الرئيسية » مقالات » الفنان عزيز علي بين الواقع ورؤية الشرقية

الفنان عزيز علي بين الواقع ورؤية الشرقية

دأبت قناة الشرقية العراقية على بث البرامج والمسلسلات الترفيهية الساخرة التي تنحوا منحى سياسيا تحاول من خلاله كشف بعض الصور الواقعية لما عليه المجتمع العراقي وما تزخر به حياته من المتناقضات وقد أكتسبت مسلسلاتها وبرامجها بعدا شعبيا لما فيها من صور كاريكاتورية تدغدغ مشاعر الأكثرية من أبناء شعبنا العراقي التي تحاول القفز على واقعها البائس من خلال الغرق في حمى الفكاهة والسخرية على طبيعة الشعوب المقهورة في تلمس النكتة للهروب من واقعها المقيت.

ومع الإعجاب ببعض ما تبثه الشرقية رغم ما يعتوره من دس في بعض الأحيان سواء في نقد الواقع برؤية قد تخرج عن أطر الموضوعية أو التاريخ القريب من خلال دس السم بالعسل وتزيين وجوه كالحة وإضفاء مسحة من الوطنية عليها الى تشويه لبعض الصور الزاهية في تاريخنا الحديث ومحاولتها لطمس الواقع وتشويهه من خلال صور وأحداث لا تتماشى والسياق التاريخي ،ولا تنسجم مع الوقائع التي عايشناها أو قراناها من خلال متابعتنا لأدق مفاصل التاريخ ،ودس السم بالعسل سياسة دأبت عليها الشرقية للترويج لمبادئها البعثية المعروفة وارتباطاتها بدول لها مصالحها في العراق لذلك على المشاهد توخي الحيطة والحذر في تلقيه لما تطرحه الشرقية .

وآخر ما طلعت به الشرقية مسلسلها (زنود الست) الذي أسندت بطولته للفنانة البصرية الواعدة (دالي) التي خرجت علينا بجسدها الرشيق الفتان وسحرها الطاغي وحركاتها الجميلة وصوتها الأجمل الذي أعاد لنا أطياف الماضي الجميل بأغانيه وموسيقاه التي كانت مدار اهتمام العراقيين وولعهم ،وتناولت من خلال هذا المسلسل نتف من حياة أو مواقف بعض الفنانين العراقيين بأسلوب كوميدي ساخر من الواقع العراقي المريض وكانت حلقة منه مخصصة للفنان الوطني الأشهر عزيز علي صاحب المنولوجات السياسية التي لا زالت حية في الذاكرة العراقية لتعبيرها الواقعي عن معاناة الجماهير في كل زمان ومكان!!!

ولا أدري كيف جاز للشرقية تشويه صورة هذا الفنان وقلب حياته وتاريخه رأسا على عقب،وتزييف الكثير من الأحداث التي سنتناولها لاحقا ،وليس للفنان الراحل كما يعلم الكثيرون أي توجهات معادية للنظم الوطنية أو مهادنة للحكومات البائد فقد كان صوتا شعبيا هادرا يحسب له ألف حساب وكان عليها العودة لما كتبه المفكر البعثي حسن العلوي ،الذي ألف أول كتاب عن عزيز علي اللحن الساخر ونشره في الخمسينيات ،وهذا الرجل ثقة لدى الشرقية وطاقمها وما يقوله هو القول الصراح فكيف لها اعتماد الخيال في توثيق الواقع دون اللجوء للمصادر التاريخية وأين لها عندما تقول أنه فصل من الكمرك عدة مرات في الوقت الذي لم يفصل ولا مرة واحدة بل كان يعتقل بين فترة وأخرى لأذاعته منولوجات منددة بالعهد الملكي المقبور وانه فصل من المدرسة الثانوية لاشتراكه بالمظاهرة الجماهيرية الكبرى المنددة بقدوم الفريدموند.

وأظهرت الشرقية الفنان عزيز علي يغني في المقاهي حاملا لعصا يدور بها ذات اليمين وذات الشمال وكأنه أرجوز همه أضحاك الآخرين في الوقت الذي لم يتدانى هذا الفنان الملتزم الى الغناء في المقاهي على عادة مطربي تلك الأيام ولم يعهد عنه أنه غنى لغير شعبه ووطنه وكانت مجمل أغانية حداء صادق لكل ما هو وطني وأنساني فكيف للمؤلف الفاضل أن يزج هذا الفنان الوطني بين فناني المقاهي ومغني الملاهي وهو الفنان الملتزم الذي لم يأخذ أجرا عن غناء أو يتخذ من الفن طريقا للتكسب على عادة الفنانين والمغنين الذين يتغنون لهذا العهد أو ذاك الزعيم،وانه عندما منع من الغناء أضطر لكسب عيشه من عمله الحرفي بعد أن سدت بوجهه أبواب الوظيفة ولم يكن من المتسكعين على أبواب الملاهي والمقاهي كما تحاول أن تظهره الشرقية متجولا بين المقاهي والملاهي يبيع الفكهة لهذا أو ذاك.

