الرئيسية » مقالات » أوهام… ما وراء فصل الدين عن الدولة ـ حلقة ثانية

أوهام… ما وراء فصل الدين عن الدولة ـ حلقة ثانية

من خلال استشهادنا بالفقرات التالية نحن نهدف إلى فهم طبيعة النقد الذي وجهه المسيري للعلمانية و عبر ذلك نستطيع نقد مكامن الخلل في نظرته ذات الأحكام المسبقة تجاه العلمانية، يقول الدكتور المسيري:

بالإضافة إلى هذا الخلل الأساسي في المصطلح و تحركه بين الدائرتين الجزئية و الشاملة، نجد أنه قد تقلص نطاقه، نظرا لأن بعضهم يظن أن العلمانية ليست ظاهرة تاريخية شاملة كاسحة، و إنما هي مجموعة أفكار يتم إشاعتها و التبشير بها (مثل الهجوم على الكتب المقدسة، أو المطالبة بالحرية المطلقة)، أو عدد من الممارسات و المخططات الواضحة المحددة يتم تطبيقها من خلال آليات محددة (مثل إشاعة الإباحية، و مصادرة أموال الكنيسة أو الأوقاف، و إصدار تشريعات سياسية معينة)، و يظن هؤلاء أن هذه الأفكار و الممارسات (العلمانية) يمكن التصدي لها (و استئصال شأفتها) من خلال ممارسات و مخططات مضادة، محددة واضحة!” ـ المصدر ص 18

إن المصطلح “علمانية” لا علاقة له بالدوائر الوهمية التي صنعها المسيري من بنات خياله الذي يحكم مسبقا على كل منتج غربي بالسلبية و العبثية و الشر، فما سماه المسيري بالإباحية تراه أديان أخرى من ضمن المباحات، و ما قد يراه مذهب معين حلالا قد يراه مذهب آخر “زنا” يستحق مرتكبه الرجم، هذا إذا لم يُقتل!!. من خلال هذه الضبابية التي يضيفها الإنسان إلى الدين نجد أن العلمانية تصبح ضرورة اجتماعية و سياسية للفك بين حاجة المجتمع للحلول و الأجوبة المتناقضة التي تطرحها “تطبيقات” الدين، و الحقيقة أن امتزاج و تشابه الحلال و الحرام هو أحد أكبر كوارث الدولة الدينية أولا و كوارث الحلول الوسطى المسيرية ـ نسبة إلى المسيري ـ و ما يصفه المسيري بأن العلمانية ظاهرة تاريخية شاملة كاسحة، فلا بأس باكتساح أي فكرة للساحة الاجتماعية إذا أثبتت الفكرة عمليتها و نجاحها عبر تكرر التجربة التي يمكنها إيقاف التبرير الذي يوقف التقدم.

و إذا كان المسيري نفسه يشكك في أن الغرب انطلق نحو العلمانية بسبب الطبيعة العلمانية للمسيحية بعكس الإسلام، و موقفه في هذه النقطة غير واضح حيث أنه يورد مسألة تبعية العلمانية للغرب بصيغة التشكيك لكنه لاحقا يكرر هذا الرأي، بل إن كتابه “العلمانية الشاملة و العلمانية الجزئية” كله تكرار ممل لهذا الرأي، و لكننا نورد هنا كلماته لإخضاعها لمزيد من النقاش المفيد، إذ يقول:

فالتصور السائد بين بعض مؤرخي العلمانية أن الأفكار العلمانية ظهرت في أوروبا المسيحية بسبب طبيعة المسيحية باعتبارها عقيدة تفصل الدين عن الدولة (أدوا إذا ما لقيصر لقيصر، و ما لله لله) [21 ـ 22] متي، و بسبب فساد الكنيسة و سطوتها، فالعلمانية ظاهرة مسيحية و حسب، مرتبطة ارتباطا كاملا بالغرب الذي لا زال بعضهم يصفه بأنه “مسيحي”، لا علاقة للإسلام و المسلمين بها، و أن ما حدث هو أن بعض المفكرين العرب (و خصوصا مسيحيي الشام) قام “بنقل” الأفكار العلمانية الغربية و أنهم “تسببوا” بذلك في نشر العلمانية في بلادنا، بل يذهب بعضهم إلى أن عملية نقل و تطبيق الأفكار العلمانية تتم من خلال مخطط محكم (أو ربما مؤامرة عالمية يقال لها أحيانا “صليبية” أو يهودية” أو “غربية”)..” العلمانية تحت المجهر ص 19

