الرئيسية » مقالات » مرة أخرى عن اليسار في الإسلام

مرة أخرى عن اليسار في الإسلام

كانت القبيلة أول تشكيلة اجتماعية ظهرت في التاريخ و كانت محل الاقتصاد ( أو نمط الإنتاج ) المشاعي و لكنها لم تكن تشكيلة جامدة بل كانت دائمة التغيير و كانت تتطور باستمرار باتجاه نمط إنتاج يقوم على تقسيم العمل و استغلال طبقة لأخرى , كان ظهور الأرستقراطية القبلية أو العشائرية مثلا يعتبر خطوة في هذا التطور المستمر , هذه الأرستقراطية كانت في البداية غير ثابتة و ذات امتيازات محدودة لكنها في وقت لاحق انفصلت عن المنتجين لتشكل المصدر الذي نشأت منه أول نخبة حاكمة و أول طبقة مستغلة في التاريخ , في الجزيرة العربية بقيت القبيلة هي التشكيل الاجتماعي الأساسي حتى انتصار الإسلام و تشكيل الدولة الإسلامية عندما تحولت إلى تشكيلات اجتماعية ثانوية في مقابل تشكيلات اجتماعية جديدة , كانت الأرستقراطية القبلية قد أصبحت قبل الإسلام منفصلة عن المنتجين المباشرين , تعتمد على النسب و تتحدد بالوراثة , و كان العبيد قد ظهروا , لكنهم لم يكونوا مركز عملية الإنتاج بعد , أما أفراد القبيلة , الذين أخذوا يصبحون أكثر فأكثر عرضة للتهميش الاجتماعي فقد ردوا من خلال أول حالة تمرد على هذا التهميش الاجتماعي و هي حركة الصعاليك التي مثلت حالات فردية ثارت على حالات استغلال فردية إلى أن انتهت إلى موقف أكثر وضوحا و نضجا عندما شرعت الاستيلاء على الملكية الخاصة للأغنياء لإطعام الفقراء مع عروة بن الورد . الأرستقراطية القبلية المتمثلة في بني أمية شكلت مركز الطبقة المستغلة – النخبة الحاكمة الأولى بينما انتقلت تلك الأقسام التي استبعدت من هذه الأرستقراطية إلى المعارضة السياسية – الشيعة و آل البيت , أما الأعراب , الذين ربطوا فكرة العدالة بذكريات الديمقراطية القبلية السابقة , فقد شكلوا معارضة دائمة للدولة الطبقية القائمة , عنيفة و ذات منطق بسيط يقوم على المفهوم البدوي لفكرة العدالة : أي الخوارج , هذا المنطق الذي حاكم حتى الرسول محمد على خروجه عن هذا المبدأ الأساسي للاجتماع القبلي – حديث ذي الخويصرة للرسول محمد و مطالبته إياه بالعدل بين الناس , كان هذا الفهم يواجه منطق الأرستقراطية القبلية التي تحولت إلى طبقة مستغلة, ملاك العبيد و الأراضي , حيث رفضت فكرة العدالة ( كأي طبقة سائدة في أي مجتمع طبقي ) لصالح سيطرة تلك الطبقة و شكل هذا الفهم أساس القراءة السائدة للمقدس , فبينما استخدم الخوارج فكرة حاكمية الله ليستنبطوا منها ضرورة العدالة بين المسلمين استنبط فقهاء السلطان منها جبرية التفاوتات الطبقية بين البشر و نسبتها إلى إرادة الله . سنجد هنا تطابقا هائلا بين المفهوم الديني السائد عن العدالة ( السني الذي يعرب عموما عن دين القصور و السلاطين ) و بين الفهم البرجوازي لنفس القضية أي لفكرة العدالة , في المرة الأولى على الصعيد الكوني و في المرة الثانية على الصعيد الاجتماعي الإنساني , كلا الموقفين يقومان على قدسية الملكية الخاصة في مواجهة أي اعتبار آخر , ففي مواجهة المعتزلة الذين اعتبروا الله عادل لأنه لا يظلم البشر و بالتالي استنتجوا أن البشر هم الخالقون لأفعالهم و بذلك المستحقون للثواب أو العقاب , في مواجهة مثل هذا الفهم للعدالة الإلهية اعتبر فقهاء السلاطين أن الله عادل لأنه إنما يتصرف “كما يشاء” في ملكه الخاص , تماما كما أن البرجوازية و منظريها يعتبرونها عادلة لأنها إنما تتصرف في ملكها الخاص كما تشاء . عندما تكون الملكية الخاصة أقدس أقداس السائد فإنه على الفقراء أن يعيدوا تعريف العدالة , و هذا ما