الرئيسية » مقالات » العشائرية ودولة القانون في العراق

العشائرية ودولة القانون في العراق

وبين الحروب الكثار
ظل الصغير/الكبير
يضيع رويدا
رويدا
وهو يعد الفروق بين قبل
وبعد

يا شعب كن يقظا فرب غفلة
تأتي عليك،وتستباح،وتهدر
يا شعب،لا عصبية تجدي،ولا
قبلية فهما الوباء الاكبر
يا شعب شمر للكفاح مثابرا
فالزرع دون عناية لا يثمر

تنتعش قيم ما قبل المجتمع المدني ومنها العشائرية والطائفية والجهوية والمحسوبية والمنسوبية في الفترات السياسية الانتقالية والتوتر وعدم الاستقرار السياسيين وضمور واضمحلال دور الدولة كناظم ديمقراطي!وفي هذه المراحل يلعب الاغوات والشيوخ ورجال الدين والارستقراطية دور الوسيط بين السلطات المركزية والمجتمع،لكنهم يفقدون وظائفهم الاجتماعية مع انتقال الدولة الى النمط الريعي وحصول الهجرات الواسعة والانتفاضات المدينية.وتولد الدولة الريعية الحكم اللادستوري،اي الذي يستغني عن العلاقة الالزامية بين الحاكم والمحكوم،كما تحتل الضرائب حصة الاسد في الموارد الاساسية للدولة في المرحلة ما قبل الريعية،وفيها تكتسب العشائرية الانتعاش السياسي- الاجتماعي المطلوب.
لم يطلع ابناء الشعب على مفاهيم اجتماعية من قبيل المجتمع المدني والمجتمع الأهلي والمنظمات الأهلية والمنظمات غير الحكومية والجمعيات والنوادي الاجتماعية بسبب سيادة المفاهيم الشمولية المنسجمة مع عقلية الوصاية والقطيع والمجتمعات الرعوية(من الرعية)ووالمركزية الخانقة والحزب الواحد والمؤسسات السائرة في ركاب السلطات الحاكمة!وضرب الوعي الديمقراطي الناهض دوما بحجج رجعية.
ظهر مفهوم المجتمع المدني مع التحول من دولة الحق الالهي الى دولة التعاقد الاختياري لابراز التحول من الاستبداد الى الديمقراطية،وترسخ المفهوم مع محاولة الانظمة الشمولية القضاء على كل ما ليس تحت سيطرتها من دوائر مرشحة للعمل الاجتماعي والسياسي فيها.ويرتبط مفهوم المجتمع المدني بمفهوم الدولة الديمقراطية والدولة المدنية،وهو فكرا وثقافة وتاريخا ومؤسسات رديف لموضوعة الديمقراطية وممارساتها.وما يوازي المجتمع المدني الحديث من حيث دلالة استقلالية المجتمع عن الدولة عبر مؤسسات شبه مستقلة او وسيطة هو ما يمكن ان نسميه اصطلاحا”المجتمع الأهلي”في التاريخ السياسي والاجتماعي العراقي،اي مجتمع الولاءات القديمة دون الوطنية وريثة العلاقات ما قبل الرأسمالية،الذي يبقى محافظا على كيانه ومقومات وجوده،الا ان المجتمع المدني يعني مجموعة التنظيمات المجتمعية التي لها مصلحة فعلية في التحول الديمقراطي للمجتمع ويضمن الحد من السلطة القسرية للدولة!ويساهم المجتمع المدني في توفير قنوات المشاركة الاجتماعية وضبط السلطات الحكومية وتطوير القدرات المعيشية ومراقبة البنى التحتانية والخدمات الحكومية وخدمات القطاعين الخاص والمختلط !
في العراق كانت ريعية الدولة نتاج مباشر لنظام المحاصصة الذي همش غالبية ابناء شعبنا وذرر المجتمع وخلق العراقي المذرر المرتبط بالولاءات من دون قسر اجتماعي او قانوني.وانفتحت الابواب مشرعة للافراد المذررين للانضمام الى الجماعات الحديثة،وللديناميكية الاجتماعية الانطلاق الى الامام،كما ولد الاطارات المجتمعية الجديدة وما يرافقها من صراعات وضغوط على السلطات.كان نظام المحاصصة(Rent in Kind)مرحلة وسطى بين الاجارة الكدية(Rent in Labour)والاجارة النقدية(Rent in Money)،وكان الوسيلة الاقتصادية لاستغلال الفلاح الذي يكره مجبرا على تنفيذ اوامر السركال كالسيطرة على الري وحفر القنوات،وباتت الوظائف السياسية بالنظام العشائري في متناول الدولة الريعية،وغاب المجتمع المدني لأن الفجوة بين التذريير وقيام هذا المجتمع كانت كبيرة.
