الرئيسية » شؤون كوردستانية » مهاجرون يبحثون عن الذهبية (شنغن)

مهاجرون يبحثون عن الذهبية (شنغن)

(حزني) الشاب ذو العشرين عاما, يعود من دمشق إلى قريته القابعة في إحدى الزوايا القريبة من القامشلي, وليس في نيته البقاء لفترة وجيزة ثم الذهاب للعمل مرة أخرى, بل إنها زيارة الوداع الأخيرة, يقول حزني لشوكوماكو:” لقد قدمت لأودع أهلي, فسأسافر بعد عدة أيام لأن أوراقي كلها جاهزة” نعم إنها لحظة الوداع الأخيرة التي اعتاد عليها سكان محافظة الحسكة التي تأتي في المرتبة الأولى في عدد المهاجرين منها إلى الدول الأوربية فليس من عائلة إلا ولديها بعض الشباب في أوربا.

يقول رضوان الأخ الشقيق لحزني:”لقد حاولت كثيرا مع أخي لمنعه من السفر ولكن دون فائدة, ومع أننا ثلاث أخوة فقط فوالديّ الاثنان متوفيان, ووضعنا المادي جيد والحمد لله ولذلك حاولت أن أدبر له فيزة شنغن ولقد حصلت عليها وإن شاء الله يصل بالسلامة”.

لما… ومن هم ألئك (الفارون)؟

شباب في مقتبل العمر, كفاءات وطاقات فتية, ولكنها طامحة إلى أمور أخرى, طموح نحو الغنى,إلى الحرية في مختلف المجالات, إلى البحث عن التميز والرغبة في البحث عن الذات الضائعة في مكان آخر, يقول (مزكين) لشوكوماكو، وهو شاب يقطن في السويد وقد هاجر منذ تسع سنوات:”لقد أردت أن أحسن من وضع عائلتي المادي, وخاصة أننا اثنا عشر ولد لعائلة واحدة, ولكنني ومنذ تسع سنوات وأنا أعمل سرا ولم أستطع الحصول على الإقامة إلى الآن”,أما (خالد) وهو شاب حصل على الإجازة في الجغرافية من جامعة دمشق فيقول لشوكوماكو:” لقد كان راتبي وراتب زوجتي حينما هاجرنا من سوريا قليلا جدا, ولذلك طلبنا السفر لتحسين وضعنا المادي, والآن أشتاق كثيرا لأصدقائي وأهلي “.

ولم يقتصر الأمر على المهاجرين من الفقراء والراغبين في تحسين أوضاعهم المادية, فهناك العشرات بل المئات ممن صرفوا الملايين لأجل الهجرة إلى أوربا, منهم (داين) وهو من عائلة ميسورة الحال وتملك سيارات وأراضي كثيرة، يقول:” لم أعد أحتمل العيش هنا فكل شيء أصبح غريبا عني, فلم يبق من أصدقاء لي هنا ولذلك سأسافر فالعيش هناك أفضل وأكثر تميزا وشاعرية”.

ويبين الشاب (أنس مادو) أيضا سبب سفره قائلا:”لقد كنت عاطلا عن العمل في سوريا, حيث كنت دائم السفر إلى دمشق للعمل فمنطقتنا ليس فيها أية فرصة للعمل, وحينها أدركنا بأن وجودنا في دمشق أو الخارج هو نفسه من حيث البعد عن الأهل فلماذا لا يكون البعد مفيدا ومدراً للمال أكثر, ولذلك قررت الهجرة”.

طرقات لا يؤمن لها من جانب

وتختلف الوسائل والطرق التي يسافر عبرها هؤلاء الشباب, فمن طرق برية إلى بحرية إلى السفر بالطائرة, وكل هذه الطرق مليئة بالمخاطر التي تصل إلى حدود الموت لأن كل شيء يتم في الظلام وسرا وتزويرا, يقول شيار محمود:” لقد سافرت إلى تركيا للسفر من هناك وعبر البحر إلى اليونان ومن ثم إلى أوربا, ولقد بقيت لمدة أربع سنوات في تركيا عند أقربائي دون أن أستطيع السفر لأنني سمعت الكثير عن غدر البحر فالسماسرة يضعون عشرات الأشخاص في قوارب لا تحتمل سوى عدد قليل من الأشخاص ويرمونهم في عرض البحر ويموت منهم ما يزيد عن الثلاثة أرباع ويعود الباقي حين تقوم الشرطة اليونانية بإطلاق النار عليهم من بعيد”, ويضيف:” لقد التقيت هناك بشاب من القامشلي, وكان غنيا جدا, وطلب مني أن أدبر له طريقا مؤمنة وسريعة إلى أوربا وقال لي لقد عبرت إلى اليونان سبع مرات وأعادوني وفي المرة الأخيرة أنا من طلبت منهم إعادتي وخاصة بعد أن ضعت وتعذبت في تلك الغابات المجاورة لنهر بين تركيا واليونان فكنت ومن معي نبحث عن شرطي يوناني ينقذنا ولو كان الإنقاذ بإعادتنا إلى تركيا” ويسترسل شيار قائلا:” ولقد مر هذا الشاب للمرة الثامنة إلى اليونان ولكنه لم يعد هذه المرة, ولم أعد أسمع أخباره ولم أعرف هل مات, أم وصل إلى غايته, أم سجن في مكان ما”.

