الرئيسية » المرأة والأسرة » روناهي…. حين يغيب عنها الأمل

روناهي…. حين يغيب عنها الأمل

كثيرات هن من يعانين سطوة القدر عليهن وعلى مصائرهن التي لا تراعيها أيدي زائرلا يعرف للبراءة والطفولة حرمة، أو حرمة العجز والشيخوخة، ولا حتى حرمة من يعيل أعناقا لا تحيا إلا بمراعاته لها، ويبقى أن تعوض أيدي وقلوب هذا المجتمع وأفراده عن ظلم هذا المتربص بكل واحد منا عبر مساعدتنا لبعضنا البعض قدر المستطاع، ولكن تبقى المصيبة الأكبر حين يغيب هذا الوعي الداعم لمبدأ العون والمساعدة ويرفض كل منا أن يعين أو حتى أن يثير الضمائر الأخرى لتعين وتساعد، متناسين تشابه الحال بين كل الكائنات الضعيفة من أبناء البشرية البؤساء.

روناهي عثمان، فتاة صغيرة أخرى، وليست أخيرة، يحاول القدر أن يختطفها من بين أيدي وأحضان أهلها وهي مازالت في ربيعها الرابع عشر دون أن يكون لها أي ذنب سوى فقر الحال والفاقة التي يعاني منها أهلها، فالوالد ما هو إلا عامل بسيط في مدجنة في منطقة حران العواميد قرب دمشق، يعيل ستة أطفال أكبرهم في السابعة عشرة من العمر، وكان قد هرب من القامشلي باتجاه دمشق بعد أن أغلقت في وجهه كل السبل للعمل و للعيش في منطقته التي ولد وتربى فيها بعد مواسم شح أفضت بالآلاف إلى أطراف دمشق وأحيانا شوارعها.
فمنذ خمس سنوات وروناهي تعاني من المرض بأشكال مختلفة، حتى تم اكتشاف مرض القصور الكلوي المزمن والحاد في الآونة الأخيرة في مستشفى الأسد الجامعي الذي طلب منهم مبلغا بسيطا للغاية بالنسبة للكثيرين ولكنه كبير جدا بالنسبة لهم، ولا طاقة لهم على سداده بأي شكل من الأشكال، فقط ( 250 ) ألف ليرة سورية أجرة العملية بعد أن تكفلت الأم، التي تجرى لها الفحوصات الآن، بالتبرع بإحدى كليتيها لتعوض ولو كلية من الكليتين المصابتين لابنتها فأن تعيش ابنتها وتتابع مسيرتها في هذه الحياة أفضل كما تراه الأم من معيشتها هي.
أما الأب إسماعيل فلقد أنهك وخارت قواه، فمن تصوير شرياني كلف سبعة آلاف، إلى تحليل أنسجة كلف ثلاثة عشر ألفا، إلى فحوصات بول كلفت ستة عشرة ألفا، أما الإبر فغير موجودة في سوريا بل يطلبونها من لبنان ويقدر ثمن كل إبرة بألف ومائتي ليرة سورية وغيرها من المصاريف التي لا طاقة للأب عليها وخاصة أنه يجري لها غسيل كلية مرتين أسبوعياً تكلف الجلسة ألفا وسبعمائة ليرة سورية مم أدى بهم في النهاية إلى بيع أثاث البيت لتغطية بعض هذه المصاريف دون جدوى.
كانت روناهي في الصف السابع، وما أن أنهت الدراسة في هذا الصف حتى تعقبها المرض ليمنعها من الدوام في السنة التي بعدها، أما في السنة الماضية فلم تستطع أن تداوم سوى فصلا واحدا، وترقد في الفراش فصلا، لترى المستقبل بعيدا عنها ويرحل عنها الأمل حتى لجأ الأب إلى طرح مشكلة ابنته، أو بالأحرى مشكلته على كل من لمح فيه إمكانية المساعدة وكان أول من طرح عليهم قضيته هي الجمعيات الخيرية في دمشق بمجملها، والتي رفضت كلها مساعدته بحجة أنه ليس من المنطقة وأنها تتكفل بالمرضى المتواجدين في المنطقة التي تقع في نطاق عملهم ونشاطهم، ولم تكلف تلك الجمعيات نفسها عناء البحث عمن يعين هذا الأب البائس الذي لم يجد خيرا منهم ليلجأ إليه، ولكنهم ومع رفضهم لمساعدته لم يدلوه على الأقل على جهة أخرى تقوم بالواجب، وكأن كلمة نعم أو لا هي الوظيفة الأولى لهم متناسين بأن هاتان الكلمتان يجب أن يكونا آخر ما ينطق به المتحدث باسم هذه الجمعيات نظرا لدورها في التوجيه والإرشاد والمعونة.
إذا فمن أين يجب البدء؟. هل يجب البحث عن داء لأمراض القدر التي لا تنتهي؟ أم يجب البحث عن أمراض واقعنا الذي يفتك يوما بعد يوم بعشرات الفقراء الذين لا يجدون لقمة العيش التي تحميهم من الموت وتقيهم من الأوبة التي لا تعرف طريقها إلا إليهم؟ إن آلية النشاط في الجمعيات الخيرية يجب أن لا يكون إلا عملا إنسانيا، ويجب الابتعاد قدر المستطاع في أدائها لوظيفتها عن الروتين والعمل المؤسساتي المفرغ من كل روح وضمائر حية تراقب، فلما لا يكون العمل على رفع الغبن عن كاهل البؤساء الشغل الشاغل لنا جميعا؟ ولماذا نخلق مشاكلنا التي تعيق وقوفنا جنبا إلى جنب في وجه الأوبة والمشاكل التي ترسلها لنا الأقدار؟.
ليست روناهي إلا كلمة في قافلة تسير بنا نحو الهاوية، ولن نحس بجبروتها إلى أن يسبق السيف العذل، وحينها لن يكون بوسعنا إلا أن نلملم الجراح، ونلملمها فقط دون أن يكون في وسعنا مداواتها، فإلى كل ضمير حي أرسل صوت روناهي وصوت ألف روناهي قادمة وألف روناهي سبقنا الموت إليهن دون أن يجدن من يحمل عنهن حمل الشقاء الذي خلقناه نحن، ونحن أجمعين.

للمساعدة الاتصال على الرقم:
0933744742

مجلة ثرى – العدد 195 تاريخ 22 8 2009 – السنة الخامسة