الرئيسية » مقالات » المجلس الأعلى العراقي يخطأ ثانية!

المجلس الأعلى العراقي يخطأ ثانية!

أفرزت الانتخابات النيابية التي جرت في العراق في 30/12/2005م عن تكتلات وتحالفات كانت هي في واقع الحال انعكاس للوضع السياسي الذي مرت به البلاد من خلال التجاذبات الطائفية والعرقية، وإذا كانت الصبغة التي اتسمت بها الكيانات السياسية تعبير عن خطيئة في المنهاج الوطني، فلم يسلم من هذه الخطيئة أحد، ولكن الأسوأ من الخطيئة نفسها البقاء عليها والإصرار على اجترارها، بخاصة مع تأكيد الجميع بأن العراق لا يمكن أن يقاد في إطار توجهات طائفية أو قومية، مع الإقرار في الوقت نفسه بحق كل فرد من أفراد المجتمع العراقي بأن يكون على سدة الحكم إذا ما قادته الانتخابات إليها، بلحاظ أن الانتخابات هي الفيصل بغض النظر عن المذهب والجنس والمعتقد، مادامت حلقة الوطن هي المعصم والعاصم من أي انزلاقات في مديات سياسية غير معروفة النهايات.
ولما كان الإئتلاف العراقي الموحد هو الكتلة الأكبر في انتخابات عام 2005م، كان له قصب السبق في تشكيل حكومة وحدة وطنية وفق الدستور العراقي الذي وافق عليه الشعب في استفتاء عام جرى في 15/10/2005م، فمن الطبيعي أن تسلط عليه الأضواء والعراق قادم على انتخابات ثانية في كانون الثاني يناير عام 2010م، ومن الطبيعي أن يصاب بسهام المخالفين، ومن الطبيعي أيضا أن تتناوشه معاول المنافسين، وأكثر من طبيعي أن تسعى أطراف داخلية تتحرك بأجندات خارجية، ودوائر خارجية تسوقها أجندات تراثية، إلى تمزيق عرى هذا الإئتلاف، تساهم في إضعافه عن جهل أو جهل مركب أقرب إلى القصد شخصيات غير مسؤولة تسربت إليه في زحمة التخندق الطائفي.
وسيدخل الأمر في سياق المنافسة الديمقراطية لو توقف عند عتبة نقد عمل الائتلاف وأدائه من أجل تقويم عمل حكومة المحاصصة الطائفية والعرقية التي يقال لها تجوزا (حكومة الوحدة الوطنية)، ولكن سهام النقد كان فيها من السم الزعاف لوأد الحكومة بكلَّيتها وإجهاض العملية السياسية برمتها والعودة إلى مربع الاستبداد ونظام الحزب الواحد، ولو على حساب المواطن العراقي عملاً بوصية الرئيس المعدوم التي أطلقها بعد تسلمه الحكم مباشرة عام 1979م: (من أراد الحكم، فليستلم العراق أرضا جرداء بلا شعب)!