يبدو لي أن هناك تغيرا طرأ على تفكير المسيري من تأليفه هذا الكتاب “العلمانية تحت المجهر” مناصفة مع الدكتور عزيز العظمة إلى تأليفه كتابه “العلمانية الشاملة”، فهذه الصيغة على الأقل (تشكك) بصحة كون العلمانية شأنا غربيا، لكنه في “العلمانية الشاملة” ينسب العلمانية إلى الغرب بشقيه التراثي (اليهودي + المسيحي) و يظهر حجم “مؤامرة” ضخمة ضد العالم العربي و الإسلامي. فلا بأس إن كانت العلمانية وجدت بيئة مناسبة في البيئة اليهودية المسيحية فإن ذلك لا يعني عدم صلاحية العلمانية أو كونها كائنا طارئا على المشرق الإسلامي، فالمشتركات بين الأديان الثلاثة كبيرة إلى حد أنها تبدو كمذاهب في دين واحد يجمعها إبراهيم أبو الأنبياء، بالتالي فإن العلمانية موجودة ضمن القرآن كروح فلسفية مقياسها الاستفادة و المنفعة و سعادة الإنسان و كونه هدف الوجود.

و إذا كنا سنمضي وراء المصطلح الشمولي الذي أطلقه الدكتور المسيري فإن الضروري لنا أن نفهم أن الشمولية المزعومة ليست جزءا من مفهوم العلمانية المعتدلة، قد يبدو الإلحاد علمانية مفرطة ـ كالشيوعية مثلا ـ إلا أنها ليست علمانية حقيقية، فالإلحاد هو دين مقنع يستبعد الإله عن المعادلات و يبقي على الإجراء التعسفي الذي لا يختلف عن إجراءات الكنيسة ضد التنويريين الذين كان مصير كثير منهم الحرق و التعذيب و الموت، إذا فنسبة الإلحاد و الإلحادية Atheism إلى العلمانية نسبة ظالمة، و لنضرب على ذلك مثالا، في القرون الوسطى و حينما كانت الكنيسة تضطهد حتى المؤمنين بالمسيحية باسم “الحفاظ على الدين القويم” كان الملحدون يقفون جنبا إلى جنب مع هؤلاء المضطهدين ليحظوا بحرية التعبير و التفكير، من غير أن يعني ذلك بالتأكيد أن العلمانية إلحادية، و مرة أخرى حينما قامت أول إمبراطورية فلسفية في التاريخ ـ الاتحاد السوفيتي ـ كان هناك اضطهاد حتى للشيوعيين الذين آمنوا بإعطاء حرية التفكير للملحدين و المتدينين على حد سواء، و في هذه المرة وقف المتدينون مع الملحدين من غير أن يعني ذلك أن العلمانية شأن إيماني ديني، ببساطة إنها مرادفة للتسامح و حرية البحث و التفكير، و كل فكرة جديدة غالبا ما يتعصب لها أنصارها إلى حد أنهم يضطهدون أعدائها بنفس الطريقة التي كانوا يعانون فيها قبل أن تهيمن الفكرة الجديدة، و الشيوعية أرادت أن تكون مسيرية بمعنى أن تعطي نموذجا مثاليا Idealism لا نقص فيه و لا أسئلة بدون أجوبة، و هذا مستحيل كون الإنسان سيبقى نسبي المعرفة طالما هو إنسان.

إن العلمانية لا شأن لها بما يتعلق ببحث الإنسان عن المطلق و المثالية، لأن وظيفتها ببساطة هي إيجاد حيز الحرية المطلوب للعقل في التكيف مع المستجد من الأشياء و الظروف المحيطة بالإنسان، فالعلمانية جاءت كارتقاء طبيعي و كأحد خيارين لا ثالث لهما، فإما البقاء في إطار المجتمعات المغلقة و التقليدية أو التقدم باتجاه التطور و العقلانية و منظومة الحقوق الفردية، بالتالي لا طريق ثالث هنا، و نحن نجد أن المرحوم الدكتور علي الوردي هو أفضل من تفهم في أبحاثه التاريخية الاجتماعية هذه المعادلة حيث اختبر بنفسه مسألة انتقال المجتمع من الطور القبلي المنغلق إلى عصر المستحدثات و المخترعات و بالتالي تعيش القيم القديمة في أزمة أو لا تصلح كقيم للتطبيق، يقول الدكتور علي الوردي:

هناك خطأ شائع لا يزال بعض مفكرينا يؤمنون بصحته هو أننا نستطيع أن نجمع في أنفسنا محاسن الحضارة الحديثة مع محاسن التراث الاجتماعي الذي نشأنا عليه، أي أننا نستطيع أن نكون من أرقى الأمم في العلم و الصناعة و الجهاز الحكومي مع المحافظة على روابط القرابة و الجيرة و النخوة و المروءة و الزاد و الملح و غيرها من القيم المحلية التي ورثناها عن الآباء. منشأ الخطأ لدى هؤلاء أنهم لا يدركون طبيعة التناقض بين الحضارة الحديثة و قيمنا المحلية القديمة، فلقد نشأت تلك القيم في مجتمع بدوي و هي ملائمة له كل الملائمة، إنما هي إذا سيطرت في مجتمع حديث أدت إلى انحطاطه و هدمه. يمكن تشبيه الحضارة الحديثة بالماكنة المعقدة ذات الأجزاء الدقيقة، فكل جزء منها يجب أن يكون في مكانه المناسب له، و هي تتوقف عن العمل عند طروء أي خلل في أي جزء منها مهما كان صغيرا. إن الحضارة بعباررة أخرى تقوم على أساس الاختصاص و تقسيم العمل و على أساس وضع الشخص المناسب في المكان المناسب. إن قيمنا المحلية القديمة تفرض على كل رجل من ذوي النفوذ أن يهب لنجدة من يأتيه راجيا إياه في حاجة، و المتوقع منه أن يتوسط له في دوائر الحكومة و المؤسسات العامة و الخاصة، فإذا نجح في ذلك مدحه الناس، أو افتخر هو به أمام الناس، و لكنه لا يدري أنه بعمله هذا كان كمن يضع أجزاء “الماكنة” في غير أماكنها المناسبة، أو كمن يضع جزءا مكان جزء فيها. فهو يعطل “ماكنة” الحضارة في بلاده و يحسب أنه فعل خيرا.” ـ لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث ـ ج 1 ص 304 ـ 305

إن قيم التدين المعمول بها في عالمنا الإسلامي لم تعد مفيدة أو لنقل أن تكوين بنية الدولة الحديثة لا تستوعب هذه القيم التي تهمل الفرد و كان موقف المسيري هنا في نفده للعلمنة و إظهاره لسلبياتها كان كمن يشرح مضار التخمة و الأكل الكثير لشخص يتضور جوعا وسط مجاعة، فمجتمعاتنا الشرقية الإسلامية لا تعرف و لم تذق طعم الحرية حتى نصف لها “سلبيات الحرية”!! و هي مجتمعات لا تعرف معنى “المساواة أمام القانون” لنحدثها عن “القانون الجامد المادي في الغرب”!! و غيرها من التصنيفات المسيرية، و هو يشبه مرة أخرى قيام فيلسوف من فلاسفتنا بالذهاب إلى سوق الخضار أو أحد المقاهي ليشرح للبقال و الحمال “نسبية أينشتاين” و أضرارها الفلسفية على مستقبل البشرية، و أظن أن هذا الأمر مرده إلى أن ما يسمى بـ”النخبة المثقفة” في دول العالم الإسلامي تعيش بمعزل عن معاناة المجتمع و مشاكله اليومية، فالمسيري و غيره يحلو لهم التنظير “فلسفيا” للنظريات و الوقائع السياسية بعيدا عن الواقع، حاله حال أرسطو الذي كان يعيش في كنف الإسكندر المقدوني فكان يحسب أن قوانين الطبيعة و المجتمع تأتي ببساطة و سهولة طلبه الماء أو الطعام.

