الرئيسية » مقالات » عندما يبلغ الاخ العقيد أشده..

عندما يبلغ الاخ العقيد أشده..

تقول الحكمة القديمة ان تاتي متاخرا خير من لا تاتي ابدا..فيبدو ان اجر المجتمع الغربي للتوبة النصوح المعلنة لملك الملوك ورئيس افريقيا لم تفقد حلاوتها بعد رغم جفاف عرق جبهته منذ سنين ..فللحق والتاريخ يجب ان نسجل للاخ القائد القذافي انه وبالرغم من انه بلغ من السلطة عتيا..ما زال يتمتع بموهبة اللعب بالاصابع الضرورية للتعتق في كرسي حكم عاش البعض من الليبيين وماتوا وهم لا يعرفون غيره قائدا جماهيريا ولا مفكرا امميا لثورة بلغت للتو اشدها وتأهلت لتلقي كلمة السماء..

فيبدو ان الاخ القائد..مفجر الثورة وملك الملوك ..لم يزهد بعد من التلذذ بالظهور الاعلامي المبهرج..ولم يشبع من المفرقعات التلفزيونية الاستعراضية..والاهم هو انه بعد كل هذا العمر المتطاول والمجد المتعالي.. وبعد كل هذه الالقاب المفخمة ..والمسؤوليات الجسام .. وبعد ضمان سلطة لا تنتهي الا على اكتاف المشيعين..استطاع ان يجند الغرب باكمله كموظفي علاقات عامة ضمن سعيه لانتاج احتفال كرنفالي اسطوري يليق باربعة عقود من الجلوس على سدة الحكم..

فالعقيد يبدو اليوم اقرب جدا الى قطف ثمار ما دفعه والشعب الليبي للغرب كجزية عن يد وهم صاغرون..ويبدو كذلك ابعد ما يكون عن حفرة صدام حسين ..الحفرة الكابوس التي اقضت مضجعه وحرمته السهاد وطيب الرقاد..وجعلته يصيح ثلاثا اما من توبة لعاصٍ ضال ايها الغرب الشفيق..

فمن هذا العقل العصي على التصنيف ما بين الممكن والممكن تخيله والمستحيل..انبثقت سياسة تدوير المواقف واسترجاعها وتجشأها واجترارها في متاهة لا يظهر منها غير التلميعات الاحتفالية لشخص الزعيم وانتاج المناسبات التي لا يبدو منها الا التمجيد والترويج السمج لبطولات وانتصارات على اللاشيء ..والعصي على الفهم هنا هو دخول الغرب كخلفية درامية ضرورية لتكريس صورة البطل المنقذ.. فلا نستطيع ان نرى عملية اطلاق السراح المغمسة بتكثيف انساني مزعوم..ولا الاعتراضات او التعبير عن الشعور بالاساءة او”التقزز” الا كاعادة اخراج سيء متكلف لمشهد تحرير الاسرى قد يحتاجه الاخ العقيد بشدة في هذه المرحلة.. لترميم وطلاء ما تساقط من شعارات المواجهة والصمود في غيابة جب التنازلات المؤلمة..

ما للغرب للغرب..ومابقي فمن حق العقيد..قد يكون هذا العنوان هو الاقرب لتفسير العلاقة الملتبسة بين الطرفين والتي اشار اليها الرئيس ساركوزي بتصريحه الاقرب للاقرار بما هو قائم ..حيث قال “إن القذافي لا يُـعتبر دكتاتورا في العالم العربي”.. وقد يعتبر اطلاق المقرحي نوع من التاكيد على اننا نعيش في عالم يختلف عما يعيشه الاخرون..

عاش المقرحي رئيس أمن الطيران السابق بشركة الخطوط الجوية الليبية في مطار لوقا بمالطا حياته كلها في خدمة سيده..فلقد ساهم في اسقاط طائرة محملة بالبشر تنفيذا لامر مولاه واستجلابا لرضاه..وذهب طائعا الى محكمة اجنبية ودخل السجن انقاذا لراس القائد..والان وبعد ان وصل العمر الى محطته الاخيرة..يسفح المقرحي اشهره الاخيرة كنمرة خاصة وغالية في احتفالية تتويج الاخ العقيد قائدا للثورة واخا اكبر..ولكنها نمرة يقول البعض انها كانت في صلب العقود التجارية التي تم توقيعها مع بريطانيا في الآونة الأخيرة..وكلفت ليبيا مليارات الدولارات وتواقيع كثيرة على صفقات تاتي المنفعة والجدوى الاقتصادية كتفصيل ثانوي يحتل مرتبة متاخرة من تسلسل اولوياتها..