الرئيسية » مقالات » شباب اليوم والإنتماء للأحزاب

شباب اليوم والإنتماء للأحزاب

لا تزال الأحزاب منذ أن ظهرت في العراق إبان العهد الملكي , وانصهارها في حزب واحد حكم العراق في العقود السابقة بالنار والحديد , أقول لا تزال هذه الأحزاب بآيدلوجيتها المتنوعة , تؤدي دورا تقليديا رتيبا في السياسة العراقية ولاسيما في انتعاشها مجددا بعد سقوط الحاكم الذي قمعها طيلة عقود طويلة ونكل بمنتميها وعوائلهم شر تنكيل , وبأثر رجعي , وهذا الدور التقليدي بمستواه العام , تمظهر من خلال فتح المكاتب لهم في كل المحافظات والأقضية وإصدار جريدة ناطقة بلسان حالهم , والسؤال هل الحزب أو الكيان السياسي , عبارة عن مكتب وجريدة ؟ أم أن همه وشغله الشاغل تجديد دمه وأفكاره بانتماء الشباب له واستقطابهم إليه ليس لبغية تعيينه هنا أو هناك , بل لغاية أكبر وأهم هو إيمان عقائدي بهذا الحزب أو ذاك , من يتتبع الحركة الحزبية في العراق في العقود المنصرمة تجد أن الشاب العراقي فيما سبق ( رومانسي مؤدلج ) فهو بالنتيجة عاشق لحبيبة ما ويسمع من أجلها عبد الحليم حافظ , ومتحزب بآيدلوجية قد آمن بها من دون مقابل سواء كانت هذه الآيدلوجيا الحزبية يسارية أم يمينية أم إسلامية , فنجد منهم الشيوعي والبعثي والإسلامي , وفي ضوء ذلك وعندما سيطر حزب البعث على السلطة , بدأ بسياسة القمع لهذه الأحزاب وطردها إلى الخارج بحجج شتى , الغاية منها جعل الشعب العراقي كله منتميا له , حتى أصبحت كلمة الحاكم السابق ( العراقيون بعثيون وإن لم ينتموا ) هي الواقع المعاش , فحتى الفلاح البسيط , وصلته استمارة الكسب الحزبي , وأصبح بعثيا , وربما أصبح بعد سنوات في موقع المسؤولية , يأمر وينهى , وهو لربما لا يعرف شيئا عن حزب البعث سوى أساسيات بسيطة , فقد أصبح الحزب والتحزب والثقافة الحزبية , هي الشغل الشاغل للعراقيين , بل أن حضور الأجتماعات , بمواعيدها المنصوصة هي من المقدسات الواجب عملها , فضلا عن الخفارات وما إلى ذلك من المهام , حتى مل البعثيون أنفسهم من كثرة الضغوطات الحزبية في ظل الحصار ولهاث الكثير منهم لتوفير لقمة العيش والقوت اليومي للعائلة , وبعد السقوط أتت الأحزاب من جديد , وفتحت مقراتها , إلا أن جيل الشباب بدا غير جاد في الإنتماء إليها وهذه ظاهرة , فالملاحظ أن معظم مقرات الأحزاب بمنتسبيها بل حتى القادة السياسيين في هذه الأحزاب من كبار السن و لربما بموت هؤلاء ستنتهي كثير من الأحزاب ؛ لعدم التجديد بطاقات شبابية وأفكار تتماشى مع العصر الجديد , وهذا الأعراض من الغرابة بمكان ؛ لأن الناس ينتخبون ممثلهم في هذا الحزب أو ذاك , أو ينتخبون هذا الحزب , إلا أنهم يعرضون عن التسجيل فيه , ومن أسباب ذلك هو الخوف من المستقبل , ولاسيما أن الذاكرة الجماعية تحتوي على صور كثيرة للتعذيب والتنكيل والمعاقبات الجماعية , لشباب ليس ذنبهم سوى أنهم انظموا إلى هذا الحزب أو ذاك , فضلا عن عدم تقدم ألأحزاب إلى الناس وترغيبهم بالانتماء إليهم عن طريق الكسب الحزبي ولاسيما طبقة الشباب , ولم تعي الأحزاب أهمية الشباب فيها الشباب الذي يجيد الحاسوب والنت ويحمل معه شهادة عالية فضلا عن أنه يمثل الثقافة الجديدة في البلد , والتي تساهم في البناء وديمومة الفكر في هذا الحزب أو ذلك الكيان أو تلك المؤسسة فشباب اليوم ( واقعي عملي ) , وعليه نجد الكثير من أبناء الشهداء , شهداء هذه الأحزاب الذين قضوا نحبهم في سجون ومعتقلات التعذيب وأعواد المشانق , من أجل ( المباديء والقيم ) لم يواصلوا مسيرة آبائهم , كما يجري العرف والعادة , بل هم ليسوا ميالين إلى أحزاب آبائهم وكنت أتوقع أن أبناء ( المعدومين ) من النظام السابق سيشكلون لبنة جديدة في الأحزاب المتعددة الاتجاهات والمشارب , ولاسيما أن جلهم من حملة الشهادات , ويمكن الإعتماد عليهم إذا وجهوا الوجهة الصحيحة , لكن أملهم قد خاب عندما رأوا هذه الأحزاب تعرض عنهم وعن عوائلهم , وتحتظن الذين نكلوا بالشهداء وكتبوا عنهم التقارير من المخبرين , ليمارس هؤلاء المخبرون وكتاب التقارير العمل الحزبي الجديد مع أحزاب كانوا في السابق يكتبون التقارير ضدها وضد من يشتبه بالإنظمام إليها , بل أن أبناء الشهداء الذين لا يعرفون من آبائهم سوى الصور المعلقة على الحائط لم يسلموا من المضايقات الأمنية والحزبية والأستفسارات والتي تصدر عن هؤلاء . إن الشباب مقياس حيوية الأحزاب ؛ لأنهم يعيشون الأفكار بكل معانيها المتجددة , فهم الوحيدون القادرون على التعبير والتغيير وفقا لمتطلبات الواقع المعاش , وهم ألأقدر على العطاء , فضلا عن أن الطبقة الشابة هي الأقل تأثرا بالأفكار السابقة ومعتقدات العهد السابق , لأنهم لم يتأثروا بما تأثر به الغير في عقلهم اللاشعوري , فلديهم شعور عال في الوعي بالذات والوعي بالجماعة , ولا قيمة عند الشباب إلى المباديء الحزبية والشعارات الملونة المنمقة المثالية إلا إذا انتقلت إلى حيز التطبيق , ولا تطبيق بدون احتظان الطبقة الشابة ؛ لأنه من العسير على الطبقة الشابة أن تتقبل ثقافة حزبية ما مرتبطة في عقلها بسياسة التهميش المتعمد لطبقتهم المهمة , وسياسة عدم التجديد والتبديل بالقيادات الحزبية الكلاسيكية بقيادات شابة لها عمق فكري ثقافي رصين يتجدد بتجدد العصر لكي لا يبقى ( أسيادنا في الجاهلية أسيادنا في الإسلام ) .