الرئيسية » التاريخ » المجتمع الكردي في المنظور الاستشراقي الحلقة الثانية والعشرون بعد المئة

المجتمع الكردي في المنظور الاستشراقي الحلقة الثانية والعشرون بعد المئة

ان ويكرام لم يصدق في البداية ما قيل له اذ يذكر انهم أكدوا له ذلك وقال له أحد الاثوريين، اجل إنها الحقيقة بعينها فيصعب جداً ان يتسمم الكردي وان تم ذلك فهو أمر ليس بالخطير(126).
ومن الحكايات التي يقصها علينا ويكرام ومن خلال مشاهداته في المنطقة، عن مريض لا يذكر ويكرام ما ان كان كردياً ام اثورياً ولكن الطبيب المعالج كان اثورياً وكان هذا الاثوري على حد تعبير ويكرام يسمي نفسه “حكيماً” لانه قضى ثلاثة اشهر يشتغل في عيادة بعثة طبية أميركية بوظيفة (غاسل القناني) وصادف ان وصل ويكرام فاستدعي بصفته طبيباً لرؤية المريض فوجده في حالة سيئة للغاية بعد قضائه ليلة سوداء يتلوى ألما وعذاباً فسأل (حكيمه) المعالج عن المادة التي أعطاها للمريض فاجاب الحكيم إنها زيت الكروتون. وسأله عن مقدار الجرعة التي سقاها للمريض أجاب انها كانت كمية قليلة، ملعقة شاي ويخبرنا ويكرام ان نصف قطرة من هذا السم، هو أعلى حد يسمح به دستور الصيدلية الإنكليزية! ويعلن ويكرام ان ملعقة الشاي تلك كانت ليست بسعة ملعقة الشاي الإنكليزية، لذلك يعتقد ويكرام ان المريض ربما أعطي ما يزيد قليلاً على ثلاثين ضعفاً لان الملعقة كانت ايرانية. وقال ويكرام (للحكيم الاثوري) ان مريضك سيعيش ما دام بقي حياً اربعاً وعشرين ساعة بعد هذه الجرعة، وفعلاً عاش المريض.
ومن الحالات الطريفة التي يرويها ويكَرام ولكنه أيضا لا يحدد هوية المريض ان كان كردياً ام اثورياً المهم، ان هذه الحادثة أيضا كانت في (جيلو) وهي قرية اثورية، اذ يذكر ويكرام ان اقبل عليهم رجل ليقص حادثة اليمة – باللهجة الجبلية – ولا ندري ماذا يقصد ويكرام باللهجة الجبلية هنا، ولكنه يقول، انه لا يفهمها واستنجد بالقس للترجمة فأصغى اليه برهة ثم اغرق في نوبة من القهقهة حتى انبهرت أنفاسه والتفت الى ويكرام يقول لاهفاً (انه يطلب دواءً لاسكات زوجته الثرثارة)، فأجاب ويكرام ان يبلغه بان ويكرام لا يصنع المعجزات (162). والحقيقة ان لنا رأياً قد يكون صائباً ولكن بعد فوات الاوان أي بعد فوات قرن من الزمان. نظن ان ويكرام والقس لم يفهما او لم يستوعبا الحالة التي جاء يشكو منها هذا الرجل سواء كان كردياً ام اثورياً، ونعتقد ان زوجته التي كان يطلب لها العلاج كانت مصابة بداء (الذهان) وهو مرض عقلي/ نفسي ومن أعراضه استمرار المريض على الحديث دون كلل او ملل وبسرعة تفوق بعض الشيء معدل سرعة حديث الأسوياء كما ان (الموضوع) ليس بذات أهمية قدر ما ان عملية الحديث نفسها هي المطلوبة دماغياً من المريض، كما ان من أعراض الشيزوفرينيا (اللجاجة) واللجاجة تعني تكرار الكلمة او الجملة او الطلب بشكل مستمر غير معقول بالنسبة للأسوياء.
