الرئيسية » مقالات » التفجيرات الأخيرة … ماذا تعني؟

التفجيرات الأخيرة … ماذا تعني؟

بعد قرار انسحاب القوات الأمريكية من المدن العراقية واقتصار عملها على التنسيق الأمني, اتخذ رئيس الوزراء العراقي قراراً برفع الحواجز الكونكريتية من تلك المناطق التي نصبت فيها باعتبار أن أجهزة الأمن العراقية قد استطاعت السيطرة على الوضع الأمني وليست هناك مخاطر كبيرة تهدد الناس في حياتهم. وقد أشرت في مقال لي بعد صدور هذا القرار مشيراً إلى خمس نقاط أجد مناسباً ذكر مضامينها, وهي:
1 . إن رفع الحواجز الكونكريتية يراد به طمأنة المواطنات والمواطنين إلى أن الأمن قد استتب في العراق عموماً وبغداد خصوصاً, وأن هذا الموقف يحمل معه بداية لحملة انتخابية يري بها رئيس الوزراء خوضها مبكراً. ولكن هذه السرعة تحمل مغامرة غير محسوبة العواقب جيداً.
2 . إن هذا القرار فيه تحدٍ لكل قوى الإرهاب التي برهنت خلال الأسابيع الأخيرة على أنها لا تزال تمتلك القدرة على إنزال الضربات بالمواطنات والمواطنين, وفيه تأكيد آخر أن أجهزتنا الأمنية غير مخترقة, وأن رئيس الوزراء يؤكد بأن من يشكك بأجهزة الأمن لا يخدم مكافحة الإرهاب! وقد برهنت الأيام على خطأ موقف رئيس الوزراء.
3 . وأن هذا القرار لا يتناغم مع عجز رئيس الوزراء عن تحقيق المصالحة الوطنية المنشودة وأن تحالفاً جديداً نشأ بين عدة أطراف مناهضة للوضع في العراق لتأجيج الصراع الطائفي.
4 . وأن التصريحات التي يطلقها رئيس الوزراء ضد الطائفية لا تجد تعبيرها في الممارسة العملية, بل أن الطائفية قد كرست في هذه الفترة, وأن المواطنات والمواطنين من أتباع المذهب السني يشعرون بالحيف اللاحق بهم, ومنهم قوى الصحوة التي رعتهم الولايات المتحدة وكفت عن ذلك نسبياً الحكومة العراقية.
5 . كما أن رئيس الحكومة العراقية لم يبذل الجهود الضرورية لمعالجة المشكلات بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم التي تسمح لقوى الإرهاب استثمارها في مناطق مختلفة من العراق لتشديد الصراع.
إن هذا الواقع يسمح بتحركات إقليمية نشطة من جانب بعض حكومات وقوى دول مجاورة على بعض القوى الداخلية الطائفية, شيعية وسنية, بعثية وقومية وإسلامية سياسية متطرفة, لإعادة العراق إلى نقطة الصفر قبل بدء حملة “فرض القانون”.
لقد سقط ما يقرب من مئة شهيد وأكثر من ألف جريح ومعوق, إنه يوم دام ومرير لكل العراقيات والعراقيين المحبين لشعبهم ووطنهم. إنها جريمة بشعة تؤكد شراسة القوى المناهضة لاستتباب الأمن العراقي وعن إصرارها على مواصلة القتل المتواصل وتدمير البنية التحتية وإشاعة الخوف والقلق وتنشيط الهجرة من العراق من جهة, كما تؤكد ضعف كفاءة وقدرات وخبرات ومعارف ونشاط أجهزة الأمن العراقية وغرور قادتها من جهة أخرى, وعن وجود ثغرات جدية واختراقات لهذه الأجهزة ومن حولها من جهة ثالثة, واختراقات حدودية من الدول المجاورة وبشكل خاص وصول المساعدات المالية والانتحاريين القادمين من دول عربية وإسلامية, ومنها سوريا والخليج وإيران وشمال أفريقيا من جهة رابعة.
ولا بد لنا من الإشارة إلى جانب آخر وأعني به مشكلة الغرور الذي هيمن على رئيس الوزراء وبعض العاملين معه وحزب الدعوة وكذلك بعض أجهزة الأمن التي لم بدأت تستهين بإمكانيات القوى المناهضة, ومن يستهين بها يرتكب حماقة كبيرة. وهو ما يواجهنا اليوم بشكل ملموس.