وكلن على الشرقية اختيار الصور الزاهية لهذا الفنان الملتزم ومواقفه مع الباشا نوري السعيد فقد ذكر في أحدى اللقاآت أنه”-في يوم أربعاء من اربعاءات عام 1956 كنت استعد لدخول الاســتديو لإنشاد مقال (السفينة) و(صل عالنبي) وإثناء الإنشاد فوجئت بوجود (نوري السعيد) -باشا- وراء زجاج غرفة مراقبة الاستديو ينظر اليَّ مع بعض موظفي الإذاعة وقد خيل اليَّ انه سيكرمني فانسجمت مع المقال وبعد فترة ترك غرفة المراقبة وعاد بعد قليل وهو يحدق بي ويطيل النظر نحوي وبعد لحظات دخل مهندس الإذاعة (ناجي صالح) واسر في أذني (هل تحمل معك مجموعة إشعارك لان الباشا يريد أن يراها) فسلمته إياها وهي بخط يدي وكان الباشا قد سأله (لك هذا شنو دا يحجي من كلبه) فأجابوه (لا باشا هذا هو ينظم ها الأشياء وحافظها ويقرأها على الغيب ومدير الإذاعة موافق عليها) فطار صواب الباشا وقال وين مدير الإذاعة فأجابوه (طلع قبل شيويه) فقال (لعد جيبولي الأشعار اللي دايكولهه هذا- يقصد عزيز).

بعد حين عاد المهندس ناجي ليقول لي (الباشا يريدك) فذهبت إليه وأنا اجهل ما قاله للموظفين.. فقال الباشا وبشكل يوحي بعدم الرضا) أنت شدعوه هلكد متشائم.. وداتبجي الناس بها الحجايات ييزي تشاؤم.. ييزي مضت علينه اربعميت سنة وإحنا نبجي)) ثم أردف قائلاً:

(أنت شنو شغلك)؟ فقلت إني موظف بالكمرك فقال (واي واي.. جمالة موظف بالحكومة) فقلت لنفسي (أكلها عزيز أفندي خوش تكريم راح يكرمني الباشا).

ثم قال الباشا شنو (جي) وشتقصد بعبارة (أخر كل علاج الكي) فقلت باشا انت باشا تعرف الكي فقال الباشا (المن تريد الكي) فأجبته لم اقصد ناساً معينين.

فدس المجموعة في جيبه وقال بسيطة وغادر المكان فخفت في حينها ولم انم في تلك الليلة وفي اليوم التالي ذهبت الى كمرك بغداد حيث كنت اعمل مخمناً فرن جرس الهاتف وحدثني الأستاذ (خليل إبراهيم) مدير الدعاية العام وقال الباشا يريدك ويبدو انه كان يظن انك شيوعي.

فذهبنا سوية الى مجلس الوزراء في القشلة واستقبلنا الباشا قائلا (شتشربون) فاعتذرنا كلانا عن طلب شيء ثم قال (انته يا أخي الله ناطيك هالموهبة تسفط الكلام مثل ما تريد فليش دا تفزز الناس واتبجيهم كول البلد بخير وبيه رجال مخلصين يكدرون يقضون على هالعيوب والآفات.. ليش تلزم الجوانب السلبية وما تذكر الايجابية ثم توقف عند كلمة في مقال (حبسونا) أقول فيها (مجلسكم مجلس أشرار) وقال بالله هذا اشلون حجي فأجبته بأنني اقصد مجلس الأمن وليس مجلس الأمة فقال ليش اني غشيم هذا الحجي ما يعبر عليَّ. فسكت ثم أعاد اليَّ المجموعة وغادرت بدون أن يعاقبني الباشا لكن (خليل إبراهيم) الذي بقي في غرفته بعد خروجي وبعد ذلك قال خليل إبراهيم (الباشا تأكد آنت مو شيوعي وصار معجب بيك هواية) فقلت له أرجوك أن تشطب اسمي من برامج الإذاعة وقد خفت على نفسي كثيراً وفعلاً لم اذهب الى الإذاعة في الأربعاء الذي تلا الحادثة رغم إذاعة اسمي وموعد برنامجي في ذلك اليوم لكن جريدة الأهالي هاجمت الباشا في اليوم التالي وقالت انه ذهب الى الإذاعة لإسكات أصوات الحق المتمثلة بالأدباء والشعراء.. فازددت خوفاً وشعرت إن عدم ذهابي هو السبب في ذلك وكي لا تتطور الأمور أكثر ذهبت في الأسبوع التالي وأنشدت مقال (أنعل أبو الفن لابو أبو الفن). وبعد ثورة 1958 حدثني د. (مصطفى جواد) قائلاً (كنت عند نوري باشا في احد الأيام ومصادفة أدار مؤشر الإذاعة فسمع مقالك (الفن) وتابعه بكامله لكنه قال عندما انتهيت- شوف شوف ابن الـ.. دايشتمني).

وضحكت كما ضحك د. مصطفى جواد والأستاذ عبد الحميد العلوجي الذي كان يشغل معي نفس الغرفة في وزارة الإرشاد.

وعند انهيار النظام الملكي أستقبل الثورة الظافرة برائعته الشهيرة كل حال يزول:


كل حال يزول …

ما تظل الدنيا بفد حال

تتحول من حال لحال

هذا دوام الحال محال

كل حال يزول

هالعالم مليان أسرار أسرار تحير الأفكار

دولاب الدنيا الدوار صاعد نازل باستمرار

ما يتوقف ليل نهار يقبل ويودع زوار

زغار كبار

أطفال يصيرون رجال ورجال يصيرون أبطال

ورجال يظلون أطفال ورجال إنصاف رجال

وعلى هالمنوال تمر الأجيال

وكل جيل يكول

كل حال يزول

هذا هو عزيز علي في عيون التاريخ فمن أين للشرقية هذا التاريخ الزائف.