وهكذا على ما يبدو لنا راحت استغاثة هذا القروي الذي استنجد بالطبيب ويكرام والقس المترجم أدراج الرياح، لاننا لا نعتقد ان شخصاً يسعى الى طبيب لمعالجة زوجته من الكلام ما لم يك هذا الكلام قد خرج عن المعقول اما في كميته او نوعيته.
ان هذا الحادث يذكرنا بزوجة احد الزملاء من أساتذة جامعة بغداد رحمه الله، اذ رفعت زوجته – والعهدة على الراوي- شكوى الى المحكمة الشرعية تطلب الطلاق من زوجها، ولما سألها القاضي عن سبب طلب الطلاق، أجابته انه كثير الكلام ولا يسكت دقيقة واحدة ولا يسمح للمقابل بأية إجابة او مداخلة. وفعلاً كان رحمه الله كذلك ولكنه كان في بداية أصابته – حسب اعتقادنا – بحالات نفسية منها (داء العظمة العلمية) والشعور بالاضطهاد الاجتماعي ولم يحكم القاضي بالطلاق، ولكن الذي حدث ان حجراً بيتياً فرض عليه من قبل اهله.. فعاش منعزلاً في إحدى غرف الدار ولم يعرف اهله بموته الا بعد عدة ايام.
من الطريف أيضا ان نذكر حالة غريبة عندما جاء اهل المريض بمريضهم لمعالجته من عينه الشريرة (يصيب بالعين) وبالرغم من اعتذار ويكرام عن عدم قدرته على معالجة هذا المرض طبياً ولكنه يعترف في كتابه، انه كان يملك عدداً كبيراً من الرقى والتعاويذ ضد العين الشريرة (كدعاء جبريل رئيس الملائكة ضد بنت الثم المهلكة) ويبدو ان ويكرام كان مؤمناً بفاعلية هذه الرقى والتعاويذ او هكذا المح في كتابه، لكنه عاد فقال، ارتأينا ليس من اللائق استخدام هذه الرقى واضطر الوفد الى العودة من حيث اتى خائباً (297).
لقد ادرك ويكرام ما للطب من تأثير على الكرد في تسهيل معايشته للمنطقة وربما تحقيق اهدافه المعلنة وغير المعلنة في المنطقة.
ان ويكرام يذكر عن مدينة العمادية انها افضل بلدة في (هذه البقعة) ويقصد كردستان، لاستقاء المعلومات الغريبة عن طرق الحياة في هذه الأصقاع النائية ولاسيما اذا أضيفت ممارسة الطب الى العمل الثقافي، وهو يقول نصاً، لا شيء اقوى من وصف جرعة دواء تستأصل بها روح العداء والنفرة، وكانت تردنا حالات من المرض عجيبة ويطلب منا معالجتها. لقد اقبل على ويكرام مجنون البلدة يسأل على يده الشفاء وكان يدرك تمام الإدراك بانه مصاب في عقله، كما كان يدري السبب في مرضه، فقد زعم ان خصماً لدوداً دس له في طعامه مخ حمار منذ مدة، فأكله دون ان يدري فاصيب بلوثة جنونه هذه. وقد أراد ويكرام ان يعالجه بخدعة أي ان يجري له عملية جراحية من خلال أحداث جرح صغير في بطنه وبعدها عرض قطعة لحم عليه باعتبارها مخ الحمار ولكن المريض رفض هذا العلاج (296). الحقيقة نجد في هذه الحالة اكثر من احتمال اذ من الناحية العلمية السايكولوجية، المجنون هو غير المريض نفسياً، والمجنون لا يعي جنونه ويرفض الذهاب للعلاج، يبقى الاحتمال الثاني ان هذا الشخص كان مصاباً بداء (الوسوسة) أي كان مريضاً نفسياً وليس عقلياً ويبدو انه خاف من اجراء العملية، اما الاحتمال الثالث فقد يكون الشخص مرسلاً من جهة حكومية (تركية) او محلية دينية لمعرفة اتجاهات ويكرام او بعثته. هل يطلب من مرضاه تغيير ديانتهم مثلاً لقاء الشفاء.
