الرئيسية » مقالات » الأربعاء الدامي . . و الديمقراطية ؟

الأربعاء الدامي . . و الديمقراطية ؟

اسفرت الأحداث المؤلمة في عراق اليوم عن اربعاء دموي مؤلم جديد في العاصمة بغداد ، بعد مرحلة تراجعت فيها حوادث العنف الى درجة محسوسة. و تتصاعد الإتهامات المتبادلة من جهات الى اخرى حتى قبل وصول التحقيق الى نتيجة ملموسة ما، وفي مرحلة و حالة كثيرة الإلتباس و الغموض و التداخل، يلقى فيها كلّ شئ على ” الإرهاب ” دون تعريفه و تحديده بدقة و دون الإنتباه الى ان مكوناته و اتجاهاته لا تبقى على حالها ، وانما تغيّرت و تتغيّر طيلة سبع سنوات مرّت منذ سقوط الصنم ، في بلد صارت فيه سلوكيات الأرهابيين تتلبس عديدين من اطراف عراقية ، عدد منها مقرر في الأحداث و في مسيرة البلاد . . سواءاً خارج او داخل ( العملية السياسية ) و مؤسساتها، وفق تتالي الأحداث المفجعة ، و وفق العديد من وسائل الإعلام العراقية والإقليمية و الدولية . .
حتى فقدت شعارات ” الديمقراطية ” و ” التحرير من المحتلين ” معانيها، وصار المال و التمويل و الفساد الإداري سلاطيناً ، و المتحذلقون و الطبّالون و المرتزقة المسلحون الجاهزون عند اي طلب ، عبيداً مطيعين، لمن يدفع اكثر . . بعد ان تراجع تأثير المبادئ السامية الداعية الى سلامة و رفاه البلاد و الشعب على حملة السلاح، و بعد ان صار الإرتزاق يسير متسيّداً ، في مرحلة عزّ فيها الماء و الكهرباء، و تزايد فيها الفقر . . وسادت فيها القوارض على اكوام المزابل .
و يرى عديد من المراقبين في ذلك الخضم المتلاطم ان هناك تغييرات و تطورات تسير على طريق الحسم بأي ثمن لمن يريدها كما يبدو ، لأسباب . . تزايد عزلة نظام المحاصصة الطائفية و العرقية و تزايد عزوف الناس عن الطائفية و هم يعيشون نتائجها المدمّرة و نتائج احتضانها لمجرمي الأمس المتلونين . . تصدّع (الائتلاف الشيعي) الحاكم حتى الآن ، لصالح الإبتعاد عن السياسة و الأهداف الإيرانية ، حيث تنخفض شعبية المجلس الأعلى الإسلامي بشكل متواصل ، و نتائج انتخابات المجالس المحلية الأخير مثال ساطع على ذلك . .
تغيّر الخارطة السياسية في كوردستان العراق كما دللت نتائج الإنتخابات الكوردستانية الأخيرة ، و تصاعد و تصعيد الأفكار الشوفينية و القومية الإنعزالية التي ادّت الى ارسال القوات الأميركية ، قواتٍ اضافية منها الى مناطق التماس مؤخراً، في محاولة لمنع تصاعد العنف و التهديد من ان يتحوّل الى قتال قومي جبهوي . . تسعى اطراف اقليمية و داخلية له . . .
تصاعد الأصوات الداخلية و الإقليمية المشجعة لمشاركة الأطراف (السنّية العربية) ـ وفق تعبير المحاصصة الطائفية ـ ، بعد ان حققت عشائر غرب العراق انتصارات كبيرة على القاعدة و هزمتها، و اثر تزايد افتقادها في العملية السياسية ، ثم اثر اللقاء الأميركي مع اطراف هامة منها في مؤتمر انقرة . . الأمر الذي اثار و يثير ليس الأطراف الإيرانية المتشددة فحسب ، و انما اخذ يثير اطرافاً من داخل العملية السياسية ذاتها ، سواء كانت شيعية ذات توجه ايراني ، او اخرى تسعى لبناء جسور مع سلطة القرار في ايران ، في خضم صراع زعامة داخلي على امتيازات و حصص اكبر .
من ناحية اخرى يشير محللون الى إن سياسة ادارة اوباما في سعيها للتفاهم مع حكومة احمدي نجاد ، على اساس اعترافها بدور ايراني اقليمي اكبر في المرحلة الراهنة، مقابل تنازلات في البرنامج النووي الإيراني . . و تحركها السياسي الأنفتاحي في المنطقة و الذي يلاقي ترحيباً سورياً قد يؤدي ـ بنظر سلطة الفقيه ـ الى تزايد استقلالية القرار السوري عن القيادة الإيرانية ، في ظروف انفتاح سوري جديد على الحكومة العراقية ، في وضع عراقي يميل للأبتعاد عن فلك ولاية الفقيه في ايران . .