للعشيرة وظيفة سياسية واجتماعية واقتصادية مهمة هي حماية امن وسلامة ابنائها ومصالحهم المادية من العدوان الخارجي،والعلاقة بين الفرد والعشيرة تقوى وتضعف حسب قوة الدولة ودورها في ضمان امن ومعيشة ابناء الشعب،وهناك علاقة عكسية بين الدولة والعشيرة،اي كلما ضعفت الدولة استقوت العشيرة،والعكس بالعكس.وقد سنت الحكومة العراقية منذ تأسيس الدولة الحديثة،تشريعات متلاحقة بهدف تعزيز مركز الشيوخ والاغوات ومنحتهم الملكية القانونية على اراضي عشائرهم وجعلت البرلمان ندوة لممثليهم،ومن هذه القوانين:نظام دعاوي العشائر سنة 1916،قانون تسوية الاراضي رقم 50 لسنة 1932،قانون حقوق وواجبات الزراع رقم 38 لسنة 1933،وفي اجواء خانقة سادتها القيم العشائرية البالية.فقد اجاز نظام دعاوي العشائر تشكيل المجالس(المحاكم العشائرية)واحالة المتخاصمين من ابناء العشائر بأمر الحاكم السياسي اليها،والعرف العشائري قواعد تبنى عليها الأحكام وتسمى(سواني)،والمتخصص بعادات العشيرة يدعى العارفة،وكان هذا القانون خطر على وحدة المجتمع لأنه يقسمه الى قسمين يخضع كل منهما لأحكام قانون خاص يختلف عن الآخر.وقد تميز بناء الدولة العراقية في المرحلة الملكية بقصر عمر الوزارات وتناوب النخبة الارستقراطية على اشغالها،والاكثار من حل المجالس النيابية،والخضوع للاحكام العرفية فترة بلغت 73,5% من فترة العهد الملكي،جمع السلطات بيد الملك والانحرافات الدستورية بما فيها الانتخابات،استخدام العشائر لممارسة العنف ومن ثم المؤسسة العسكرية،الاستقطاب السياسي والاقتصادي لصالح الأقلية من نخبة البلاط،واخيرا الانحياز للغرب في السياسة الخارجية.

• العشائرية وثورة 14 تموز

التحول من العشائرية الى المجتمع المدني عملية تاريخية بطيئة،بسبب بطء التحول من العلاقات الانتاجية شبه الاقطاعية الى العلاقات الانتاجية الرأسمالية،والمؤسساتية المدنية والحياة الديمقراطية هي الوليد الشرعي لتطور العلاقات الانتاجية الرأسمالية اصلا.ويفقد النظام العشائري وظائفه في المناطق الاروائية والسيحية قبل الديمية،بالنقد والتقنية الزراعية والاتصال السريع مع المدن.لقد فقدت المؤسسة العشائرية مشروعيتها الآيديولوجية عشية ثورة 14 تموز 1958 المجيدة،وانتشرت مظاهر التمرد ضد الاغوات والشيوخ عبر الهجرة من الريف الى المدينة،وكان صدور قانون الاصلاح الزراعي رقم 30 لسنة 1958،والبدء بتوزيع الأراضي على فقراء وصغار الفلاحين،وتسلم السلطة من قوى وقفت من حيث المبدأ ضد الاقطاعيين وهيمنة المشايخ على الفلاحين!اول ضربة جذرية تتلقاها العلاقات الانتاجية المتخلفة شبه الاقطاعية في بلادنا!
