الرئيسية » مقالات » من تراث الراحل علي محمد الشبيبي/ رنين على الأجداث 4

من تراث الراحل علي محمد الشبيبي/ رنين على الأجداث 4

(رنين على الأجداث) هذا هو عنوان القسم الثاني من ديوان الوالد (أنا والعذاب). وهي مجموعة قصائد في رثاء الأهل والأحبة، ما عدا القصيدة الأولى والتي كانت في رثاء الملك غازي وقد وضح والدي ظروف وأسباب ودوافع الرثاء.
بعد رثاء الملك غازي أنقطع والدي عن كتابة الشعر عقداً كاملا! وهذا الأنقطاع أثر سلبا (وهذا مايؤكده والدي في أحد هوامشه) على اسلوبه وامكاناته الشعريه بعد مزاولة النظم مجدداً، وخاصة في قصائده الأولى في رثاء أخيه الشهيد. وبعد هذا الأنقطاع عاود النظم مجدداً (عام 1949) في ظرف مؤلم وقاسي وذلك بعد إعدام شقيقه حسين الشبيبي (صارم). فنظم مجموعة قصائد في رثاء شقيقه الشهيد تناولت وصفا دقيقا، لمشاعره وأحاسيسه وماتركته هذه المأساة من ألم ولوعة في نفوس عائلته (ألأم والأب والشقيق)، كما يصف معاناة العائلة بسبب مضايقات الأجهزة الأمنية.
كما نجده يؤكد في جميع قصائده في هذه المجموعة أو في غيرها من الديوان على إيمانه الشديد والمطلق بأنتصار إرادة الشعب على كل المستبدين في مختلف العهود. ويؤكد تعهده، المرة تلوى الأخرى بالتزامه بالمبادئ التي أستشهد من أجلها شقيقه. ومنذ أن وعيت كواحد من أبنائه عرفت الوالد أنساناً مخلصاً ومدافعا صلباً عما يحمله من فكر وطني تقدمي، وهو أول من زرع في قلوبنا حب الشعب والوطن والأخلاص لمبادئنا. ولم تكسر شوكته أساليب الأنظمة المستبدة لذلك عانى من الفصل، والأعتقال والتعذيب والسجن في مختلف العهود (منذ العهد الملكي وحتى وفاته عام 1997).
أرتأيت أن أنشر قصيدة (ننعاك غازي) في (رنين على الأجداث 1) منفصلة لأنها تمثل مرحلة زمنية من تفكير الوالد أولا، وثانياً أنها آخر قصيدة له تلتها فترة أنقطاع دامت عقدا كاملاً. حيث يبدأ حياته الشعرية بمرحلة جديدة فكراً وموضموناً وأسلوباً. أما القصائد التي في الحلقات (رنين على الأجداث 2 و 3 و4) جميعها في رثاء أخيه الشهيد حسين محمد الشبيبي (صارم). وفي الحلقات (رنين على الأجداث 5 و 6) رثاء للعلامة الجليل الشيخ محمد رضا الشبيبي، وشقيقه الأصغر محمد علي، وأبنه همام، وصهره علي عبد الحسين جعفر الكاظمي (ابو زينب). / ألناشر



على القــــبر

السبت 12/08/1950 مرّ أكثر من عام على إعدام أخي، ولم أصل إلى قبره، كلما فكرت في زيارته عرتني رعدة، وأدركني جبن غريب، وتمثلت لعيني أشباح مرعبة، وتراءى هو لعيني وفي عنقه أثر حبل –المشنقة- وعيناه تنظران شزراً إلى ذلك الجبان الذي أصدر الحكم الباطل. ونظرة عتاب إلي أنا الذي لم أودعه بنظرة قبل أن يفارق الحياة غصباً. كنت أخشى أن الفظ أنفاسي مع زفرة إن أنا دنوت إلى قبره.
وفي الساعة السادسة عصر يوم السبت 12/آب زرت القبر لأول مرة، دون أن يهديني أحداً إليه، إلا أشارة من أبني الصغير –كفاح- إلى الجهة التي فيها القبر، قبل أيام. وما أن لاحت لي الصخرة التي على واجهة القبر، حتى غلبتني العبرة، وسبقتها الدموع، وعلا نحيبي ونشيجي في سكون الوادي وقد خلا من كل صوت، عدا الريح وهي تصطدم بالقبور المتزاحمة ورحت أنظم واسطر ما أكتب هناك مع عبرة تقطع علي سلسلة النظم، ودموع تنهمر.