كل ذلك و غيره اخذ يزيد قلقاً و مخاوفاً لدى قيادة ولاية الفقيه التي تشعر انها قد تفقد ملفات داعمة لها لدى الحليف السوري ، و تفقد مواقع هامة من مواقعها القوية في العراق في وقت واحد ، في ظروف محنة داخلية تعصف بحكم ولاية الفقيه ، اثر نتائج انتخابات الرئاسة الإيرانية التي تحدّتها و ادانتها اوسع الأوساط الجماهيرية الإيرانية .
و على ذلك ، يرى خبراء ان الدوائر الإيرانية المتشددة ـ و في مقدمتها فيلق القدس الفاعل في اجهزة الدولة العراقية ـ و التي عرفت باستعدادها للتلون و للدفع بسخاء لمن يساعدها على تحقيق اهدافها سواء التاكتيكية منها و الموقتة ، او الستراتيجية ، مهما كان . . هي التي تقف وراء مذبحة الجادرية، بشكل مباشر او غير مباشر .
من جهة اخرى فإن مايجعل الصورة غاية في التعقيد ، هو ان الأطراف المتصارعة المعنية في المنطقة ، تتفق مع بعضها في اجندة و تختلف و تتصارع في اخرى ، و لكل اجندة دوائر . . فان الدول المعنية بملف القضية الكوردية مباشرة مثلاً، كايران و تركيا و سوريا اضافة الى العراق ، تلتقي بدوائرها المخصصة لذلك و تسعى لتقاسم الأدوار حيالها، الاّ ان ذات الدول اضافة الى الدول العربية الجارة الأخرى تختلف بينها على اجندة المحاصصة الطائفية و العرقية ، و كذا على اجندة النفط و المياه و تحقيق الأرباح من السوق العراقية .
و تختلف و تتفق على اجندة اخرى، في قضية حجم و شكل و تزامن وجود القوات الأميركية ، ذات التأثير الفاعل المتنوع في المنطقة ، مقابل التأثير الإيراني لسلطة ولاية الفقيه فيها، الساعية الى جعل العراق ساحة للمقايضة مع الأميركان على مفاعلها النووي، سياسياً بسعيها لتوثيق علاقاتها مع دول المنطقة و تلبية مطالبها باللين و المساومة، و عسكرياً بسعيها للتعامل مع كل الكتل المسلحة و الأرهابية ـ من فلول الدكتاتورية الى القاعدة و غيرها . . و غيرها من المشاركة في العملية السياسية ـ في مواجهة القوات و الإدارة الأميركية .
و ينبّه اخرون الى وجود اهداف ستراتيجية اكبر ترمي الى ابقاء الأميركان الساعين الى (انسحاب مشرّف)، لأسباب لايتسع لها المقال . . و تشترك فيها اطراف متنوعة ، عدد منها اقليمية ترفع شعار الموت لأميركا ، لأهداف تخص سياستها و تسويقها داخلياً ، اضافة الى اطراف من العملية السياسية ذاتها عربا و كورداً . . في معادلة كثيرة التعقيد تقوم على محاولة الأستئثار بكرسي الزعامة و الوجاهة ، تحقيق و زيادة و حماية مصالح ضيّقة ، و لو على مراحل .
و توظف الأطراف تلك حالة الإرتزاق التي صارت تعمّ الساحة ، بسبب استمرار ضعف الكيان الوطني الداخلي ، منذ فقدان الحريات في زمن الدكتاتورية ، الحروب و الحصار ، و الى الغزو الأميركي والأحتلال واستمرار الحكم العسكري و التقسيم الطائفي للبلاد على اساس المحاصصة الطائفية و العرقية و النشاط الأرهابي المتنوع الدولي و الداخلي . . ان الظروف الصعبة التي يعيشها العراقيون و تفجيرات يوم الأربعاء الدامي و ضحاياها الأبرياء، و التي حصلت باسلوب تظاهرة دموية ارهابية عنيفة غطّت رقعة واسعة متنوعة المذاهب و الأديان من احياء بغداد على ابواب الإنتخابات الرئاسية المقبلة . . تحمل دلالات فاجعة تقول : عن اية ديمقراطية يتحدثون ؟ !

22 / 8 / 2009 ، مهند البراك