وكانت الانتخابات المحلية التي جرت في 31/1/2009م بعد نجاح الحكومة في الإمساك بالملف الأمني ووقف تداعيات الحرب الطائفية، فرصة أكثر من مناسبة للخروج من وحل التخندق الطائفي والعرقي، فدخلت الأحزاب السياسية الشيعية والسنية الانتخابات بعيدا عن التكتلات السابقة باختيارها أو مرغمة، وأفرزت الانتخابات صورة جديدة للواقع السياسي العراقي، فنجحت أحزاب في اقتناص صناديق الإقتراع وتعثرت أخرى وانتهت ثالثة، وتنتظر أخرى فرصتها في انتخابات لاحقة، وشملت هذه المعادلة الجديدة الائتلاف العراقي الموحد (شيعي) وجبهة التوافق (سني)، أي أن من ايجابيات الانتخابات المحلية أنها كسرت جرَّة التخندق الطائفي وأتاحت للعراقيين حرية الفرز والاختيار، ومن جهة ثانية أعطت للأحزاب المنضوية في التكتلات الكبيرة مساحة أكبر للحركة على باقي المساحات السكانية العراقية بعيدا عن التمظهرات الطائفية والعرقية، وتوسيع قاعدة كل حزب بما يجعله حزبا وطنيا بالمفهوم السكاني لا بالمفهوم السياسي، لأن كل حزب يسعى إلى بناء الوطن وخدمة المواطن هو بالمفهوم السياسي حزب وطني حتى وإن تمنطق بحزام الدين أو المذهب أو الجنس، فليس هناك من تعارض بين طبيعة الحزب وسمته والهدف الأسمى في خدمة الوطن والمواطن، فخدمة الوطن لا ينزع عن الحزب الديني إسلاميته ولا يسلبه وطنيته، ولا ينزع عن الحزب القومي كرديته أو تركمانيته ولا يفقده وطنيته، ولا يجعل الحزب الوطني وطنيا دون غيره، ويخرجه عن هذا الوصف إذا عمل لحسابات خارجية، فالوطنية ليست هي العلمانية كما يحاول البعض تصويرها عمدا أو جهلا لإسقاط الأحزاب الدينية أو القومية، كما أن العلمانية في المفهوم الغربي المتداول اليوم ميدانيا ليست هي العلمانية التي في أذهان العرب والمسلمين القائمة على التقاطع السلبي بين الوطنية والدين وإبعاد الدين عن الحياة اليومية، وبالقطع أن التصورات والمقدمات الخاطئة تقود إلى نتائج خاطئة.
من هنا فإن الإصرار على تشكيل كتلة الإئتلاف العراقي الموحد بذات السياق القديم، ليس من الاستحقاق الانتخابي، وليس من مقومات المرحلة الجديدة، بل أن الحكمة السياسية تقضي بأن تنفتح أطراف الإئتلاف على المواطن العراقي، وأن تتخلى عن موازنات إئتلاف العام 2005م وتقسيماته وتوزيع الكيانات فيه، وتقبل بنتائج انتخابات عام 2009م المحلية وتأسيس الإئتلاف على ضوئه، وبل ولا تتحالف مع البعض الذي وقف في مجلس النواب العراقي حجر عثرة دون تمرير عدد غير قليل من القرارات المصيرية والمفيدة للمواطن العراقي بدواع حزبية ضيقة أضاعت على الحكومة الوطنية الكثير من فرص التطور وفتحت شهية الآخرين لتقويضها، وبخاصة وأن بعض هذه الكيانات هبط منسوبها العددي في الانتخابات المحلية واستبعد المواطن العراقي من حساباته بعضها.
فليس من المنطق الديمقراطي التمترس بحسابات عام 2005م، وليس من الفهم السياسي التمسك بكيانات كانت من الإئتلاف السكينة من الخاصرة، وبخاصة وأن بعضها أبانت في الانتخابات المحلية عن كونها سحابة صيف أو كادت، نعم بالإمكان الاستفادة من هذه الكيانات وفق ما أفرزه الواسع السياسي الجديد، والانفتاح على الكيانات السياسية التي لم تنل حظا في الائتلاف القديم، مع سعي حثيث للتحالف مع الآخرين خارج الدائرة المذهبية والعرقية، لتكوين ائتلاف قادر على تشكيل حكومة وحدة وطنية تقود العراق إلى مزيد من الأمن والإستقرار على طريق المصالحة والمسامحة.
ولا يخفى أن الإصرار على تشكيل الائتلاف بالتوازنات والمواصفات القديمة أمر أشبه بالمستحيل، وهو يعزز موقف رئيس الوزراء نوري المالكي في الحركة قدما لتعزيز موقع ائتلاف دولة القانون الذي دخل الانتخابات المحلية وفاز بمعظم مجالس المحافظات العراقية، كما أن إصرار المجلس الأعلى الإسلامي العراقي على تشكيل الائتلاف بما تبقى من كيانات كبيرة أو هامشية، بعيدا عن حزب الدعوة الإسلامية سيخسره الكثير كما خسر في الانتخابات المحلية عندما ابتعد عن قائمة المالكي وسخّر ماكنته الإعلامية في مسائل ولائية شعائرية بالضد من حزب الدعوة، لكن فعله الإعلامي لم يأت أكله، بل جاء بالضد منه وأفقده مواقع كثيرة في عدد من المحافظات، كما أن البعض الآخر الذي يريد التحالف معه ليس على وفاق معه أساسا، وبامكانه قلب الطاولة عليه متى رغب!
