الرئيسية » مقالات » هل من إمكانية لتحقيق التعاون والتنسيق بين أطراف القوى الديمقراطية العراقية؟الحلقة الثانية

هل من إمكانية لتحقيق التعاون والتنسيق بين أطراف القوى الديمقراطية العراقية؟الحلقة الثانية

إن متابعتي لأوضاع القوى الديمقراطية تؤكد لي بأن ثلاثة عوامل تؤثر سلباً على تأمين التعاون بين قوى التيار الديمقراطي العراقي, والتي أشرت إليها في الحلقة الأولى والتي يمكن تلخيصها بنقاط ثلاث, وهي:

1 . ضعفها بشكل عام ونشوء تنظيمات جديدة خارجة من تنظيمات سابقة نشأت بسببها علاقات متوترة تستوجب التنقية.

2 . تركة غير ديمقراطية في مجمل العلاقات في ما بين القوى الديمقراطية وضعف الثقة, يضاف إلى ذلك شعور عام لدى كل طرف بقدرته وقوته ورغبته في البروز تحت تأثير ذاتية شديدة تؤثر سلباً على علاقات بعضها بالبعض الآخر.

3 . عزلتها عن الشعب وعن النشاط الجماهيري والتي نشأت تحت وطأة عوامل عدة منها الإرهاب والتهديد بالموت للكوادر السياسية وسقوط الكثير من الديمقراطيين والمثقفين شهداء على طريق النضال.

ولكن هناك الكثير من المسائل التي يفترض أن يجري التفكير بها من جانب القوى الديمقراطية العراقية والتي تستوجب تلاقيها والبحث في أوضاعها وتحويل المسار 180 درجة صوب التعاون والتحالف لخوض الانتخابات القادمة وتأمين استراتيجية تحالف لاحقة في ما بينها. وسأتطرق في هذه المقالة غلى بعض القضايا التي ربما تثير النقاش حولها لتقريب وجهات النظر. ومن باب تحيل حاصل أن نشير إلى أن القوى الديمقراطية تمتلك تجارب غنية في التحالفات السياسية, بينها ما هو ناجح وأخرى فاشلة, وبينها ما هو غث وبعضها كان سميناً. ومثل هذه التجارب يفترض أن تكون عوناً لنا جميعاً في التحري عن إمكانية لتحقيق الوحدة الوطنية لا على اساس اندماج الجميع في كيان واحد, بل على اساس التحالف السياسي لتحقيق أهداف معينة في إطار استراتيجي مناسب. ويفترض عند التحري عن إقامة مثل هذه التحالفات أن ينطلق من عدة مؤشرات أساسيةو منها بشكل خاص ما يلي:

1 . الواقع المزري الذي يعيش فيه الشعب والمشكلات التي تبدو أكثر تعقيداً مما مضى وتستوجب الحل, ومنها الأجواء المحيطة والمحركة للعملية السياسية والتصورات المتناقضة بهذا الصدد.

2 . الآفاق التي تبدو مرة مشرقة ومرة أخرى مظلمة لاتجاهات التطور في ضوء المشكلات المعقدة على مستوى العلاقات بين حكومة إقليم كردستان والحكومة الاتحادية في بغداد, وكذلك العلاقات المتوترة بين القوى السياسية.

3 . الجهود التي تبذل لإقامة تحالفات ذات بعد طائفي مقيت يمكن أن يدفع بالبلاد غلى ظلامية لا يمكن تقدير عواقبها السلبية, كما لا يمكن تقدير مدى قدرة القوى الديمقراطية كل على انفراد على تلك الصدمة ومواجهة الحالة الجديدة المحتملة.

4 . التعرف على مدى استعداد ورغبة وقدرة القوى الديمقراطية على تحقيق التعاون والتنسيق في ما بينها لصالح التحولات الديمقراطية لا على أساس انتخابي فحسب, بل وإلى ابعد من ذلك ايضاً.

5 . مدى تأثير الأوضاع الإقليمية والدولية المحبطة بالعراق والمحبطة أو المنشطة للقوى الطائفية السياسية من جهة, وللقوى الديمقراطية من جهة أخرى على التحرك وتحقيق التحالف الوطني والديمقراطي.

الواقع العراقي الراهن يشير إلى مجموعة من الظواهر المهمة التي يفترض أخذها بنظر الاعتبار عند العمل من أجل تأمين التحالفات الديمقراطية لتحقيق التغيير المنشود في وجهة تطور العراق الراهن, ومنها:

** التفتت الشديد والصراعات المحتدمة بين قوى الإسلام السياسية على السلطة والنفوذ والمال, رغم كل الجهود المبذولة لتحقيق التنسيق والتعاون في ما بينها وتشكيل أئتلاف جديد مشابه من حيث المبدأ للائتلاف المتفكك. وهذه الظاهرة لا تشمل القوى افسلامية السياسية الشيعية فحسب, بل والسنية ايضاً.