علينا أن ندرك تماماً بأن القوى المناهضة في الداخل والخارج لن تتورع عن ارتكاب أبشع الجرائم ولن تكف عن العمل ضد استقرار العراق ولو للحظة واحدة ومهما حصل العراق على تطمينات, فهي لن تكون جدية بل شكلية ودعائية, إذ أن الأهداف التي تكمن وراء تلك القوى واضحة. ولكن علينا أن ندرك بأن هذه القوى لا يمكنها أن تنجح حين نسد جميع الثغرات التي يمكن من خلالها ممارسة عملياتها العدوانية التي تقتل من خلالها المزيد من البشر وتدمر الكثير من البنية التحتية.
وبصراحة وشفافية تامتين, وأنا قادم لتوي من العراق, أؤكد بأن الشعب العراقي بمختلف قومياته وأتباع دياناته ومذاهبه وأغلب اتجاهاته الفكرية والسياسية غير مرتاح لما يجري في العراق. نعم هناك بعض الأمن, وثبت لنا الآن بأن هذا الأمن غير مستقر قطعاً, وباقي الأمور غائب جدياً: الكهرباء, الخدمات الهاتفية, الماء الصالح للشرب, الخدمات الصحية والطبية, التربية والتعليم وسيادة الفكر الطائفي السياسي الرجعي, التمييز في التعيين والتوظيف والبعثات والقبول في الجامعات, القمامة في الشوارع, حتى في حي الخضراء وقرب دار رئيس الوزراء القمامة موجودة وقد رأيتها بأم العين حين مررت بقربً الدار بالسيارة في زيارة لأحد الأصدقاء.
الشعب غير مرتاح بكل فئاته عدا القطط السمان الذين اغتنوا بالسحت الحرام بشكل خاص. الجياع كثيرون والبطالة واسعة والهامشيون والمهمشون ينتشرون في أنحاء الوسط والجنوب, المثقفون جزعون لأن كل شيء مغلق في وجوههم, في ما عدا ما يقدم لهم من “عطاءات” وليس كحق ثابت وهو قليل وقليل جداً, والصحفيون معرضون للطرد في كل لحظة بعد أي خطبة من شيخ جاهل وحاقد على الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وحرية الصحافة والنقد وحقوق المرأة, والمرتشون كثيرون جداً والفاسدون من سارقي أموال الشعب يساهمون بإثارة الشعب ويمارسون بصيغ شتى في دعم الإرهاب بطرق مباشرة وغير مباشرة.
من المؤسف حقاً أن رئيس الوزراء لا يمتلك من يقول له هذا صح وهذا خطأ من مستشاريهالكثيرين جداً, فهو كبقية الحكام العرب منفرد في رأيه ومستشاروه غير مستعدين للمجازفة بمناصبهم بتقديم النصيحة الجيدة له أو أنهم غير كفوئين لا يملكون نصيحة جيدة ولا يعون اهمية المنصب وضرورات الكفاءة الجيدة …الخ, والقائمة طويلة ..
نحن أمام حرية يمكن أن نسميها “حرية المغامرة” التي يتورط بها المواطن وخاصة الكاتب والصحفي والمثقف عموماً والسياسي غير المحمي بالمنطقة الخضراء وما حولها. للإنسان الحق في أن يكتب ويتحدث بما يشاء, ولكنه لا يعرف متى تأتيه الرصاصة من كاتم صوت ومن هو المسؤول عن هذه الرصاصة: هل جاءت من الجماعات الإرهابية المتطرفة من أتباع تنظيم القاعدة, أم من مجموعة عزة الدوري المجرمة, أم من مجموعة هيئة علماء المسلمين وعلى رأسها حارث الضاري, أم من منظمة بدر أم من جيش المهدي أم من غيرها من عصابات القتل وفق مبلغ مدفوع, أم من جماعة الحرس الثوري الإيرانية أم من مجموعة تابعة بشكل غير مباشر إلى الأمن السياسي السوري أم من جماعات خليجية وسعودية غير قادرة أن ترى الطائفية الشيعية السياسية هي المهيمنة على الحكم وتريد الحكم للطائفة السنية السياسية …الخ, دون أن تعي أهمية المواطنة غير الطائفية في العراق وفي بلد متعدد القوميات والديانات والمذاهب …الخ..
نحن أمام مشكلات لا يراد حلها ولكي تبقى ترهق الوضع وتسمح لقوى الإرهاب الاستفادة منها لإشاعة الفوضى في البلاد. ودون أي حل لهذه المشكلات لن يستقر العراق ونقول هذا بكل ثقة, إذ لا ينفع العمل مع أجهزة الأمن والعمل العسكري فقط, بل العمل في كل الاتجاهات والمجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتربوية والتعليمية والتنويرية …الخ.

20/8/2009 كاظم حبيب