واستمر تقلص نفوذ الاقطاع وكبار ملاك الأراضي الزراعية وشيوخ العشائر في الفترة الاولى من حكم البعث،وتشريع قانوني الاصلاح الزراعي رقم 117 لسنة 1970 ورقم 90 لسنة 1975 الخاص بتنظيم الملكية الزراعية في كردستان،وتنامي الموارد المالية للدولة!الا ان غياب الحراك السياسي الديمقراطي بسبب السياسة الصبيانية اليسارية الثوروية للبورجوازية الصغيرة والانصياع للموروثات القبلية مع الفورة النفطية اسس لارتداد قبلي عشائري طائفي في قاع المجتمع العراقي الامر الذي اعلن عن نفسه مع النهوض الشمولي المقترن بالاستبداد والعنف والتطرف،وافتعال الحروب مع ايران والكويت.
وتطور من بقايا القيم العشائرية داخل المدن نموذجان كبيران للعشائرية خلال حكم البعث،الاول”عشائرية دولة”لتعزيز مواقع النخبة الحاكمة وانهار مع انهيار الدولة العراقية ابان الاحتلال الثاني،والثاني”عشائرية اجتماعية عملت كامتداد للدولة”لاسناد وظائف مثل الصلاحيات القضائية وجمع الضرائب،وانطلق النموذج الثاني من عقاله بقوة بعد التاسع من نيسان 2003،لتنتعش العشائرية بسبب تراجع الامان الاقتصادي والاجتماعي وتدني الوعي الثقافي والمجتمعي والارهاب والفساد.والمشايخ الجدد في اكثر الاحيان هم اسطوات واصحاب مهن من الطبقة المتوسطة وموظفين،وعوضا عن المضيف العشائري يؤجر هؤلاء الشقق والمكاتب الحديثة باعتبارها مراكز استقطاب للحياة الاجتماعية العصرية،وتتولى العشائر الحديثة حفظ النظام والقانون وحل النزاعات العشائرية بين افرادها ومع افراد العشائر الاخرى،وتمتد الخلافات من المظالم التجارية حتى الجنائية،وتشمل دفع الديات عن القتلى،وتتحول العشائر الجديدة الى قاعدة للتمويل المستقل!
تشكل العشائر في المدن تراتبية جديدة تتغير فيها التحالفات باستمرار شبيهة بالتراتبية التقليدية للعشائر في الريف العراقي،والتوازن قلق ومؤقت وهش وضعيف لاعتى النزاعات،وحل النزاعات بين العشائر نفسها وباساليبها يكشف عن ضعف الدولة شئنا ام ابينا،وحدود الصلاحيات معدومة بين الدولة والمشايخ في مناطق نفوذ الاخيرة،وغالبا ما تجري ملاحقة ممثلي الحكومة من الزعامات العشائرية بسبب خرق هؤلاء العرف العشائري!وترفع العشائر القضايا ضد الدولة مطالبة بالتعويض العشائري والديات،وهي تهدد وتعربد باستخدام العنف حتى القتل المتعمد ضد المؤسسات العسكرية والامنية مطالبة بالثأر.ويصاحب النهوض الجديد للعشائر في المدن”Retribalization”نزاعات بين الدولة والعشائر،نزاعات بين العشائر وابناء الشعب،نزاعات بين العشائر نفسها،ونزاعات داخل الدولة العراقية بالطبع!.

• العشائر والارهاب

العلاقة بين الدولة والعشائر الجديدة حافلة بالتوتر،رغم سعي الاولى التحالف معها لاغراض امنية ونفعية محضة،ومع محاولات الارهاب فرض نماذج خاصة في ادارة المدن بما لا يتناسب مع التقاليد والعادات والاعراف السائدة على الاقل،هبت بعض العشائر بالوقوف ضد الارهابيين ومحاربتهم في اكثر من محافظة.الا ان ذلك لم يقض على الخشية من ان تستخدم الدولة العشائر حاجلة تسحق استياء ورفض عامة الشعب،والاخطار عن كل التحركات خارج الاطر السلطوية،ولتوسيع القواعد الاجتماعية للسلطات وضعضعة الحركة الديمقراطية ومؤسسات المجتمع المدني!.وتبقى الخشية من تحول هذه العشائر او قسم منها الى ميليشيات منظمة،خاصة بعد ان انتشر السلاح بين افرادها بكثافة،انها تشبه العصابات والمافيات على طريقة آل كابوني!الامر الذي يشكل تدخلا سافرا وتجاوزا صارخا على صلاحيات اية دولة تحترم نفسها كدولة قانون،ومايولده ذلك من اضعاف لها وتراجع لهيبتها!