يقول المسيري:

و لتوضيح فكرتنا، قد يكون من المفيد أن نذكر أنفسنا بحقيقة بديهية، و هي أن كل الأشياء و الظواهر و الأفكار المحيطة بنا، المهم منها و التافه، تجسد نموذجا حضاريا متكاملا، و تستند إلى رؤية شاملة تحوي داخلها إجابة عن الأسئلة الكلية النهائية التي تواجه الإنسان، فإن كانت هذه الأشياء (مثل الهامبورجر و التي شيرت) و الظواهر (مثل الانتقال من القرية إلى المدينة) و الأفكار التي قد تبدو بريئة (مثل الدعوة إلى اقتصاديات السوق) تجسد رؤية علمانية أو حتى تخلق تربة خصبة لنمو موقف علماني من الحياة، فإنها ستقوم بإعادة صياغة وجدان و أحلام و رغبات الناس (حياتهم الخاصة) و تعلمنهم بشكل شامل كامل، دون أن يشعروا بذلك، من خلال عمليات غاية في التركيب و الكمون.” ـ العلمانية تحت المجهر ـ ص 20

إن ما نراه أو نحسبه جوابا عن أسئلة كلية نهائية هي في حقيقتها ليست كذلك، و حتى الأديان بكل ما فيها من تراث مقدس و غير مقدس لا تقدم إلا نقاطا أو تعميمات لا ينبغي تجاوزها، فعندما يخبرنا النبي أن نفكر في خلق الله لا في ذات الله لكي لا نهلك فهو يعلن لنا موقفا علمانيا و إن تجسد في نصٍّ مقدس، بمعنى أن الوصول إلى الله و المطلق يختلف عن وصولنا إلى حل لأزمة نقدية ـ مثلا ـ فالدين هنا يفصل قطعا بين العالم المحدود النسبي الذي يمكننا التوصل إليه عبر البحث و الجهد و بين المطلق الكامل الذي لا يمكن له أن يكون له أي نموذج مادي مماثل {{ليس كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}} الشورى 11 ـ فالتشبيه الممنوع هنا مع الله هو هذا العالم المادي الذي يمتلك قابلية أن يُعرف من قبل الإنسان لأن الإنسان هو من صنف هذا العالم المادي المحدود، كما أن تطور نظر الإنسان نحو “إجابات الدين” على الأسئلة الكبرى للإنسان إنما يرجع مرده إلى أن نظرة الإنسان إلى العالم أصبحت أكثر انطباقا مع الواقع و بالتالي كلما ازداد اطلاع الإنسان على نسبية هذا العالم كلما ازداد احترامه للمطلق الكامل الذي هو نقيض هذا العالم الناقص البائس، من هنا يمتلك الإنسان الحق كل الحق في أن يضع كل الأجوبة على كل الأسئلة ـ بما فيها الدّيني ـ في مستوى واحد من قابلية التصديق و التكذيب لكي يستمر الإنسان في تطوير وعيه بالحقيقة، و البحث هنا الله المطلق لا تتم عبر البحث عن التفكير في ذات الله المطلقة و لكن بالبحث عن العالم النسبي الناقص الذي عبره يمكن للعالم العلماني و الفقيه و الملحد أن يُدركوا عظمة المطلق عبر اطلاعهم على هذا النسبي الناقص.

مشكلة المسيري مرة أخرى أنه يضع الحضارات في تصنيفات الاختلاف و التمايز و الـ”نحن” و الـ”هم” و الخصوصيات و الهويات و كان هناك أنواع متعددة من البشر و هي التهمة التي يلصفها على الدوام بالغربيين و اليهود على وجه الخصوص، من هنا أصبح من الضروري أن نكره “الهامبورجر أو الهامبورغر كما أفضل أن أسميه” و أن نتجنب لبس البدلة و التي شيرت و لا نركب السيارة و لا نشرب البيبسي أو الكولا و لا نشاهد التلفاز أو نستخدم الإنترنت، فلماذا اقتصر المسيري على الدوام في ذكر منتجات بسيطة من منتجات الغرب التي لم يعد من الممكن إحصائها و لماذا اقتصر على ذكر الهامبورغر أو التي شيرت؟ المسيري نفسه يدرك أن الحضارة كمفهوم تجاوزت الشرق و الغرب كشيئين متمايزين، فقد انضمت آسيا و عن قريب أفريقيا و الشرق الأوسط إلى مفهوم الحضارة “العلمانية” عبر تحول العالم إلى قرية صغيرة بعد ثورة الاتصالات التي أعقبت سقوط الاتحاد السوفيتي و أحداث 11 سبتمبر التي أتاحت للولايات المتحدة و العالم الحر أن تصنف العالم إلى معتدلين و متطرفين، و لكن المتمظهرين بالاعتدال كالمسيري و جلال أمين و فهمي هويدي يمثلون خطرا أكبر على تقدم الفكر من المتطرفين من طراز بن لادن و أبو الأعلى المودودي و سيد قطب و السيد الخميني.

Web: www.sohel-writer.i8.com