الرئيسية » مقالات » عن براءات اختراعنا التكنولوجية : إرهاب و”حب” الكترونيان وماذا بعد

عن براءات اختراعنا التكنولوجية : إرهاب و”حب” الكترونيان وماذا بعد

لئن كان الإرهاب الالكتروني هو المثل الأخطر والأبرز على سوء استخدام وسائل التكنولوجيا والاتصال الحديثة في عصرنا من قبل الجماعات الإرهابية حول العالم وفي مقدمها تنظيم “القاعدة” عبر توظيفها أدوات التواصل العابرة للحدود كشبكة الانترنت في ترويج أفكار متعصبة ومتطرفة بل وفي ترجمتها على شكل عمليات إرهابية على الأرض . بيد أن ثمة أشكالا أخرى من التعاطي الخاطئ والعبثي مع منتجات ثورة المعلومات والاتصالات لاسيما في مجتمعاتنا المكبوتة والمكتئبة تتمثل في ظهور حالات اجتماعية شاذة وناشزة عن كل ما هو سوي وطبيعي ما فتئت تتناولها وسائل إعلام مختلفة وأبحاث ودراسات سوسيولوجية وسايكولوجية مستفيضة معنية بتسليط الضوء على خطورة هذه الحالات المزمنة الناجمة عن شيوع هوس التسمر ليل نهار أمام شاشة الكومبيوتر والدردشة الفارغة عبر الانترنت بين الشباب والصبايا بما يهدر طاقات شابة واعدة ويدخلها في متاهات الميوعة والسطحية والانحطاط وإضاعة الوقت دون طائل لاسيما مع الحالات التي تتطور إلى ما يشبه الإدمان على الانترنت بل والبحث عن طريقه عن شريك أو شريكة الحياة . فهذا الشاب (أو الشابة) المدمن على الانترنت والباحث عن “الحب” الالكتروني العاجز عن التواصل الطبيعي والمباشر مع المحيط والمجتمع يلوذ بالشبكة العنكبوتية ليفرغ عبرها كل احتقاناته ومكبوتاته العاطفية والجنسية خصوصا وليصنع لنفسه عالما افتراضيا وهميا وكاذبا قوامه خداع الذات قبل خداع الآخر الانترنيتي فكل أزماته ومشكلاته على أرض الواقع يحاول ترقيعها وطمسها وإيجاد حلول وهمية سهلة لها على ارض اللاواقع في فضاء الانترنت فاختراع البطولات والوجاهات وفبركة القصص والحكايات في غرف الدردشة ومحادثات “الماسنجر” هو في متناول الجميع والكلام عبرها ليس عليه جمرك ولا هم يحزنون حيث الفاسد يتحول صالحا والمعدم ثريا والجاهل عالما والقبيح جميلا وهكذا . فبدلا من الاستفادة من هذه الشبكة العالمية التي تعد من أعظم منجزات الحضارة الإنسانية ومن فخر منتجاتها بما هي خزان لا ينضب من المعلومات والمعارف وتوظيفها في أغراض البحث والمعرفة والاكتشاف والترفيه العقلاني فيما هو نافع وبناء ومثمر يتم تحويلها إلى ما يشبه “كباريه” انترنيتي عبر العديد من مواقع التعارف والدردشة المبتذلة والتي هي مجرد واجهة لتبادل عناوين البريد الالكتروني وأرقام الهواتف . ومن نافل القول أن هذا التعلق المرضي بالانترنت واستبداله بالواقع ونسج قصص حب انترنيتية مختلقة ومتهافتة تحاكي ما يشاهده هؤلاء المتحابون انترنيتيا من قصص الحب والغرام التي تعج بها المسلسلات الدرامية لاسيما التركية المدبلجة منها فيتخيل الشاب أنه يحيى أو مهند وتتخيل الفتاة أنها لميس أو نور بغية تعويض بؤس الحال والحرمان العاطفيين فذلك كله ينم بطبيعة الحال عن إفلاس اجتماعي وفراغ فكري واضطراب نفسي وخلل أخلاقي وهو “متنفس” ضار يعود في المحصلة بنتائج عكسية تزيد حالة الانفصام في الشخصية والانفصال عن الواقع حدة وتعقيدا وإلا فما هو هذا “الحب” العنكبوتي الكاذب والمضحك الذي ينشأ بين شخصين افتراضيين لا يعرفان بعضهما ولم يلتقيا في حياتهما إلا في الأحلام التي تعقب ليالي السهر الطويلة على المحادثات الانترنيتية التي توفر تواصلا بالصوت والصورة يتيح لقيس الالكتروني التمعن في ليلاه الالكترونية والتغزل بها والطريف أن قيسا هذا يكون على علاقة عبر الانترنت مع دزينة أو أكثر من الفتيات في آن واحد والعكس صحيح وما خفي أعظم . فالحب الذي هو تعريفا عاطفة حية ملموسة ومركبة : حسية وروحية من الإجحاف الجسيم إطلاقها كصفة على هكذا علاقات مشبوهة ومريضة والتي قد تتحول في حال شيوعها أكثر إلى آفة اجتماعية خطيرة فهي وان كانت لا تزال في طور بدئي لكنها في ظل تدني الوعي وانحدار مستويات الثقافة والتعليم والذوق والتفكير السليم والثقة بالنفس بفعل تراكم الأزمات الاجتماعية والاقتصادية الطاحنة في ربوعنا والمترابطة مع بعضها كتفشي الفقر والبطالة والغلاء والتفكك الأسري والعنوسة والهجرة قد تتطور وتتفاعل لتخلق نمطا رثا من العلاقات الإنسانية المشوهة والمزيفة القائمة على التكاذب والتلاعب والتزوير وتدنيس القيم السوية والجميلة . والحال أن هذه الشريحة من الشباب المنغمسة في وحول هكذا مغامرات انترنيتية يجدر بوسائل الإعلام وعلى رأسها الفضائيات والمحطات التلفزيونية والمؤسسات التربوية ومنظمات المجتمع المدني وغيرها من فاعليات اجتماعية وثقافية ومدنية أن تولي اهتماما اكبر بتوعيتها وتنويرها وبرصد ومعالجة هكذا ظواهر وحالات لا تبعث إلا على الاشمئزاز والأسف من تحول الكذب والنفاق والادعاء مدخلا لعلاقات انترنيتية تخل بالآداب وتشيع سلوكيات منحرفة بين المراهقين والشباب تترتب عليها عواقب وتداعيات كارثية وخيمة على مستقبلهم وسمعتهم وتوازنهم النفسي والسلوكي الأخلاقي . ويحضر كاتب هذه السطور هنا أن صديقا كان قد شاوره ذات مرة أي هدية يهدي لصاحبه المتزوج عبر علاقة انترنت فنصحته جادا بشراء “ماوس” أو “كيبورد” إذ هل ثمة ما هو أثمن وأكثر رومانسية من هكذا هدية لدى معشر المتحابين والمتزاوجين (من التزاوج وليس الزواج)عبر الانترنت تذكرهم بلوعة حبهم وأنين شوقهم عند كل نقرة “ماوس” أو كبسة زر على “الكيبورد” فشر البلية الالكترونية ما يضحك .