كان انشاء الميليشيات الجديدة بالنوع وبالثوب الطائفي تحت مختلف التسميات كمجالس الصحوة مثلا،رغم علم الأمريكيين بنوع الاحتقان الحاصل في البلد،لا يتفق مع حديثهم عن دولة القانون وتثبيت القانون ونزع السلاح.فبرزت في مناطق عدة من البلاد ظاهرة تسليح العشائر ومجاميع الصحوة من اجل التصدي لتنظيم القاعدة ومن يسانده،واذ حققت هذه الظاهرة نجاحات ملموسة في مواجهة القاعدة واعادة الأمن في بعض المحافظات،الا ان تكريسها وتعميمها على مناطق اخرى انطوى على مخاطر تحولها الى ميليشيات واعادة تأجيج الاحتقانات الطائفية،ما لم يتم اخضاعها لضوابط محددة وان يتم تنظيمها وتسليحها بعلم الحكومة ومؤسساتها المعنية.استقطاب العشائر استراتيجية تلجأ اليها اليوم الاحزاب المتنافسة في الجنوب بعد تصاعد المطالب بتوسيع تجربة مجالس الصحوة التي شكلت في مدن غرب العراق وبغداد وتمكنت من تقويض سطوة تنظيم القاعدة،الى مدن الجنوب لمحاربة الميليشيات.وتأمل وزارة الداخلية ان يتم دمج مجالس الصحوة في الاجهزة الامنية بعد التأكد من ولائها!
ان من اشد المصائب التي تهدد الأمن الداخلي هي كثرة وانتشار السلاح بيد خارجة عن سلطة الدولة،فهل من المعقول زيادة تلك الرقعة وانشاء مشاكل جديدة للحكومة؟لدى العشائر في الوقت الحاضر من السلاح ما يكفي لتسليح عدة الوية من الجيش،والقضية برمتها تتحول الى قضية براغماتية وفائدة مادية بعيدا عن الهدف الوطني والأمني.هل سيعود السلاح الى مذاخره كاملا دون مشاكل؟الهدف هو انشاء ميليشيات تابعة كيفما اتفق،بينما واجهت العشائر المسلحة بعضها البعض في مواجهات دامية اكثر من مرة!وتسببت بسقوط الكثير من الضحايا!
وتزداد الخشية من المشايخ التي تفرض قوانينها العشائرية على ابناء المدن،ومن العصابات العشائرية التي امتهنت القرصنة والنهب والسلب والنصب والقتل وجمع المغانم وابتزاز المواطنين واشاعة الفساد وممارسة التهديد والوعيد والاغتيال والمطاردة والرقابة!تغير السجانون والسجن باق،وما زال السجناء يهربون!ما الفرق بان تقتلك الدكتاتورية ام يقتلك قاطع طريق او ميليشيا تعيش على غياب اي نظام،او تموت اعداما نهشا بالكلاب او تنهشك كلاب الشارع،وهل تكترث الشاة لشكل السكين اذا حضر الذبح؟!.
تحول العشائر الى ميليشيات مسلحة جديدة يؤدي الى مراكز قوى تعيق بناء العراق الديمقراطي الفيدرالي الموحد المزدهر،وتتسابق القوى السياسية لاستمالتها واستخدامها لاغراض ابتزازية ونفعية!خصوصا ان الطائفية السياسية في بلادنا تتبع السبل النفعية غير النزيهة لجمع الاتباع والدعاية للاعلام!ونهج فقدان بوصلة الوطن واقامة الولائم والمؤتمرات التحشيدية وهوسات النفاق،وتبادل المجاملات نهارا وحياكة الدسائس ليلا،وبيع الوهم للبسطاء مع الرز والبطانيات وبطائق دخول الجنة!ولا تمتلك احزاب الطائفية السياسية،لا تجربة ولا تراكم معرفي ولا اعتراف بالجدل والمعرفة العلمية،هي نفسها عشائر وطوائف اكثر منها احزابا،وهم مشايخ اكثر منهم سياسيين وقادة.
