الرئيسية » مقالات » غربتان

غربتان

مقالات لنفس الكاتب

في ليل عاصف كهذا إستيقظت لأحدث قلبي عنك، أعني لأجتثك من بستان قلبي كشجرة يابسة .. هل كنت أسعد عروس في الدنيا ونحن نتسكع في أزقة دمشق نتذوق مجرة عسل مجتث ؟ هل كان عليَّ ان أترك عاصمة الموت والدخان، لائذة بنبضك، غافلة عن سنوات تكبرني فيها ؟ هل كان عليَّ ان أقرأ رواية ذلك اللعين لاجعل للبكاء سياطا تجلدني لانها تذكرني بوجهك ؟
ربما هو ذنب أبي حين نزع عني دور المرأة وغمسني في سوق لا ناقة لي فيها غيرالتعب ، عفوا ، ذنب أمي، فأنا عجولة في إصدارالأحكام كقائد احمق ، إنها أمي التي احتفت بامراضها لتنساني وتصوغني انثى ملغاة ورهينة لأولاد يكبرون تحت سفارتها.
طارت السنوات كبجع مفزوع ، كلاهما ماتا …يا لهما من أبوين! والأولاد احتفوا بانسالهم ،وأنا…..انا اخترتك وإن عارضوا فلأنهم لا يعرفون أيها الحبيب معنى الإرتطام الكوني بين نجمين مبتلين بالقصائد!
لماذا كنت أطول مني قامة ولم تأكل السجون هامتك البهية ، فإذا أردت رشف خضرة عينيك رفعت أصابع قدمي لا حباً بفن الباليه ولا تشبها بلصوص حبال الغسيل بل سعيا لبساتين أودعها الله أجفانك المبتلة بأحزاني.
أنجبت منك شقرة صبي مجنون له شغبي وغضبك ، فأين تراه الان بعد ان سرقه الحطابون عندما دخلنا حدود بلادي بعد اغتراب ، ظناً منهم أن الخطف سيدر عليهم أموال قارون التي لم احزها وأنا كنزي الوحيد خرائب تركها نحيبك!
شهور من الترقب اذن سأهاتفك لأجل فدية أدفعها لهم فأعادوه مكتويا ً بالحروق كقلبي، اذن أورثناه وهو ذو الست سنوات قدرنا المرهون بالتشظي.
انت اخترت طلاقي حين لم تشرك بحبك لذاتك أحدا، وأنا ككل المصابين بالصداع اشتريت سلامة رأسي غير نادمة على شباب تفتت بين راحتيك فللفرح ضرائب مضحكة!
الوطن غير ما نراه في الحلم ، يا للرب كم يبدو اخضرَ عند الأنهار في الخرائط ومبتسما كأناشيد الاطفال ، ولكنه الوحيد الذي سمع هسهسة أرقي، وطالبني بالعودة اذا لا من بلد وقتها تحمل سمرة وجهي ،حجابي ،غبائي العربي ،إيماني بأحجار تجلب النوم وخرافات تحمي الصغار من الأمراض.
انا لم أذكرك كل تلك السنوات الثلاث، وإن شابهك من خرج من رحمي لأنني مسخته ولعا بتعذيبك فلم يقل عن اية صورة لك ” هـــذا ابــي” وظل يسميك العم فلان!.
في ليل خرافي الوحشة صحوت لأجتثك مني ، أحرقت رسائل جيران لك اشتريتم بالهدايا ليكونوا جواسيس بصورة أصدقاء ، لينقلوا لي احتلال الصدأ بقايا رئتيك وقرب رحيلك ، فأتبرج لمرآتي وأنجح في عملي ، وشبيهك ينافسني طولا وينازعني سكائري .
رغما عنا نحن الثلاثة نكبر ونخاف بعضنا، هل كنا اربعة: وطن تتنازعه المخاوف ،حبيبان تطلقا، وضحية نسميه مواطن بلا هوية ؟
بيت تأكله الأرضة .. وماذا في ذلك ؟ هذا ما قدرت إيجاده بمرتب مخنوق طالما رفعت جدران قلعتي بوجه آدمهم وتركت جنة أرضية كُنت َ جلادها الأوحــد.
هناك كرات تتقافز بسرعة حولي أتذكر انهم …أقرباء…أصدقاء … أو ماشابه او….اللعنة…. لا يظهر شيئ غير مخاوفي بأني لم أعد أحب أحدا، لأنك اشتريت مشاعري كلها، فما عاد لسواك ما يستأجره .
المضحك انهم ..اقصد بعض الأغبياء يصممون حدائق مضحكة لأغبياء مثلي يجلسون فيها عند المساء مع ضحاياهم ..أقصد ابناءهم كي تمر المساءات في الوطن بسرعة ، فيجرني من ثوبي ” ماما ، يخ خ خ خ خ ..فلنعد الى البيت” ونعود للزنزانة صاغرين .
غربتان واحدة فيها سعادتي في المنافي بقربك ولم تدم، وأخرى مضغت زجاجها بين أضراسي تورطا بالكبرياء، مرغمة لأنك بادلتني بنزوة ٍ فرّقتنا.
رغمها حضرة الزيف القابع فينا اعترف لك ، بأنني سأخلص ما تبقى من الدوامات القادمة وأنني لن أدع غير بيجامته تشاركني أنفاسي على الوسادة لألف خريف تتري قادم .

8 اذار 2009