** التفتت الجديد في القوى الديمقراطية والسياسية والبرالية الكردستانية التي تجلت في قوائم خوض الانتخابات وفي النتائج التي انتهت إليها وفقدان نسبة الثلثين لدى الحزبين الرئيسيين الحاكمين, واحتمال بروز تأثير ذلك على الساحة العراقية, إضافة إلى ساحة غقليم كردستان العراق.

** استمرار التفتت في قوى التيار الديمقراطي واللبرالية والعلمانية العراقية, رغم كل المحاولات الجارية لتحقيق التعاون والتنسيق, رغم بروز نجاحات بسيطة وجزوئية في نشوء الائتلاف الديمقراطي الجديد أو وجود لجنة تنسيق القوى الديمقراطيةو أو خروج مجموعة من القائمة العراقية لتشكيل كتلة ديمقراطية ربما تنسق مع قوى أخرى أيضاً.

حتى الآن تشير المتابعة اgسياسية إلى أن حظ قوى الإسلام السياسية إلى تحقيق التعاون في ما بينها هو أكبر من حظ القوى الديمقراطية بسبب ضغوط قوى الجيران من الشرق والغرب والجنوب, ولكن لا يفترض أن نقبل بهذا الاستنتاج, إذ لا بد من تكثيف الجهود بهدف الوصول إلى نتيجة إيجابية أخرى.

وإذا كان التحالف الكُردستاني حتى الآن يتحرك على خطين ويسعى للاستفادة من الجانبين رغم تحالفه مع الجماعات الطائفية الأقوى التي ضعفت في الفترة الأخيرة جدياً وفقدت الكثير من قاعدتها في محيط القوى المتدينة, والتي ساهمت في غضعاف القوى الديمقراطية العربية وبشكل عام ايضاً, فأن احتمال استمرار التحالف معها قائماً, رغم محاولة هذا التحالف التحري عن بديل للتعاون بسبب النتائج التي أسفرت عنها الانتخابات في الإقليم والتي خسرت الكثير من القوى التي كانت لها ومحسوبة عليها. التحالف الكردستاني يسعى لإيجاد تعاون مع قوى الإسلام السياسية السنية أيضاً بأمل تحقيق توازن معين في البلاد, ولكن مثل هذا التوازن لا ينهي التدخل الفظ من جانب القوى الإقليمية الشيعية والسنية في الشأن العراقي. والحل الأمثل للتحالف الكردستاني يكمن في ضرورة العمل لتأمين تحالف وطني عراقي ديمقراطي واسع مع القوى الديمقراطية العربية والتركمانية والكلدانية لخوض الانتخابات القادمة عبر تعاون مشترك يمكن أن يضمن لها مستوى إيجابي مناسب على مستوى العراق.

إن الخسارة التي منيت بها بعض قوى الإسلام السياسي لصالح قوائم إسلامية أخرى تحت واجهة قائمة فرض القانون, دفع بها إلى سلوك سياسة قريبة من الانتخابات السابقة والتي تتبلور في النقاط التالية:

* تنشيط الاستقطاب المذهبي القائم على نهج طائفي مقيت يؤدي بدوره إلى استقطاب في الطرف الثاني.

* تنشيط زيارة المراقد المقدسة لدى الشيعة بأمل ضشدهم إليهم وتعميق الإحساس بالارتباط بالمذهب والطائفة التي تأتي على حساب روح المواطنة المتساوية والانسجام الوطني.

* تحريك بعض أو كل المرجعيات الدينية لتأييدها في الانتخابات القادمة بحجة أن الصراع هو بين الإسلام والإلحاد. وبعض المعطيات تشير إلى مثل هذا التحرك.

* شن حملات ظالمة ضد القوى الديمقراطية واللبرالية والعلمانية بهدف تشديد الصراع وتأمين الاستقطاب الذي تنشده.

* كما ستواصل دفع المزيد من الموارد المالية والإعانات لجمهرة كبيرة من القوى المهمشة اقتصادياً لأخذ أصواتها في الانتخابات القادمة على طريقة البطانيات وما يماثلها

وستبرز هذه الوجهة في الانتخابات القادمة, وهي إشكالية كبيرة ليست في صالح القوى الديمقراطية, خاصة وأن الإعلام الحكومي موجه لخدمة ذات القوى, وكذلك الكثير من القوى التي لها علاقة بالانتخابات القادمة.