تجعل العشائرية من الصعب على العراقيين قبول سلطة مركزية لعشيرة واحدة على بقية العشائر،والشرائع العشائرية غير المكتوبة سارية المفعول في القرى والنواحي البعيدة،ويختلط فيها الكرم والخلق الشخصي والمساعدة المتبادلة والتقاليد البالية القاسية والعنيفة.فالاحترام والهيبة والخوف هي العناصر الغالبة على العلائق،وكل فرد في العشيرة يعرف مركزه ومتشبث بمبدأ الولاء المطلق!وتسيطر المشايخ على مخازن الذخيرة والأسلحة وبحوزتهم الأموال ويستحوذوا على المكانة التي تغدو بغمضة عين انقاض وركام في الاحتراب العشائري وبالقنابل الساقطة والتفجيرات الارهابية،ومارسوا عرضيا سلطات حق تقرير الحياة والموت بالنسبة للاتباع.
ولا تستمد سلطة الشيخ وجودها وقوتها من التقاليد العشائرية وحدها بل تستمدها مما يكون له من وضع اقتصادي يستطيع به الغلبة على منافسيه والسيطرة على الاتباع عبر تقديم المنافع المادية والخدمات المعيشية،وينهمك هؤلاء بتكديس الثروات وتنمية ملكياتهم الخاصة لوسائل الانتاج وتوسيع مبادلاتهم التجارية وجباية الضرائب.والمرأة في العشيرة تخضع لنظام الفصل العشائري(الكصة بكصة،زواج الهبة،زواج الوقف،التخلص من المرأة عن طريق الفصل)،بينما تنتج العشائرية كل عوامل عرقلة الدورة الاقتصادية السلمية رغم ادعاآتها التعاونية.

• العشائرية والحداثة

العشائرية مؤسسة ارتدادية رجعية مرادفة للجهل والامية والاقتتال الدائم،لانها لا تلتزم بالقانون والسلطات القضائية ودولة وادارات وسلطة القانون،ولا بمدرسة العدل وحقوق الانسان والوعي العقلاني العلمي القادر على مجابهة التحديات،وبالتالي لا تستطيع ابدا تقديم اي برامج سياسية وحضارية حديثة حالها حال الطائفية والولاءات الاخرى دون الوطنية،وهي تتناقض مع الدستور العراقي بل تنفيه.ومباركة الغرب لها هو فقط لاغراض تنفيسية نفعية محضة،وهو يعلم علم اليقين انها تستخدم الديمقراطية غطاء ولا تسمح حتى بالشراكة،بل وتحارب الاحزاب السياسية!وتستغل المؤسسة العشائرية الانتخابات وسيلة لكنها لا تؤمن بالحريات،وهي تتمتع بمنتجات العصر التكنولوجية لكنها لا تؤمن بالحداثة ولا الفكر المعاصر،وتشيع الشهوة الجامحة للاستهلاك والقيم والنزعات الفردية والأنانية والاهتمامات الضيقة والجري اللاهث وراء تحسين الدخل والأعمال الاقتصادية غير المشروعة وخصوصا التهريب وكل قيم وأخلاقيات المجتمع الاستهلاكي الطفيلي!وهي تشمئز من الفلسفات السياسية الحديثة،ولا ترى طريقها الى المستقبل الا من خلال الماضي،وتفاقم من تناقضاتها بانقساماتها الطائفية والمذهبية والسلفية والجماعاتية لكنها لا تؤمن حقيقة بالاوطان والمشروعات السياسية!ولا تستطيع العشائرية الغاء الفردانية والشخصنة والاحتكارية او اللجوء الى التخصصية والتنظيم والمسؤولية والتنافسية والايجابية والتكاملية،لان في ذلك هدم لاسسها وقاعدتها الاجتماعية.
