الرئيسية » مقالات » بدل الحنـّاء.. يستقبلون الشهر الكريم بالدماء

بدل الحنـّاء.. يستقبلون الشهر الكريم بالدماء

لا يكاد المرء المتابع للأحداث في العراق ينسى حتى تهزه مرة اخرى فاجعة جديدة من سلسلة الجرائم التي يتفصد لها جبين الإنسانية عرقاً ،بينما يبقى آباء وأبناء وأمهات وزوجات وأخوة وأخوات الضحايا يجترون آلام فقدهم أعزاءهم باستمرار.. بالأمس البعيد حملة تفجير تستهدف الأمكنة الوادعة في قضاء الطوز ومثلها في قرة تبة وأخرى في تلعفر ثم في مدينة الصدر وقبل الأخيرة أحداث من قبيل إبادة عرقية استهدفت قرى ومدن وادعة مستكنة في سهل الموصل فكانت فاجعة خزنة والشريخان ولم تخل أي من محافظات العراق من عبوة ناسفة أو سيارة مفخخة تبطش بالأبرياء تحديدا ويختار المجرمون المنفذون أماكن مكتظة بالسكان كالاسواق مثلما حصل في سوق ناحية البطحاء في الناصرية وأسواق الكرادة والفلوجة والكاظمية والأعظمية والبياع وغيرها.أما الحدث الأبرز الذي هز الضمائر الحية قبل أن تهتز لهوله بنايات الوزارات الحساسة في بغداد وأماكن تعتبر في الخارطة الأمنية لخطة فرض القانون في العاصمة هي الأكثر حساسية وأمنا.
إحدى زميلاتنا العائدة تواً من بغداد روت لنا عن تراخي القبضة الأمنية لأبناء القوات المسلحة العراقية حالتين في غاية الإزدواجية والتناقض, تقول والعهدة برقبة الراوية إن أحد افراد إحدى السيطرات في بغداد قد استحلفها هي ووالدتها المسافرة معها بالعباس( أبى راس الحار) إن كانتا تحملان شيئا ممنوعا فردتا معا ( بالعباس لا نحمل ممنوعا) وانتهت أغرب عملية تفتيش بابتسامات ( أمنية ) متبادلة. ولا أدري إن كان المرء يستطيع أن يستنتج من هذه القصة درسا تعبوياً أم يصوغ من هذا السيناريو مسودة أمر حركات خارق للعادة ممكن أن يدرس في أكاديميات الشرطة العريقة في سكوتلاند يارد في بريطانيا أو في كلية الشرطة التأريخية في مقاطعة بايرن في ألمانيا ، أما الحالة الثانية الأغرب من نوعها أمام مسلسل الشاحنات المفخخة بالأطنان من الحمولات المتفجرة بل وشديدة الإنفجار، فتقول زميلتنا ، وما زالت العهدة في رقبتها ، إن السيطرات الأمنية في بغداد تستطيع أن تحدس بأنوف جنودها أو بأدوات وأجهزة الكشف الحديثة قنينة العطر والكولونيا ومواد التجميل النسائية ذات المركبات الكيميائية وهي مخبأة في حقائب صويحباتها..أفمن الغريب جدا أن يكون ذلك على بساطته مكشوفا للنقاط التفتيشية ولا يتم كشف شاحنات محملة بآلاف الكيلو غرامات من المواد المتفجرة لتصول وتجول في بغدادنا الجريحة وتنفجر في الأماكن التي يختارها المجرمون أنفسهم .حتى أن مسؤولون في مجلس محافظة بغداد على ذمة أحد المواقع الخبرية ادعوا انهم وبالمراقبة المستمرة لشوارع بغداد بالكاميرات الحديثة هم الذين اكتشفوا السيارة الهينو المحملة بأطنان المواد المتفجرة وإخبار الجهات الأمنية لألقاء القبض عليها قرب مستشفى ابن البيطار بعد هرب سائقها ولم تقم القوات الأمنية بذلك.
وبقطع النظر عن أهداف ذلك الإستهداف الدموي لأبناء شعبنا الصابر والدواعي التي تقف وراء كل ذلك الإجرام الأعمى سياسية كانت أم جنائية كيف يستوي الأمر مع وجود كل هذه الخطط الأمنية التي استطاعت ان تبسط الأمن في الأشهر السابقة ويعيش المواطن في بحبوحة الأمان الذي تحقق بفضل تضحيات وبطولات رجال لم يألوا جهدا ووقتا وطاقة لمواصلة الليل بالنهار معرّضين أمنهم الشخصي وأمن عوائلهم الإجتماعي للخطر الدائم ، يتساءل المواطن المنكوب أين ذلك الذي تحقق والذي يدعو قنوات الإعلام الأعور الفضائية ان تجعل من يوم الأربعاء الأسود في بغداد عرسا إعلاميا لها وتصف الأمر بأنه انهيار للوضع الأمني أي انها تعترف بأن الأمن قد كان سائدا وجاء ما يشمتون بنا بسببه.كم يحتاج الأمرمن الحصافة والنباهة والتحليل الأمني والسياسي ليعرف المواطن من المسؤول عن كل هذا الخراب الذي أصاب بغداد ذلك الأربعاء الدامي؟؟..أليست أصابع المسؤولين الأمنيين وعلى رأسهم القائد العام للقوات المسلحة رئيس الوزراء والمسؤوليين السياسيين ومن هم في غرفة صناعة القرار يرابطون، هم من يوجهون أصابعهم الى التحالف الصدامي التكفيري العربي لتنفيذ هذه الجرائم الفظيعة بنا في العراق؟..