وحقك لن أنساك لن أعـرف السـلوى . . . . . . ولكنني شـخص صبـور على البلوى
أبـثـك فـاســـمعني أحــاديث لــوعتي . . . . . . فها أنني قد جئت أسـمعـك الشـكـوى
ألـح عـلي الــــــــدهــر حتى كأننـــي . . . . . . غــدوت له من بيــن أوكاره مـــأوى
وقد كنت لي صبرا وقد كنت لي حِجى . . . . . . فلم أختش الدهيـا ولم أرهـب اللأوى
وفارقـتني يا ضـوء عيني ويا هـوىً . . . . . . تنســمه أنـفي فـعشـــت كمـا أهــوى
إذا بي غريب في الحيـاة تـنوشــــني . . . . . . ثعالـب كم كانت تصــول ولا تـقـــوى * * *
اُخـي ومــا أحــــلى أخيّ أقــولهـــــا . . . . . . إذا رَدَدَتْـها النفس عادت بها نشـوى
فقـدناك فـقـــد النجـــم من يهتـدي به . . . . . . وقـد بعــد المسـرى ولم نبلغ الشـأوا
حــــرام عـلى قـلبي الســلـو كأننـي . . . . . . سكرت بأحزاني ولم أعرف الصحـوا
وقـــد طويت من بعــد فقـدك فتـــرة . . . . . . ولم أتـرك الـكرى لـعمـد ولا ســلوى
خـيالك لــــم يـبـرح عيـــوني كأننـي . . . . . . أطـارحك الأشـواق والهـمّ والنجـوى
كـأنــك تـلــمحني كـأنــك عــــاتـــــب . . . . . . كأني على تقــديم عــذري لا أقــــوى
* * *
أخـيّ جـفـــــانا الأقـربـون وعـافـنــا . . . . . . أخـلاؤنا شـأن الذي فــرّ من عــدوى
أُخـيّ. وقـد صاح الـزمان بشـــملنــا . . . . . . فأنـت هـنـا ثــاو ويـا طـيـبـه مثـــوى
تـضمن جـثمــانــا يفيض شــهــامـةً . . . . . . على رغم ما قد بث أعداه من دعوى
تكرر من مستعبدي النـاس ضـد مـن . . . . . . يـكافـح في إيـمانه الـبغي والطـغـوى
* * *
وطه؟ فهل تـدري بطه وما جـرى(1) . . . . . . عـليه من الأرجاس إذ لـم يكن رخـوا
ســــجين بقـفــر شـــطَّ عـنــا مـزاره . . . . . . على أنه قد أحسن الصبر في البلوى
يـجــــــر بـرجـلـيه الـحـديـــــد كـأنـه . . . . . . أداة بـها يلهــو وما عــرف اللـهـــوآ
ويـحـلف أن لـــــو مُدّ حـبـل حـيــاتـه . . . . . . وحـالفـنا نصـر لنمحوهمــوا مـحــوا
* * *
وأمـا أنـا فـالحـمــــــــد لله في عـنـــاً . . . . . . وقد أبعَدتْ دنياي عن عيشيَ الصفوا
وزيـد بأعـبــــــائي وأثـقــــل كاهـلـي . . . . . . ولكـن جـيــدي لـن يـذل ولـن يُـلـوى
أُخـي تجـول الذكــــريات بخاطــــري . . . . . . وها أنا ذا أسـتعـرض الـمر والحلــوا
مضـت بعض أيـام علينــا وعيشـــنـا . . . . . . رخيّ ولــــذات الحـيـاة كـما نهـــوى
ترف المنى كالـطيـر فوق رؤوسـنـا . . . . . . فـتهفـوا القـلوب النابضات بها هفـوا
وتهـتـــــز للأنغـــام تســمـع لـحنهــا . . . . . . وتـطرب للأطيـار إن أرسـلت شــدوا
ودارت بـنـا الأيــــام: حيث تبـدلـــت . . . . . . لنــا فِـكَرٌ قـد مجـت اللـعب واللـهـــوا
أحـبت مـيـادين الــــرجال وأولعـــت . . . . . . بحب النـضـال الحـر مذ صوتـه دوّى
وعـفـنــا لــذاذات الـحيــــــاة كأنمـــا . . . . . . عشقـنا الشقـا حتى غدونا به نشوى
نـصارع جـورَ الـــظالمين وعسـفهـم . . . . . . صراعا ولم نركب غرورا ولا زهــوا
أُخـي شــــهيــد الحــق مُـتَّ مكــرمـا . . . . . . صحائـفك الغراء في الدهر لا تطـوى
على ضوئهـا يمشي الشـباب منـافحا . . . . . . وغـايته تحـقيـق غايتــــك القصــوى
أُخـي لــو أن الـــدمع يـــرجع ميتــــا . . . . . . بكـيت بكا الــراجين من ربهم عفــوا
وأذريـت دمـع الـــعين أحمـــر قانيــا . . . . . . ولـكـنه واحســـــــرتاه بـلا جــــدوى
* * *

