الرئيسية » مقالات » مدينـة الثورة فـي يوبيلهـا الذهبي …

مدينـة الثورة فـي يوبيلهـا الذهبي …

ليلـة البارحـة احتفلت بالعيد الخمسين لميلاد مدينتي وهي لازالت محاصرة بأجراءات عهـر اغتصابها الأخير ’ احتفـلت وكأن العراق والتاريخ معي ’ ومثلما سلام عادل والحيدري والمهداوي وماجد امين ووصفي وحسن السريع وبشار وغيرهم ’ كان سماحـة الأمام محمد باقر الصدر وكأنـه يقبل صورة الزعيم عبد الكريم قاسم قائلاً ’ انا عالم وشهيد وليس بحاجـة الى استعارة ماقام بـه الأخرون مـن عمل الخير ’ لقـد سبقني شهداء ويأتي بعدي شهداء وانا اصلي مـن اجلهم جميعاً ولا اقبل الأساءة لأحـد او ادعي مدينـة لم اضع فيهـا حجر واحـد ’ اني اشهد انها كانت مـن اعمال
الخير الكثيرة التي قام بهـا الشهيد عبد الكريم .
نعم السيد الشهيـد يستحق تخليده بمؤسسة علمية هامـة مثلما يجب ان يخلد كـل شهيد سبقـه او استشهد بعده ’ لأن العلمـاء والفنانين والأدباء والمبدعين هـم دائماً الوجه المشرق لهويات وتواريـخ المدن .
لـم اشاهد مع الأسف في الأحتفالية كاتباً او فناناً او شاعراً او اديبـاً مـن ابنائهـا سـوى الكاتب الوفـي اميـر اميـن في مقالته ( نصف قرن على مدينـة الثورة ) بعكسه نسمع بعضهم ينطقون بغير اسمها وكأنهم يبسقون في وجـوه امـهاتهم .
الصديق الجنرال هاشـم عبد الجبار وهو ابن خالـة عبد الكريم حدثنا ” في يـوم طلبت اخت الزعيم عبد الكريم ان نتوسط ( بلكي يشوف النـه بيت ’ جندوب انضل بالأجار ) عندما سمعها الزعيم اسطحبها معـه ثم وقفنا على السدة المشرفة على مستنقع خلفها وكان عدد مـن الأكواخ واطفال يسبحون مـع الدابات والكلاب في المستنقع فأشار قائلاً ’ اذا حصلوا هؤلاء على بيوت وهم الأحق ’ سيأتي دورك ’ قبلته اختـه ” خويـه بارك اللـه بيك واللـه يحفظك الهـم ” .
كنت ضمن وفـد للتضامـن مـع المكونات العراقيـة التي تتعرض للأضطهاد الديني والعرقي ’ وقدر لي ان اقيم في بعض مـدن كردستان وقراهـا اكثر مـن عشرة ايام ’ كان البعض في المطاعم والمقاهي يسألوني .
ـــ كاكه انت منين … ؟ مـن العمارة واسكن في بغـداد .
مـن مدينة الثـورة … ؟ … ثم يدفعون حسابي دون ان يتركوا لي فرصـة الأعتراض ” كاكـه احنـه اخوة وماكو فرق بينـه ” ’ انهم شعب طيب مسالم يحبون الآخر ولم يعرفوا الأنانيـة ’ وفوق كل هذا لا يقبلوا لمدينـة الثورة غيـر هويتهـا وكنيتهـا .
في الطريق مـن كركوك الى بغداد ’ توقفنا ـــ استراحـة ــ في احد المطاعم وبعد حديث مـع شاب قال ’ حجي اذا انت مـن بغداد فمن اللهجـة مـن مدينـة الثورة .
لا اتصور ان بنات وابناء مدينـة الثورة سوف يتعايشون طويلاً مـع بشاعـة المنظر ’ وهم يدركون ان وثائقهـم وذكرياتهم وسمرة وجوههـم تحمل ما يميزهم ( ولـد في مدينـة الثورة )
حادثـة انقلها كما هـي ’ كنا نريد زيارة قريب لنا في مدينـة الثورة ’ وقرب احدى الكراجات سمعت ” ثـوره … ثوره .. نفرين ثوره ” همس صديقي وهو مـن نفس المدينـة ” هذا كان ممنوع وانا اسمعـه لأول مرة ’ ونحن في السيارة سألت السائق ’ انت مـن مدينـة الصدر … ؟
ـــ عمـي ياصدر ’ قبل يومين حرره جيشنـا …
ـــ ومـنين حررهـه … ؟ … مـن الأيرانيين ’ حجي لو جاي قبل اسبوع عبالك ساكـن بقـم .
ـــ وين راحـوا … ؟ …. عمـي هربوا لـو الأيران لو السوريـه والأردن … راحوا يتدربون لشيب موتاهـم ثـم قهقـه .
اقسم باللـه ’ لو رأيت لوحـة لا تحمل اسم الثورة اشعر بالحزن وتأخذ العبرة مأخذها منـي ’ وعندما ارى صـور مقتدى الصدر بهيئتـه ( بوزه ) المريبـة تغطي واجهات المدارس والساحات والشوارع او معلقـة على الأعمدة ’ اشعر وكأن حالـة زنــا ترتكبهـا الدولـة والحكومـة وامانـة العاصمة مع الحقيقـة والتاريخ وهويـة الدينـة .
عندما غادرت مدينتي في نهايـة الستينات ’ تركتها مكتضـة بالمبدعين والفنانين وادباء ومطربين وشعراء ورياضيين ’ ورغم بؤسها كانت شوارعها ودرابينهـا تتنفس الحركـة الطامحـة لأحلام الشباب والصغار ’ امسياتها تبداء والى وقت متأخر بحفلات الأعراس والخطوبـة والمناسبات ’ كان الغناء بألحانه المبتكرة والرقص بأنواعـه والهوسات وهلاهل الحبايب والأمهات والأخوات وقهقهات الأحفاد ’ انهم يعيشون الفرح والألفـة وضرافـة النكتـة والأبتسامة مثلما لا يخشون التضحيـة والفداء .
لم اراها في محنـة اغتصابهـا الأول ’ قالوا لي كلان الأسواء ’ لكني زرتها بعد اغتصابها مـن قبل زمـر الجنرا ابو درع ( الآن في مدينـة قـم ) لصاحبـه رجـل الدين الشاب وكان كل شي قـد تغير وكأن اعصار قد نزع جلد المدينـة وترك شوارعها وساحاتها وملاعبها وكأنها اشلاء ’ المدينـة مغلفـة بالسواد ورائحـة الخوف والجريمـة ولوعـة المخطوفين تنبعث مـن مكاتب السيد الشهيد ’ ومحاكمها الشرعيـة تسحق عضام الضحايا وتشرعن الحوسمـة الشاملـة ’ والحزن قائم على وجوه الناس وواجهات البيوت وصور نجل الحوزة الناطقـة تشـخ على تاريخ المدينـة وتراثهـا ’ غربان
الفطائس منتظمـة في مليشيات التيـار مسلحـة منفلتـة تتجول رعبـاً على صبـر اهل المدينـة ’ هكذا رأيت مدينتي في حالـة اغتصابها الأخير ولا زالت تنزف تاريخها المجيد وتراثها الشعبي الخالد ’ مـع كل ذلك قررت ان اواصل احتفالي وانا على ثقـة بأن مستقبل العراق سيبتسم في عيون مدينتي وهي مغتسلـة مـن اوحال الفكر الطائفي وقـذارات البعث الشيعي وشعوذات المتسللين مـن ( ذاك الصوب ) .
24 / 08 / 2009