ومن الحالات التي يذكرها ويكرام ان كردياً طلب من زميل لويكرام ورجا منه ان يخلع له ضرسه فقام الانكليزي بعمله خير قيام وكان امتنان الكردي لاحد له، وقدم لخالع سنه أجورا نقدية (مجيديين)* فرفض المعالج لانه كان يعالج مجاناً من دون اجر، فزاد إعجاب الكردي بالمعالج ولما كان المريض مسلماً، فقد قدم هدية تعبر عن عفويته اذ قال للمعالج: انظر يا افندم**. انت نصراني، أليس كذلك؟ فأصغ الي، سيكون لي سبعون حورية عندما ادخل الجنة والموضع الذي تذهبون اليه انتم خال من الحوريات فما قولك لو أعطيتك جانباً من حصتي؟ حوريتين مثلاً؟ (297).
ويؤكد ويكرام ان مادة (الكنين) وهي حبوب كانت تستخدم في معالجة المصابين بالملاريا، قامت بخلق علاقات إيجابية بين بعثة ويكرام والأهالي وقوت الصداقة بينهم (299).
ويحدثنا ويكرام عن حادثة فرض صاحبها لنفسه حقاً على ويكرام لان ويكرام انكليزي والشلل الذي اصيب به كان بسبب الإنكليز، وهدد ويكرام بأن يجري له عملية جراحية ولما اجابه ويكرام ان هذا ما لا يمكن عمله والأجدى ان يراجع مستشفى الموصل، اجابه صاحب اليد المشلولة وكان يتقدم الرجال الذين معه ويبدو انه كان زعيمهم قائلاً، ان الواجب يقتضيهم بمعالجة يده لانهم السبب بما حل بيده وعندما اجابه ويكرام متعجباً بانه لم يلتق به ولا يعرفه، اجابه الرجل الكردي ان القنصل الانكليزي، هو الذي كان قد فعلها عندما اطلق الرصاص عليه وبما انه انكليزي وويكرام ومن معه انكليز فانهم يتحملون مسؤولية ذلك، وعلم ويكرام من بعد ان المتحدث صاحب اليد المشلولة كان احد افراد مجموعة هاجمت القنصل قبل عدة سنوات. وان هذا الرجل يحمل ذكرى معركة حامية نشبت على اثر ذلك وهو يحمل ذكرى لها من رصاصة قطعت وتر عضلة ذراعه اليمنى (298).
ويحدثنا ويكرام عند زيارتهم لشيخ بازران انه كان يشكو من مرض في عينه، ويذكر انه كان التراخوما وقد رجاهم وصف علاجٍ يشفيه، ولم يكن بوسعهم علاجه، ولكنهم تمكنوا بعد وقت قصير اصطحاب طبيب انكليزي من مستشفى البعثة التبشيرية بالموصل ليستفيد الشيخ منه.
ويذكر ويكرام انه كان قد شاع في تلك الفترة ان (حكيماً) يزيدياً كان قد فحص الشيخ ووصف له العلاج الذي كان عبارة عن ضرورة ادخال سفود ساخن محمر، أي ثقب الرأس من الصدغ الى الصدغ لتجفيف الماء الزائد (الدمع) المتجمع خلف محجر العينين (138).
ويعلق ويكرام على هذا العلاج الرهيب الذي لو كان الشيخ قد وافق عليه، فأي مصير كان ينتظر الحكيم اليزيدي على يد اتباع الشيخ ازاء هذا العلاج القاتل! اما توما بوا فيصف لنا ما ذكره الأب كارزوني والأب كامبا نايل وقد تحدث كل منهما عن استخدام الكرد للأعشاب في الطبابة، ومن هذه الأعشاب ما يفيد تقوية الأسنان وأخرى كثرة افراز العرق وتمنع السكتة القلبية او الموت المفاجئ ومنها ما يستخدم لمساعدة الفتيات على تحمل آلام الطمث. كما تستخدم بعض الورود مثل شقائق النعمان لمساعدة العقيمات على الحمل كما لها فعلها المهدئ. اما ازهار النيلوفر أي الورود التي تنبت على سطح الماء فتساعد في خفض الحرارة. ونباتات اخرى تساعد على عملية الإسهال وأخرى تساعد في تنشيط القدرة الجنسية (95).