بنفسي من لم يُغلب الــــدهـرَ صبـره . . . . . . مـآثـره حتى لــــدى خصـمه تـــروى
بنفسي من لـم يَشْـكُ يــــــوما عناءه . . . . . . وحتى غـدا من ثـقـل أعبـائه نـضــوا
بنفــسي من ضـحى بــــــكل حيـــاتـه . . . . . . وخر صريع البغي كالغصن قد ألـوى
بنفــسي صـــــريعــا مـا اُلـينت قناته . . . . . . وحـاول كالإعصـار لم يألف الرهــوا
بنفسي صليب الــــعود عـانق عـوده . . . . . . مـع الفجـر والانسـام داعـبنه نشوى
تعـطـر من اردانه الـفجـــر بالنـــدى . . . . . . ويزداد عـطــر الورد ان هو قد ألوى
سيبقى مدى الأجيـال ذكراك مفخـــرا . . . . . . سلام عـليه في الحيـاة وفي المثـوى

12/08/1950
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- طه هو أخي الأصغر محمد علي الذي توفى سنة 1970.


*** *** *** *** *** *** *** ***


شــــــبــاط

أطـــل علينـــا الشـــهــر عنوانه غـدرُ . . . . . . وســـــاورنا من ظِـــــل أيامه ذعُــــــرُ
ذكـــرت به يوم الـحســين قــــد أعتلى . . . . . . خطيبــــا على أعـــوادها وجهه بــــدرُ
يـضيء دجى السارين حثــوا ركابهــم . . . . . . وقال لـهم: ســيروا ففي سيركم نصـرُ
ولا تجـبنوا فـالجبــن عــار على الفتى . . . . . . وذي الحرب من عاداتها الكر والفــــرُ
وما الـمـوت بالأمــر المخيــف إذا دنـا . . . . . . وليس لـدى الأحـرار في حينه عـــــذرُ
أرى أي حـــر يـختشي الـــموت كاذبـا . . . . . . فلا تقفــــــوا حتى يبين لكـــــم فجــــرُ
وحتى يــرى الطاغـون يوم حســابهـم . . . . . . فتبــــــدو لهم يوم القيـــامة والحشــرُ
* * *
بـنفسي من لــــم يرتعـــــد حين حَينـه . . . . . . وهل يختشي الصياد إن حلق الصقـــرُ
بـنفـسي من عــانى الســـجـون مكبـلا . . . . . . ولم يتراجــــــع حين قـد مسه الضـــرُّ
أصـــرّ. فلــم يرمِ الســلاح ولا أرتضى . . . . . . حيـــــاة بها يشــقى ويســـتعبــد الحـرُ
إلى أن هـــوى حـــر الـضميـــــر نقيه . . . . . . فشيعه مذ غيب البـــــدر والفجــــرُ(1)
* * *
اُخي: أنـا الـخنسـاء وان جـف مدمعي . . . . . . معاذا ألأخـا تنســاك خنساء يا صخــرُ
أُخي بـقلبي من مصــــــابـــك لــــوعة . . . . . . يزيد لـــظاهـا كلمـا مــــرّ ذا الشـــهــرُ
تضج ضلوعي من زفيـري وحســرتي . . . . . . كأن فـــؤادي وهـــــو ما بينها جمــــرُ