كم تصريح صحافى سمعنا من هؤلاء ومن وسائل اعلام تابعة للسلطة في العراق أو تابعة للتحالفات السياسية أو ناطقة بأسم الكتل البرلمانية المتنفذة في ساحة التأثير في القرار الرسمي العراقي من أن ثمة معلومات مؤكدة استطاعت أن تحصل عليها بطرائقها الخاصة تشير الى ضلوع أنظمة عربية في التآمر على أمن شعب العراق مع المجرم الهارب حارث الضاري وتنظيمات حزب المقبور صدام القابعين في دول الجوار حتى وصلت المعلومات المتوفرة الى اسم العملية المخابراتية التي يقصد بها ابادة النوع البشري في العراق والأموال المرصودة لها اقليميا .. نحن في حالة ذهول تام أمام كل هذا الاستهداف الدموي للعراقيين ولم نسمع أو نرى خطوات جدية تقوم بها الحكومة العراقية أو الكتل البرلمانية بتحديد الجهات التي تقف وراء كل هذا الإجرام الإبادي للنوع في العراق واتخاذ الإجراءات القانونية والدبلوماسية والإقتصادية لأيقافه تماما وقطع دابره من الجذر.. ماذا حل بمبادرة الدكتور عادل عبد المهدي التي أطلقها مدوية لتدويل الصراع بين العراق الطامح للحرية والديمقراطية وبين القوى الظلامية التي تمارس القتل المنظم المدعوم من دول ومخابرات عربية وأجنبية ، تلك المبادرة التي لو تم لها التفعيل والنجاح لأقيمت بسببها المحاكم الدولية الكبرى لمحاكمة كل من يساعد بفتوى أو بمال أو بسلاح أو بقول أو بإعلام أو بتنفيذ وفضحه ثم الإقتصاص منه كائنا من كان ..أما على الصعيد الداخلي فيترتب على الحكومة وبرئاسة السيد القائد العام للقوات المسلحة أن يعيد النظر فورا بأسماء وشخوص القيادات الأمنية ابتداء من وزيري الدفاع والداخلية مرورا بقيادات منطقة عمليات بغداد ونزولا عند القادة الميدانيين والآمرين ومسؤولي السيطرات..وتتم إعادة النظر بدراسة الملف الوظيفي والسياسي السابق للمنتسب الى الاجهزة الأمنية حيث أفرزت الدراسات والمحصلات التي خرج بها معنيون الى وجود عدد كبير من منتسبي وزارتي الدفاع والداخلية من أزلام النظام السابق الذين يتحينون الفرص للأيقاع بالعملية الأمنية في مهاوي الردى وقد القي القبق على الكثير منهم على خلفية أعمال إرهابية وعرضوا في شاشات التلفاز وهذه ليست تهمة ضد أحد لكنها مطلب وطني ملحٌّ ،وإدامة التحقيق مع من تدور حولهم الشبهات بتعاونهم مع الإرهابيين وتقديم التسهيلات والمعونة التعبوية لهم وكشفهم للجمهور..إن أحداث الاربعاء الدامي أو أربعاء الرماد كما سماه زيدان حمود وقبله إليوت كشف عجزا حكوميا وخرقا واضحا في أداء الأجهزة الأمنية التي أستطاعت في السابق الى حد بعيد أن تضبط الملف الأمني بشكل جيد ..إن التراخي الذي يصيب مفاصل الإدارات الأمنية بين الحين والآخر مرصود تماما من قبل الإرهابيين ومن هذه الفتحات وحدها ينفذ المجرمون لأختراق الصمت الأمني بأصوات التفجيرات المدوية والتي تخلف عادة إزهاق الأرواح البريئة ولذلك نقول ان البعثيين والظلاميين الذين تسللوا الى أجهزة وزارتي الدفاع والداخلية والأجهزة الإستخباراتية التي ضعف أداؤها كثيرا هو السبب في كل هذه المآسي ،ولغرض أن يكون التحقيق ناضجا وفعالا ينبغي الإستفادة من التناقضات في التصريحات بين مختلف القيادات الأمنية وتبادل الإتهامات وأعلان البراءة مما حصل من كل طرف. وانطلاقا من ذلك على السيد رئيس الوزراء أن يبادر فورا الى معالجة الخلل في أداء حكومته من الناحية الأمنية بعد أن صار الحديث عن الأداء الخدمي وتوفير الكهرباء ضربا من الهذيان الذي لا يسمن ولايغني من جوع ..كما حان الأوان الى اصدار أوامر الفصل من الوظائف الأمنية لكل الضباط الذين كانوا لغاية الأمس القريب رجالا من أزلام النظام البعثي الفاسد البائد وتقديم من تثبت إدانته بالتقصير والأهمال الى القضاء العادل.. ولعل خير ما نختم به هذه الغصات التي تعتري افواهنا جميعا ان الشعب الأعزل الذي يحتمي بحكومته الوطنية سوف لن يهدأ له بال ما لم تقم الحكومة بأتخاذ الإجراءات القانونية الصارمة ضد الدول المتهمة بتصدير الخطط الإرهابية للعراق والتعاون الجاد والفاعل مع منظمة الشرطة الدولية الإنتربول لاستقدام كافة الإرهابيين من البعثيين وأعضاء مجلس النواب الهاربين من وجه العدالة القابعين في العواصم المحيطة بالعراق لغرض محاكمتهم على تآمرهم مع تنظيم القاعدة الإرهابي وتسببهم بمآسي الشعب العراقي وإهراق دماء أبنائه.وإنا لله وإنا إليه راجعون.

ناصرية دورتموند
ألمانيا