قوى تيار الديمقراطي تقف أمام واقع اقتصادي اجتماعي وثقافي يتسم بالردة الفكرية والسياسية والاجتماعية والثقافية, وهي بحاجة إلى استنهاض الهمم وتنشيط العمل الفكري والسياسي والثقافي بعد الخسارة التي منيت بها في انتخابات مجالس المحافظات ومن خلال طرح شعارات تلامس نبض الشارع وحاجات الناس اليومية ومعاناتهم مع مشكلات الكهرباء

والماء والنقل والخدمات الصحية والبطالة والفساد المالي والإداري والحزبية الضيقة والطائفية الأضيق والأكثر سلبية … الخ.

المطلوب من القوى الديمقراطية بمختلف فصائلها واتجاهاتها الدعوة إلى عقد مؤتمر عام يحضره ممثلون عن تلك القوى في المحافظات بعد عقد مؤتمرات او لقاءات لها في المدن والأقضية وحيثما أمكن للبحث في موضوعات ثلاث:

– سبل تحقيق التحالف الاستراتيجي في ما بينها وما هي الأهداف والمهمات التي تثبت للعمل من أجلها والتي تعتبر القاسم المشترك الأعظم في ما بين أهداف هذه القوى مجتمعة.

– التحالفات التكتيكية وصولاً لتحقيق الاستراتيج الأبعد, ومنها التحالف الضروري لخوض الانتخابات القادمة في العراق كله وفق برنامج مشترك وقوائم مشتركة.

– سبل وأدوات النضال الجديدة التي يفترض ممارستها إلى حين الانتخابات القادمة وما بعدها وعدم التخلي عن اساليب الاحتجاجات والاعتصام والإضرابات والمظاهرات التي يفترض أن تمارس كلها بطرق سلمية وديمقراطية بهدف تنشيط الضغط على قوى الحكومة والوزارات المعنية لضمان أوضاع أكثر جدية وحداثة والتزاماً.

على ضوء كل ذلك واستناداً إليه وإلى غيره من العوامل الدافعة صوب ضرورة تحقيق التحالف بين القوى الديمقراطية على صعيد اعراق كله اقترح التالي مرة أخرى:

أولاً: عقد مؤتمر واسع ومفتوح لكل القوى الديمقراطية واللبرالية والعلمانية بدءاً بالمحافظات وانتهاء ببغداد.

ثانياً: بلورة المهمات الجديدة ذات المدى الاستراتيجي والمهمات التكتيكية المرتبطة بالانتخابات القادمة.

ثالثاً: تحديد الأدوات والأساليب والسبل الجديدة لتنشيط النضال المطلبي من أجل مصالح الشعب وحل مشكلاته الأساسية التي تمس جميع مجالات الحياة ابتداءً من الحريات العامة والتنمية الاقتصادية ومكافحة البطالة والمهمات الاجتماعية وحقوق المرأة والطفل والمهمات التربوية والتعليمية والحياة الثقافية وتطهير البلاد من القمامة وحماية البيئة, …الخ.

رابعاً: توجيه المنظمات الحزبية والكتل السياسية والشخصيات التي تسعى للعمل في إطار القوى اليمقراطية بكل فصائلها إلى إبداء المرونة والاستعداد للمساومة من أجل الوصول إلى التحالف المنشود, سواء ما يمس الأهداف أو تشكيل القوائم الانتخابية.

ليس هناك ما يؤكد قدرة الجميع على الخروج بتحالف عام وشامل لكل القوى الديمقراطية, ولكن ربما يكون ممكناً تعبئة أوسع تحالف ممكن يمكن فيما بعد كسب بقية القوى إليه, إذ أن المعركة الانتخابية القادمة سترسي قاعدة مهمة لاتجاهات التطور القادمة.

إن من هو موجود في الساحة السياسية العراقية أدرى بشعاب بغداد والعراق عموماً, ولكن أملي أن نعمل لتحقيق التحالف ومواجهة المهمات الجديدة بوحدة واعية وقادرة على تأمين تأييد المزيد من العراقيات والعراقيين في الداخل والخارج. ولكن علينا أن لا نستهين بأي عنصر عراقي يريد المشاركة في النضال الجاري من أجل عراق أفضل, عراق ديمقراطي اتحادي خال من القوى الأجنبية والتدخل الفظ في الشأن الداخلي ومن الطائفية والتعصب القومي والتمييز والفساد.

19/8/2009 كاظم حبيب