وتقول السيدة بريشان قاسم :”لقد أرسلنا السمسار عبر مصر وبقينا هناك فترة طويلة جدا, وهناك فقدت ولدي في حادث سيارة, وحينها كرهت العالم بأسره, وخاصة أنني بقيت وحيدة مع مجموعة من الغرباء الذين يبحث كل واحد منهم عن خلاصه الشخصي, أما زوجي فلقد كان في ألمانيا ينتظرني وحين وصلت إلى هنا تخليت عن زوجي لأنني اعتبرته السبب في تشردنا وفقدان ولدي”.

وسماسرة همهم المال

ولا تنتهي مآسي هؤلاء عند هذه الحدود, فيقول بيشنك علي:” لقد عبرت إلى تركيا عبر الجبال الفاصلة بين الأراضي السورية وأنطاكيا على الجانب التركي, ولقد كان اتفاقي مع السمسار على إعطائه المبلغ المطلوب بعد الوصول إلى اسطنبول, ولكنهم احتجزوني ما أن وصلت إلى أنطاكيا في إحدى الشقق البعيدة عن المدينة وطلبوا مني دفع المبلغ أو أنهم سيبقونني في الشقة التي وجدت فيها ستة من الأفارقة المحتجزين لذات السبب, ولقد قال لي أحدهم إن هؤلاء السماسرة يأخذون من كل واحد منا يوميا مائة دولار لقاء علبة بسكوت وقنينة كولا, ولقد تم إطلاقي بعد أن تكفل أحد الأقرباء في اسطنبول بدفع المبلغ بعد وصولي إلى هناك”.

ويقوم الكثير من السماسرة بما يخالف الاتفاق, فيقوم الكثيرون منهم بأخذ المال الممنوح لهم والهرب بعد ذلك, حتى أنه حدثت مشاكل لا حصر لها من جراء هذا الأمر, وتم تهديد البعض وهرب البعض وتشردوا نتيجة أعمالهم, حتى أصبح هذا الأمر عمل من لا عمل له وعمل كل مخادع محتال, يقول سيامند:” لقد انطلقت من سوريا وقد قال لي السمسار بأنه سيسفرني بأكثر الطرق أمانا, وحين سلمته المال وغادرت إلى بيروت تهرب من أمور كثيرة وبدأ يطلب أموالا لقاء هذا الأمر وذاك حتى قدمت له ما يساوي نفس المبلغ الممنوح له في البداية, وطال بقائي هناك وحينها طلبت منه العودة إلى سوريا وأن يعيد لي أموالي ولكنه رفض قائلا بأنه خسر كثيرا لقاء ما قام به من تجهيزات وتحضيرات للتمهيد لتسفيري, وحينها حدث النزاع الذي انتهى بتنازلنا عن مبلغ كبير من أصل ما قدمناه له خوفا من الشكوى وغيرها من الأمور التي يمكن أن يقوم بها ضعاف النفوس هؤلاء”.

بلاد لا ناقة لنا فيها ولا جمل

هي بلاد ليس فيها للمهاجر إليها سوى الحنين إلى الشرق بكل عاداته التي ربما يفر البعض منها ولكن يبقى سحر الصداقة وسحر القرابة والمعرفة هو الذي يشتاق ويحن له أولئك, يقول سليمان عزيز:” لي صديق في أوربا كنا نحب بعضنا كثيرا, ولا زلنا وما أن نتحدث هاتفيا حتى نغرق في ذكريات الماضي, فما من لقاء إلا وينتهي ببكائنا وتحسرنا على تلك الأيام”أما جلال وهو شاب في ألمانيا فيقول:”إن أوضاعنا هنا جيدة جدا من جهة أن كل شيء مؤمن لنا, ولكننا دائما نفتقد إلى الحالة الاجتماعية التي كنا نتمتع بها في سوريا ونحس هنا بالكثير من الضياع, فنحن لا نعرف أحدا وكل أهل سوريا بعيدون عنا والتواصل صعب جدا في مثل ظروف هذه البلاد التي تحيلنا إلى آلات نعمل ليل نهار لكسب المال, أما إنسانيتنا فنضعها على الرف إلى أجل غير مسمى, وقد يكون هذا الأجل يوم الممات”.

وتقول (كافية) وهي فتاة مهاجرة مع أهلها إلى فرنسا:”لقد بدأت من الصفر هنا فأن تكّون شخصية جديدة حسب متطلبات ورغبات الآخرين فهذا أصعب ما يمكن تصوره, وأن تضيع شخصيتك القديمة بكل ذكرياتها فهذا أصعب”.

الحسكة 20/8/09 شوكوماكو