبة البروتين أي اللحم وغيره من الغذاء البروتيني لدى المرأة الحامل قليل يستهلك الجنين قسماً منه والقسم الاخر يدخل في تكوين الحليب للرضيع الذي يرضع على صدرها وبالأساس كما أشرنا فانها بطبعها زوجة وام تعطي لزوجها وأطفالها من الغذاء قبل ان تحسب لنفسها حساباً (88).
فضلاً عما تقدم فان الوعي الصحي ضعيف وان مياه الشرب كانت غير معقمة لا سيما في البيوت التي يصلها الماء بواسطة ساقية تدخل في بيت لتخرج فتدخل في البيت الذي يليه. هذا النظام من إسالة الماء كان بدوره مسؤولاً عن ملايين الميكروبات التي تدخل أجسام الاطفال فتحصد منهم الآلاف (97).
taakhi