فعله الخوارج مستندين إلى مثال الديمقراطية القبلية و هذا ما فعلته فرق الغلاة و خاصة الإسماعيلية بالاستناد إلى فكرة عقلنة الخطاب الديني و السلطة و المؤسسة الدينية الفاسدتين . كانت مغامرة القرامطة في غرب الجزيرة العربية و جنوب العراق و الخرمية في خراسان جريئة في تحطيم أصنام المقدس السائد , و جريئة في تشكيل مجتمع شيوعي يتشارك فيه الناس بملكية كل شيء , كان هناك إذن صراع مبدئي حول قيمة العدالة و فهمها اجتماعيا كما هو الحال منذ ظهور أول نظام طبقي في التاريخ الإنساني , لكن إلى جانب هذا الصراع كان هناك صراع آخر حول موضوعة الحرية لا تتطابق معالمه تماما مع الصراع السابق حول قضية العدالة , كان هذا الصراع يدور حول السلطة بالضرورة أو ما تسمى بمسألة الإمامة , و كما هو الحال اليوم لا يمكن مطابقة معارضة السلطة القائمة بمشروع تحرير الإنسان سياسيا , فبينما كانت ثورة الخوارج ترفض فكرة الإمامة أساسا مع استعادتهم لنموذج الديمقراطية القبلية كانت الشيعة , و ما تفرع عنها من فرق , ترى الدين طاعة رجل , من الصحيح أن الكثيرون قد استخدموا هذه الوضعية الخاصة للإمام في إعادة صياغة جذرية لفهم النص المقدس و في بعض الأحيان لصالح فهم جديد عن العدالة مختلف تماما عن الفهم السني السائد الموالي للسلطة , لكن النتيجة كانت بالضرورة سلطة جديدة , شديدة المركزية أي أوليغاركية جديدة بالضرورة , كما نجد مثلا في النظام الفاطمي في مصر , أما القدرية التي نشأت كفرقة معارضة للسلطة الأموية تدعو إلى الشورى فإنها قد انتهت مع التعليم الكلامي الراقي للمعتزلة إلى أن أصبحت جزءا من مؤسسة الحاشية – السلطة في مسعاها لعقلنة خطاب المؤسسة الدينية و حتى عندما انقلبت عليها السلطة العباسية كانت قد تحولت إلى مجرد فرقة كلامية معزولة عن المشهد الاجتماعي عاجزة عن القيام بمعارضة فكرية اجتماعية فعلية و انتهت بعد عدة محاولات لاستعادة مكانها في مؤسسة الدولة ناجحة حينا و فاشلة أحيانا , يجب هنا أن نذكر أنه مما أخذه الخوارج على عمر بن عبد العزيز أنه لم يجعل الأمر شورى بين المسلمين رغم إقراره بكل جرائم سلطة أسرته الأموية الاستبدادية , و أن ثورة الوليد بن يزيد الخليفة الأموي القدري هدفت لتحويل السلطة من الأسرة الأموية إلى أن تعود شورى , لكن في وقت لاحق تراجع شعار الشورى المعارض لصالح شعار إمامة بديلة “أكثر عقلانية و أقل فسادا” , الذي انتهى في التطبيق , مع اعتماد التعاليم المعارضة , الإسماعيلية خاصة , على الأفكار الفيثاغورثية و الأفلاطونية الجديدة لتبرير وضعية فوق إنسانية للإمام في نظام الكون , و بالتالي لمؤسسة السلطة في الواقع الاجتماعي الواقعي , إلى أوليغاركية جديدة “تدعي أنها مستنيرة” , لكن يبقى من الممكن الحديث عن تعايش مؤسسات مختلفة في قلب أكثر الحركات الاجتماعية جذرية , و هي حركة القرامطة , مؤسسات تقوم على مركزية السلطة و أخرى تقوم على التسيير الذاتي للمنتجين , و ليس من الغريب هنا أن نعرف أن الأعراب من جهة و الموالي و العبيد و الأجراء الناقمين على أصحاب المهن و الأراضي من جهة أخرى كانوا الخزان البشري الأساسي الذي مد حركة القرامطة بالعنصر البشري المؤمن بأفكارها الشيوعية , أما أسلاف الشيوعيين التحرريين في شرقنا اليوم فقد كانوا من بعض الخوارج و بعض القدرية – المعتزلة , الذين ربطوا بين مشروعي العدالة و الحرية , الذين رفضوا تفسير الطبقة السائدة و فقهائها للعدالة و دعوا في نفس الوقت إلى قيام مجتمع لا توجد فيه سلطة مركزية لصالح تنظيم يقوم على مبادئ الأخوة و العدالة و التضامن الإنساني……………….