الرئيسية » مقالات » حوار مع صديقي المؤمن

حوار مع صديقي المؤمن

كان القرآن يستهزأ بالأصنام لأنها لا تملك ضرا أو نفعا لا لغيرها و لا لنفسها , و يذكر كيف قام إبراهيم بتحطيمها دون أن تتمكن حتى من الدفاع عن نفسها , و يؤكد القرآن , ربما كسائر “النصوص المقدسة” , أن الدنيا أهون على إله السماء من بعوضة أو ذبابة , لكن عندما يأتي الأمر لعقاب أشخاص مثل السهروردي أو غاليلو أو جوردانو برونو أو الحلاج أو ابن الراوندي أو طه حسين أو غيرهم ممن يعتبرهم فقهاء الأديان السائدة قد تجرؤوا على إلههم يقف هذا الإله عاجزا عن الدفاع عن نفسه و يبدو أنه يحتاج إلى بعض “عبيده المخلصين” لمعاقبة هؤلاء “الجاحدين” , هذا الإله بما يملك من أسلحة دمار شامل و قوة مطلقة مزعومتين يمتنع , مثل الأصنام التي حطمها إبراهيم , عن مثل هذا الانتقام لنفسه و كرامته من هؤلاء الذين يجحدونه أو يرفضون أن يكونوا عبيدا له و لمن يحدده من البشر , أي للسلاطين و الأغنياء الذين “خولهم” حكم البشر و التصرف بهم و ما ينتجونه و بكل خيرات الأرض , هل يحتاج إله كهذا إلى أمثالكم ليدافع عن نفسه , هل نحن و أنتم البشر المفتقرون لهذا الإله أم أنه هو الذي يحتاجكم لعقابنا كما لو كان عاجزا حتى في مواجهة بعض البشر الذين لا قوة لهم إلا عقلهم و شجاعتهم , و هو الذي تنسبون إليه كل موت “طبيعي” , كل “كارثة طبيعية” بما في ذلك التي تنتج عن استغلال الإنسان للإنسان و قتل الإنسان للإنسان , ألا يستطيع بعد أن يجبر كل الفقراء و الكادحين على العمل مجانا لصالح مستغليهم , كما تزعمون , و أن يقتل كل من يقتلهم السادة و الأغنياء بأمره , كما تزعمون أيضا , أن يقتل دون وساطتكم بعضا من البشر الذين يرفضون أن يعيشوا كالعبيد , أيحتاج إله بهذه القوة لأمثالكم , و أنتم بكل دنياكم لا تشكلون بعوضة في قوة هذه الإله ؟ من المؤكد أن الله ظهر نتيجة عجز الإنسان و قصوره , لكن من المؤكد أيضا أن الفقهاء , من مختلف الأديان , قد اعتبروا أنه كان دائما إلى جانب الأقوى , الطبقات السائدة . في الحقيقة ربما كان هناك زمن يبحث فيه الفقراء عن إله ما في معارضة إله الأغنياء , لأن القضية كانت كذلك دوما : طبقة في وجه أخرى , إله في وجه إله , لكن قوة الإنسان نمت و تطورت اليوم لدرجة أن الوهم لم يعد ضروريا لمقارعة مصاعب الحياة بما في ذلك التي يخترعها السادة باسم هذا الإله , ليس للفقراء إله في مقابل إله السادة و الأغنياء , فلا يمكن للحرية أن تتعايش مع فكرة العبودية , لم يكن من الممكن لسبارتاكوس , و معه العبيد , أن يثور في وجه روما لو كانت العبودية قدر البشر , و خلافا للهراء عن استبدال عبودية البشر بالآلهة , التي تصبح مجرد طريقة التفافية لتبرير عبودية أشخاص “يستعبدون الناس هذه المرة نيابة عن إله مزعوم” , فقد حرصت المؤسسة الدينية التابعة للسلاطين على اعتبار الإيمان سيفا مسلطا على رقاب العباد ليصبح مبررا للقتل و للاستعباد , إننا هنا أمام ديكتاتورية فكرية عقائدية سياسية اجتماعية , كل الآلهة تعشق الموت ( حتى يبدو الموت كأنه الوظيفة الأساسية للآلهة ) بينما يريد الفقراء , و بالتالي البشر , أن يغيروا الحياة نفسها لتصبح جديرة بالبشر , هنا يجب إيضاح قضية أساسية جدا أن قضية حرية الفقراء , و بالتالي حرية البشر الحقيقية , لا تتعلق بالهراء البرجوازي عن الحرية , إن البرجوازية تبشر فقط بديكتاتورية الأغنياء نفسها و بوهم جديد لا يقل سخافة عن سخافة وهم الإله , إن الهراء عن مادية البرجوازية لا يمكن أن يعني أي شيء بالنسبة للحرية الفعلية للفقراء , و بالتالي للبشر , فقد كانت المواجهة البوشية – البن لادنية مجرد مواجهة بين الأصوليات المتعشطة للدماء , و صراع من يسمون أنفسهم بالسلفيين مع أنظمة القهر و الاستبداد المتعفنة لا يعني أنهم يتبرؤون من تراث القهر و السجون الذي استمر قرونا طويلة باسم دين السادة , على العكس تماما , فالخلاف هنا هو على أسماء السادة و على أسماء المسجونين و المذبوحين . و رغم كل ما ينسبه هؤلاء و أولئك لإلههم من قدرات و صفات , لا يترك السادة كل شيء لإلههم , بل إنهم لا يتركون له أي شيء , فهم يراكمون السلاح الكافي لقتل أكبر ما يمكنهم من البشر و يبنون المزيد و المزيد من السجون , بما يثبت أنهم متأكدين من عجزه , إن كل ما فعله رجال الدين المسلمون و المسيحيون و اليهود , فقهاء السلطة الغاشمة و الطبقات المستغلة في كل مكان و زمان , أنهم اخترعوا مكانا بعيدا جدا لإلههم بعيدا عن بلطة شخص مثل إبراهيم , و استبدلوا قواه المزعومة بسجونهم و تنكيلهم و سياراتهم المفخخة و صواريخهم العابرة للقارات لفرض نظام الأغنياء و السادة بالقوة الفعلية لا المتخيلة أو الوهمية .