العشائرية مؤسسة مضادة للحداثة والمجتمع المدني والدولة المعاصرة!وتلتقي وتتقاطع مع كل الولاءات دون الوطنية في اكثر من نقطة،وهي عائق في طريق التحرر الوطني والتنمية ومصدر للاضطراب السياسي المزمن واللااستقرارية.وتلعب العشائر دورا سلبيا على صعيد التنمية السياسية والادارية والحضارية وتشيع النظام الأبوي الذي يشدد على الطاعة والخنوع والاستسلام وتقبل الشيء دون نقاش.انها نظام اوامرياتي مركزي يجمع السلطات بيد شخص واحد هو شيخ العشيرة وبطانته،وهنا تصبح التنمية والاعمار ادارة عشائرقراطية وبدوقراطية او حكم العشائر،وتحل المعضلات القائمة من زوايا تقليدية وسلفية نفعية انتقائية توفيقية غير بعيدة عن الحكم الثيوقراطي،وتسود هنا المحسوبية والوساطة والرشوة والمزاجية والفساد.وتنتهز الانظمة الشمولية المبادئ النبيلة السامية للعشيرة مثل الشجاعة والاقدام والتكافل لاستنهاض همم المشيخات الأخرى وبرقعتها بلبوس حضاري عصبوي لتكون سندها وظهيرها في الريف والقصبات وحتى المدن.هنا تظهر العشائر عصابات حماية وانتقام ويقودها العرابون،على طريقة المافيا،ليتجسد الارهاب وتسود العقلية التآمرية الانتقامية بأسطع الصور.العشائر والتعويل عليها سيف يمتلك اكثر من حد محصلته الارهاب والرجعية!ويطغي الولاء العشائري في العقلية العشائرية على الولاء للأهداف الاستراتيجية للسلطات الوطنية،اما اصلاحية العشائرياتية او الدور الهامشي الاصلاحي لها،فيندرج فقط في اطار سيناريوهات التوقع والتحدي والتجربة!.ويسهم تمزق النسيج الاجتماعي العام في تحفيز العروق النافرة بالشحن والعصبية،وهي عصبية عشائرية موسعة قليلا.
ورغم ان العشيرة في نظر الاسلام ضرورة اجتماعية ومصدر قوة للفرد والمجتمع في كل مكان وزمان لدورها الحيوي في حل المشاكل المستعصية التي يعجز القانون على معالجتها،ولتحقيق التكافل الاجتماعي وصيانة النظام الأسري من التفكك والانهيار عبر تطبيق الاعراف والتقاليد العشائرية كقواعد قضائية ثابتة تتعاقب الأجيال في تطبيقها بصرامة،الا انها تتضمن سلوكيات لا تنسجم مع الاسلام كتحول المجلس العشائري الى مسرح لآراء منافية للحق وتفسير الاسلام تفسيرات مغلوطة،وشيوع مظاهر الثأر والانتقام،والدية بالنساء،واعتماد اسلوب الوراثة في تعيين زعيم العشيرة.ومع الطائفية السياسية ومرور الزمن وعادياته والحاجة للامن والحماية وضعف الدولة تنمو العلائق العشائرية ويقوى عودها في بلادنا!
مع دخول معترك العمل السياسي الجديد لا يرى المشايخ طراز حكم مناسب لهم غير حكم النظام العشائري الذي يسوده العرف العشائري،ويرون ان صياغة مشروع قانون مجلس عشائر وطني لابد ان يضمن احياء قانون العشائر الذي يضفي على الاعراف والتقاليد العشائرية سيئة الصيت والسطوة العشائرية المشروعية!فللعشائر قوانين واعراف وفرت الحماية لافرادها في ازمنة سابقة،واشكاليات في بناء القوانين والتشريعات لدولة الحاضرة،ومنها على سبيل المثال لا الحصر التهديد(الگوامة)والوساطات وتقريب ذوي القربى في المناصب وتهميش الكفاءات،اي هناك آليات لفض النزاعات تتقاطع مع آليات الدولة وتطبيقات القانون.للعشائر قوانينها الخاصة،التي كانت تحل على الدوام وبنسبة كبيرة محل القوانين المدنية للدولة،في زمن النظام السابق او قبله،بل ان جزء كبير من صراع الانظمة المتعاقبة على حكم العراق من اجل بناء دولة القانون كان صراعا مع العشائر ومع قوانينها الخاصة.يبقى السؤال هو،اي قانون سيطبق رجل العشيرة حين يصل الى السلطة،هل هو قانون العشيرة ام الدولة ام قانون الطائفة ام الحزب الذي ينتمي اليه؟

• العشيرة نقيض دولة القانون

من هذا المنطلق تتناقض الدعوة للدولة المركزية ودولة القانون مع تشكيل مجالس الاسناد العشائرية في المحافظات!ان سلطة العشيرة التي تحتاجها الدولة لتثبيت سلطة القانون،تكون هي نفسها مهددة لسلطة القانون في المستقبل القريب!اما التمثل بصدام حسين لتشكيل العشائر المسلحة واعطاء صلاحيات للشيوخ العلوج،وبحجة ابراز دور العشائر في الانتخابات واستتباب الامن،فهو مشروع رجعي وخطير،لا يدل الا على سياسة ردود الافعال والسباحة في بحر المتاهات!ان الغزل الحكومي الراهن للعشائر يستعيد صورة غزل سابق قام به صدام عقب قمعه لانتفاضة الجنوب عام 1991 سعيا لدعم سلطته التي انهارت كثيرا في وقتها،وما تبعه في السنوات اللاحقة من تمدد عشائري كبير في الحياة العراقية،حتى ان المدينة تأثرت بهذا المد،وتحولت المدن العراقية الكبيرة الى ما يشبه الارياف.ما ساعد على تسلل العشيرة الى الحياة المدنية أنذاك،القوانين التي صدرت من سلطة صدام والتي اجازت احلال القوانين العشائرية محل القوانين المدنية للدولة ان اختار المتخاصمون ذلك.
