الرئيسية » مقالات » هرج ومرج السياسيين العراقيين

هرج ومرج السياسيين العراقيين

أوقعت بشاعة ودموية الاعتداءات التي طالت مباني وزارتي الخارجية والمالية، يوم الأربعاء 19/8، ممثلي الأحزاب والكتل السياسية بالصدمة، فأخذوا يتهمون بالأسماء الدول التي تقف وراء هذه الأفعال المدانة. فممثلو حزب الدعوة ومنهم وليد الحلي، أشار وفق صحيفة الحياة اللندنية يوم 20/8، إلى ضلوع المملكة العربية السعودية بهذه الاعتداءات، بقوله: إن حزب الدعوة يمتلك «معلومات عن أشخاص وأحزاب تنوي السعودية تمويلهم لإفشال وعرقلة الانتخابات وتخريب العملية السياسية الجارية، وإذا ثبت تورط هؤلاء ستقوم الحكومة بكشف أسمائهم وعنوانيهم». وأضاف أن «التوقيت الذي تختاره دول الجوار للعبث بأمن البلاد أصبح معروفاً فهي تختار الأوقات الحرجة والحساسة لا سيما أوقات الانتخابات». لكن ممثل الحزب الإسلامي عبد الكريم السامرائي رد عليه بالقول: «هناك أهداف سياسية وراء اتهام السعودية بمساعدة الإرهابيين». وتابع في تصريحات إلى إذاعة «سوا» أن «البيانات الرسمية التي تصدر عن الوزارات والجهات الأمنية، خصوصاً وزارة الدفاع تثبت وجود أسلحة إيرانية الصنع في حوزة الإرهابيين وفي مختلف إنحاء العراق ونحن نرفض بشكل قاطع إي تدخل سلبي في الشؤون الداخلية أياً تكن الجهة المتدخلة».

رئيس «مجلس الحوار الوطني»، خلف العليان نحا ذات المنحى فقال إن «الاتهامات التي يوجهها أعضاء أحزاب مدعومة إيرانيا ضد المملكة العربية السعودية محاولة للتغطية على حجم التدخل الإيراني البشع في العراق». وأضاف في تصريح إلى جريدة الحياة، أن « تفجيرات بغداد يوم “الأربعاء الماضي” تقف خلفها أيضاً إيران التي تحاول العبث بالبلاد لخدمة مصالحها». و إن «هذه الاتهامات تحاول إعادة التخندق الطائفي في العراق وإخافة الناس وحضهم على انتخاب الجهات نفسها التي فشلت في تلبية مطالب الشعب العراقي منذ 7 سنوات».

النائب عز الدين الدولة دعا إلى تقديم الأدلة بإدخال السعودية الأموال لدعم جهات معارضة. وقال في تصريحه للنفس الجريدة «كل دول الجوار تتدخل في الشأن العراقي ولكن بنسب متفاوتة ونحن نسمع عن أسلحة ومتفجرات إيرانية تدخل البلاد».

أما النائب عن القائمة العراقية عالية نصيف فتقول” إن «المال الإيراني لعب دوراً محورياً في كل الانتخابات التي جرت في العراق منذ عام 2003 وآخرها انتخابات مجالس المحافظات». وأضافت أن «ذلك المال دفع بسخاء إلى الأحزاب المرتبطة بطهران لشراء الأصوات وإدارة حملات انتخابية». وزادت أن «الاتهامات الموجهة اليوم إلى السعودية محاولة استباقية للتغطية على الدعم المالي واللوجيستي الذي تتلقاه هذه القوى من إيران وهذا معروف للقاصي والداني». و أن «ترويج الاتهامات بهذه الكيفية محاولة لإسقاط الأحزاب الوطنية العراقية بإشاعة أنها ممولة من قوى خارجية، و إن الأحزاب التي تعتمد على المال الخارجي تعمد وعند قرب كل انتخابات إلى محاولة النيل من الأحزاب الوطنية وإضعاف شعبيتها عن طريق نشر سلسلة من الأكاذيب والافتراءات لا سيما محاولة ربطها بدول إقليمية لم نلحظ لها إي تدخل في الشأن العراقي منذ التغيير». وأشارت إلى أن «تلك الأحزاب تحاول التقليل من ارتباطاتها الخارجية بتوزيع الاتهامات على الآخرين، كما تحاول التغطية على التدخل السلبي لإيران باتهام السعودية ودول عربية أخرى».

تلك بعض عينات من تصريحات السياسيين العراقيين من الطائفتين، التي تؤكد قطعا التخبط وإلقاء المسؤولية على غرمائهم، وليظل المواطنون العراقيون حائرين ناقمين وهم يسعفون جرحاهم أو يدفنون موتاهم وآخرون منهم يلملمون أشلاء الأجساد، ولم يعد يبالون بتسمية الضالعين مادام البعض يتهم الأخر مجرد اتهام، والبيانات الرسمية تكاد وبشكل يومي تبشر بإلقاء القبض على إرهابيين وأمراء لهم وعلى أكداس من الأسلحة والمتفجرات، دون أن تطلع الجهات الرسمية الرأي العام على من هم هؤلاء؟ ومن يمولهم بالأدلة لا بالادعاء. الحكومة العراقية و في سعيها إلى تفادي العزلة مع الدول المحيطة بالعراق باتت مغلولة الأيدي في الإفصاح عن التدخل الخارجي السافر وهي تحكم بلدا فتكت به العهود الدكتاتورية والحروب والاحتلال و المحاصصة، بينما يستمر الضالعون، عراقيون وأجانب، في مخططاهم وتنفيذهم جرائمهم باحتراف لم تألفه الساحة العراقية، تاركين المسئولين العراقيين يبحثون عن الأدلة!!!.

إن المسؤولية الوطنية والإنسانية إزاء هذه الجرائم المهولة توجب على الساسة العراقيين أولا البحث عن الجناة والأدلة بين أوساطهم وداخل أجهزة الحكم، قبل لوم الأطراف العربية أو الإقليمية، التي وان أنكرت تدخلها، تريد أن تفصل الدولة العراقية على مقاس مصالحها. ويرعبها جميعا عراق ديمقراطي فيدرالي موحد كامل السيادة. وليس من التسرع الحكم بان سكوت دول الجوار على هذه الجرائم المروعة، هو موقف الشامت بالشعب العراقي إذا لم يكن مؤيدا لهذه المآسي المهولة. وإذ تتربص دول الجوار بالتداعيات المنتظرة من سقوط التجربة السياسية الحالية، فان جميع الأطراف الحاكمة شيعية كانت أم سنية أم كردية التي انغمرت منذ الآن في الصراع على نيل مقاعد مجلس النواب، وتركت المواطن نهش العصابات الإرهابية، ستغرق في اقتتال طائفي قومي عبثي يكون مآله عودة حكم ديكتاتوري شمولي. فهل هناك من عظة؟

وبينما يجري البحث عن الأدلة، والاتهام، والاتهام المضاد، وبقدر من عدم التواضع في توصيف الحكومة لقدرات أجهزتها الأمنية، والغرور الذي أصاب هذه الأجهزة وتراخيها، ستظل الدماء العراقية مسفوحة، وأجسام العراقيين مشاريع أشلاء، وهما الدليل الأوثق على وضاعة و دناءة أساليب الصراع على سلطة القرار والمال العراقي أية كانت الأيادي الضالعة عراقية أم عربية أم أجنبية.