ومما يلاحظ في هذا الإطار أن الإعلام المضاد للعملية السياسية في العراق راح يركز على نقطتين كفعل استباقي على طريق تغيير خارطة الانتخابات النيابية القادمة:
الأولى: الزعم أن التفجيرات الأخيرة التي شهدتها الأسواق في بغداد والمدن الأخرى، هي من تداعيات الخلاف بين أطراف الإئتلاف العراقي الموحد، وهي من فعل بعض أطرافه التي تسعى بهذه التفجيرات إلى خلق تخندق جديد يستوعب الأكثرية العراقية وسوقها إلى صناديق الإقتراع.
الثانية: إن بعض الأطراف في الإئتلاف العراقي تتعمد إجراء الانتخابات في عاشوراء ذكرى استشهاد الإمام الحسين (ع)، من اجل استقطاب الشارع الشيعي الذي يمثل أكثر من ثلثي سكان العراق.
ولا شك أن مثل هذه التصورات بعيدة عن الحقيقة ولا تنسجم مع معطيات الواقع السياسي، فالانتخابات المحلية الأخيرة جرت في ظروف أمنية سليمة، وفازت قائمة المالكي بالأكثرية، فلم يكن الفائز بحاجة إلى تأزيم الوضع الأمني لخلق استقطاب طائفي، بل على العكس من ذلك أن ملف المصالحة الوطنية الذي يتبناه المالكي وتعزيز الأمن في بغداد والمحافظات أكسبه أصواتا كثيرة، ولذلك فهو ليس بحاجة إلى زعزعة الأمن هنا وهناك، ومن يصدّق هذه الأضحوكة فهو خارج حدود الوعي.
كما أن إجراء الانتخابات وتوقيتها خاضع لقرارات مجلس النواب العراقي واستعدادات الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، بخاصة وأن التوقيت قائم على السنة الشمسية الثابتة في حين أن عاشوراء متغير يخضع للسنة القمرية، فانتخابات عام 2005م جرت قبل عاشوراء وانتخابات العام 2010 ستجري بعده، ولو سلمنا بهذا الرأي، فان الانتخابات المحلية الأخيرة جرت في شهر صفر مع قرب ذكرى أربعينية الإمام الحسين (ع)، وقد استغله البعض في ضرب الطرف الآخر لكنه فشل، فليس من العقل استخدام الأسلوب الفاشل نفسه في الانتخابات القادمة.
من هنا فان الذي ينحو هذا المنحى في التحليل ورمي الأمور على عواهنها إنما يعبر عن قصور سياسي في أحسن الفروض، ولا نستبعد أنها محاولة لرفع وتيرة التأزيم داخل كيانات الائتلاف العراقي الموحد، ومحاولات مستميتة على طريق إسقاط التجربة السياسية الحديثة.
ولذلك فان المشهد السياسي العراقي فيما أرى يتطلب تحالف المجلس الأعلى الإسلامي العراقي وغيره مع حزب الدعوة الإسلامية وفق التوزيع السياسي لما بعد انتخابات عام 2009م المحلية، والانفتاح على الآخرين من الكيانات القديمة من داخل الإئتلاف والحديثة من خارجه، وسيخطئ المجلس الأعلى ثانية إن تصور قدرته في الوقت الحاضر على تشكيل تحالف قوي يكتسح الساحة الانتخابية، فحظوظه أقل، وربما ستكون له القدرة على ذلك ولكن ليست في هذه الجولة من الانتخابات، فجواد ائتلاف دولة القانون في مضمار الانتخابات أسرع ونصيب المالكي في الفوز برئاسة ثانية أوفر.
الرأي الآخر للدراسات- لندن
alrayalakhar@hotmail.co.uk  
23/8/2009م