العودة لترجيح كفة التعامل مع شيوخ العشائر واهمال العمل المدني الجاد والمسؤول مع القوى السياسية العراقية ومنظمات المجتمع المدني تكتنفها المخاطر،اذ ان نظام العشائر يعود الى ماض بعيد لا يجوز تشجيع عودته الى الساحة الاجتماعية والسياسية العراقية.وهو في المحصلة النهائية سيتوجه ضد المجتمع المدني والقوى التي تسانده وضد افراد العشائر ويسلط ابشع اشكال الاستغلال عليهم،كما انه يتداخل مع قوى الإسلام السياسي المعتدلة والمتطرفة في آن واحد ويعزز مواقعها في غير صالح الفصل المطلوب بين الدين والدولة،وهذا ما كرسه نهج المحاصصات الطائفية وباءا خطيرا سمم الحياة السياسية،وتناقض مع الديمقراطية،وقزم معنى الانتخابات ومدلولاتها،وحجم مبدأ المواطنة والمساواة بين المواطنين،واضر ببناء الوحدة الوطنية.
مسعى الحكومة العراقية باتجاه العشائر هو لكسب التأييد للأحزاب الحاكمة استعدادا للانتخابات القادمة لمجالس المحافظات وما بعدها ولتقوية سلطة القانون وترسيخ هيبة الدولة معا.الحكومة العراقية الحالية تلوم نظام صدام الذي سيّس العشيرة وشق صفوفها وعبث بقوانينها،لكنها تتجاهل ان الحكومة تحذو هي ايضا حذو النظام السابق في تسييس العشائر!الطائفية السياسية التي تخندقت خلف حصن القدسية الدينية المزعومة شعرت بتصدعه وانكشاف امرها،بفعل فشلها الذريع في ادارة الدولة،لذا قفزت الى حصن العشيرة لتتمترس وراءه،وهو بكل تأكيد لم تزكي الحياة قدرته على الصمود ومن ثم حمايتها امام تصاعد وعي الجماهير التواقة الى التقدم والازدهار.
الدعوات المشبوهة لما يسمى بالفيدراليات العشائرية/الطائفية مثلا لا تعني في مضامينها النهائية سوى اقامة كيانات طائفية هزيلة تكون معبرا للتوسع الايراني وتسويق سياساته المعادية للشعب العراقي،وتخلف آثارا ضارة على وحدة السياسة الزراعية المتبعة في بلادنا واوضاع الملكية الزراعية بسبب ضعف المرجعية القانونية،والنفوذ الحزبي والعشائري والطائفي والميليشياتي .تشكل الفيدرالية شكلا من أشكال دولة الوحدة الوطنية وتتحقق على اساس الإجماع/الاأغلبية وتقوم على انتخابات دورية وانتقال السلطة،وليس على اسس التوزيعات العرقية/الطائفية والعشائرية واحتكار السلطة من قبل زعماء عرقيين عشائريين او طائفيين.