وكـم بـان سني ضــاحــكا غيـــر أنـني . . . . . . طويت على جــــرح جناحا به كســـــرُ
أُري النــاس مالا يســتثيـر فضـولهــم . . . . . . وأبـدو بشــوش الـــوجه ثغري يفتـــرُ
كأني لا هــمّــــــــاً أعـــــــاني ولا أذىً . . . . . . لقيت ولا في الـــعيش صادفني شـــــرُ
فان أخلُ في نفسي تضـاعف شـجـوها . . . . . . وثار ويذكيــــــه من اللـــوعة الفكــــرُ
وأقســـــــم أني مـا نســــيتـك لـحظـــة . . . . . . فأنت لــــدى قلبي التعـــاويذ والذكــــرُ
وأنـت لي اللحــــــن الـــــذي لا أملـــه . . . . . . أردده مـادمـتُ وأمتــــــد لي الـعمـــــرُ
وأنت ،وحسبي أنت،أن عــنّ حــــادث . . . . . . وســاءت به بلـواي، الحمد والشـــكـرُ
أُناغي صغـاري في ســجـايـاك علهــم . . . . . . إذا كبـــــروا يوما يـــواتيهم الـثــــــأر
أقص علـيهــــم كيف أيقظـــت نــوّمــا . . . . . . وكيف تجلى الــحق وأنكشف الســـتـرُ
وكيــف على الطــاغين جهزت حـملـة . . . . . . تَصـــارَع في ميدانها الشـــر والخيــرُ
وكادت به الغــوغــاء تـدرك نصرهـــا . . . . . . فلـو لم يخنها الــــنذل تم لها الأمـرُ(2)
* * *
اخُي. تهَيــــــج الـــذكـــريات كـوامنــا . . . . . . بصدري وكم قد ضج من نارها الصدرُ
برمـت بهـــا لـــو لـــم تكـن بي صلابة . . . . . . أراهــــا مجنا لـــــن يطيح به الدهــــرُ
حــــلفت يمـينـــا لا أسيــــــل مدامعـي . . . . . . إذا لــم تُسَلْ من قاتيليك الدما الحمـــرُ
بـيـــــوم سـيأتي ليـــس مـنه تَخَلُـــص . . . . . . يضيق على الطاغي به البر والبحرُ(3)
وتـنشـــــر للســلـــــم الـــمـحـبب راية . . . . . . يعطرها من طيب ذكــــراكمو نشــــــرُ

السبت 10/2/1951

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- إشارة إلى ساعة إعدامه ودفنه. ألإعدام كان فجرا أما الدفن كان في اليوم مساء.
2– يخنها النذل .. هو مالك سيف الذي أدت خيانته إلى إعدام قادة الحزب واعتقال العشرات من الأعضاء فكانت نكسة لنشاط الحزب حتى التأمت جراحه وواصل العمل.
3- وفعلاً ضاقت الدنيا على المجرم عميل الاستعمار الأول “نوري السعيد” وزمرته المدللون، عبد الإله وفيصل صبيحة 14 تموز 1958، فلم ينجُ من قبضة الشعب الثائر.
*** * * * * * * * * * ****

ألناشر
محمد علي الشبيبي
2009-08-27
السويد
alshibiby45@hotmail.com