محاولات نفث الروح من جديد في منظومة العشيرة العراقية تجري باتجاهين:ديني طائفي مذهبي ومحاولة التركيز على تفعيل التقاليد والمشاعر الدينية،واداري تنظيمي سلطوي عن طريق تشكيل جديد غير مبني على اساس المصالح الاقتصادية المشتركة لابناء العشيرة او تنظيم هلامي مبني على بقايا العلاقات البطرياركية التي تحكمها العادات والتقاليد من مخلفات النظام الاقطاعي الابوي ويقتصر على رؤساء القبائل والعشائر بالذات ولا يمت بصلة لأبناء العشائر انفسهم من الفلاحين الذين يمتهنون الزراعة فعليا!ويفتقر تشكيل مجالس الاسناد ومؤتمرات مجالس رؤوساء العشائر ومنظمات الوسط الى السند والغطاء القانوني،حيث ليس هناك من نص دستوري خاص او قانون محدد يمكن الركون اليه عند تأسيس مثل هذه المجالس او يحكم نشاطها.وتتحول المجالس العشائرية الجديدة الى مراكز لاستقطاب الالوف من الفلاحين العاطلين عن العمل والتي تغص بهم المدن العراقية كمرجعية جديدة وتحت تأثير الرابطة القبلية والطائفية المذهبية الدينية وهيمنة رؤوساء العشائر،وبذلك يجري ضمان موقف هذا الاحتياطي البشري الساند في اللعبة السياسية.
تصطف اليوم الرأسمالية العقارية والتجارية والبيروقراطية والطفيلية الكومبرادورية ومشايخ المدن الى جانب الاقطاع العشائري في الريف لمواجهة التحديات الاجتمااقتصادية،والسير على طريق اقتصاد السوق المنفلت عبر ازالة الضوابط وحجب الصلاحيات عن مؤسسات الدولة وتقليص نفوذ القطاع الحكومي والحد من تدخل الدولة واخراجها من الحقل الاقتصادي وفتح الاقتصاد العراقي على مصراعيه،والترويج لاقتصاد السوق باعتباره الدواء الوحيد لحل مشكلات الاقتصاد العراقي وتهيئة الاجواء للخصخصة الواسعة،وتريد الانفتاح بلا حدود!ومع اشتداد الازمة ينمو قطاع واسع من انشطة اقتصاد الظل غير المحكوم بضوابط وتشريعات محددة وتتسم نشاطاته بضعف الانتاجية وقلة القيم التي يخلقها وتردي ظروف العمل وكثافة استغلال العاملين.
بالقيم العشائرية باتت العشائر،كتشكيلات عفى عليها الزمن،الحاضن الرئيسي لاقتصاد الظل والسوق السوداء والفساد،ومظاهر الميل نحو عدم الالتزام بالقانون والدستور،وهيمنة الروح الفردية ونموها وتحولها الى استبداد فردي،والعقل الكابح المفرمل للثقافة العقلانية والولاء للوطن!أي الهويات تحت الوطنية والعصبيات- الولاءات المسبقة في التشرذم والتزمت والانتهازية والفساد،والاهمال الجدي غير المسؤول لارادة ومطالب ومشاعر عامة الشعب،الاسراف والمبالغة في تشجيع الاعياد الدينية واللطم والنحيب والزحف.العقلية المؤسساتية العصرية عقلانية الطابع تحكم العقل في التفكير والسلوك وتنبذ الفردية في اتخاذ القرارات ورسم السياسات وتقوم على صرحها العلمانية،اي التفكير الاجتماعي القائم على فصل الدين عن الدولة،والحماية الحقة لحرية الدين والعقيدة والفكر والابداع،وبالتالي المجتمع المدني.
العشائرية مرحلة من مراحل تطور المجتمع البشري في التاريخ تسبق تكوين الشعب والأمة والدولة،تبعث فيها الحياة وتنشط في فترات ضعف الدولة والانحطاط الحضاري والانهيار الفكري،وقوتها تتناسب عكسيا مع قوة الدولة.والنهوض العشائري عملية معوقة للتقدم الحضاري،وبناء المجتمع المدني،وتهديد للسلم الاهلي،ودورها مناقض للدولة العصرية،وتؤدي الى ظهور شريحة طفيلية من الحكام تشكل عبئاً ثقيلاً على ميزانية الدولة دون مقابل.والعشائرية لا توجد في الدول المتقدمة بل في المجتمعات المتخلفة فقط،فهي مظهر من مظاهر التخلف الحضاري.


المهندس الاستشاري/ سلام ابراهيم عطوف كبة

بغداد
20/8/2009