الرئيسية » مقالات » إسقاط الفاشية في العراق ومعجزة القرن العشرين! حوار مع الأستاذ عبدالستار نور علي

إسقاط الفاشية في العراق ومعجزة القرن العشرين! حوار مع الأستاذ عبدالستار نور علي

مازال موضوع إسقاط حكم البعث الصدامي في العراق بواسطة قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، ووجود القوات الأمريكية في العراق مثير للجدل، هل هو احتلال أم تحرير؟ ولا شك أن القارئ الكريم المتابع لكتاباتي يعرف أني أعتبره تحريراً وليس احتلالاً، ومازلت عند رأيي لأسباب سأبينها أدناه.
إن سبب عودتي للموضوع هو، مقال الأستاذ عبدالستار نور علي، بعنوان (الدكتور عبد الخالق حسين ومعجزة القرن العشرين) على مواقع الإنترنت يوم 4/8/2009. وكان السيد الكاتب كريماً جداً معي في ثنائه وإطرائه على كتاباتي، دون أن يخفي اختلافه الفكري عني في كثير من المسائل الخلافية التي سطرها بأدب جم وبأسلوب مهذب ورصين يستحق عليه كل الشكر والتقدير، خاصة ,انه قد أتاح لي بذلك، الفرصة لتقديم المزيد من الضوء على المسائل الخلافية المعقدة والشائكة والتي يصعب حل ألغازها في كتاب ناهيك عن مقال.
بدءً، أتمنى أن يكون الغرض من هذا السجال هو الوصول للحقيقة وليس جدلاً من أجل الجدل، وأحسب أن الأستاذ عبد الستار نور علي يشاركني في هذا القصد، ولذلك أرى من المفيد مواصلة السجال معه لتوضيح الحقائق.
في النصف الثاني من مقاله، وجه لي الأستاذ عبدالستار مجموعة كبيرة من الأسئلة، إجابتها موجودة في العديد من مقالاتي السابقة، خاصة وقد أكد أنه متابع لمقالاتي. على أي حال، سأجيب على معظم هذه الأسئلة على قدر المستطاع. وأترك المكرر منها، وسأشير للرجوع إلى بعض مقالات سابقة لي كجواب على تساؤلات أخرى بدلاً من إعادة ما قلته سابقاً.

يقول السيد الكاتب: “يرى د. عبد الخالق حسين أن ما حدث في العراق كان تحريراً لا احتلالاً، آملاً بمستقبل ديمقراطي زاهر للعراق … ومؤيداً لما قامت به أمريكا في غزوها، مستشهداً بتجربة كل من اليابان وألمانيا، متناسياً أن هناك فروقاً كبيرة بين البلدان والشعوب من خلال تاريخها وثقافاتها وانتماءاتها العرقية والدينية ….ومن الخطأ استنساخ التجارب، … ولكن السؤال الملح الدائم الذي يفرض نفسه: ما هو الثمن الذي دفعه الشعب العراقي والمنطقة والعالم بأسره في عملية (التحرير) هذه؟ وأظن أنّي لا أحتاج إلى الإجابة بعد هذه السنين من الغزو، فالثمن معروف كم كان باهظاً ومكلفاً، لا يزال الشعب العراقي يدفعه دون توقف من دمائه وثرواته وبناه التحتية.”

وبعد أن يطرح هذه المجموعة من الأسئلة، يقول: “لا احتاج إلى الإجابة بعد هذه السنين من الغزو….الخ”. وأنا بدوري أعتقد أنه لا يجب ترك هذه الأسئلة بدون رد، خاصة وإني واثق 100% من أن الشعب العراقي ما كان بمقدوره إسقاط حكم البعث الصدامي بالاعتماد على إمكانياته الذاتية، وقد حاول عدة مرات، سواءً عن طريق انتفاضات شعبية أو محاولات انقلابات عسكرية، كلها انتهت بالمقابر الجماعية، والسبب لأن حزب البعث هو حزب انقلابي، يؤمن باستلام السلطة عن طريق الانقلابات العسكرية، وليس عن طريق صناديق الاقتراع. وهذا المبدأ مثبت في نظامه الداخلي، ولذلك فقد أتقن لعبة الانقلابات وعرف كيف يحمي نفسه منها.

لقد استفاد الحزب من تجربته السابقة بعد جريمته في انقلاب 8 شباط 1963، حيث فقد السلطة بانقلاب 18 تشرين من نفس العام بقيادة عبدالسلام عارف. ولذلك، وبعد اغتصابهم السلطة للمرة الثانية عام 1968، قرروا اتخاذ كل الإجراءات الضرورية التي تضمن لهم البقاء في السلطة، وكما قال صدام حسين في إحدى جلسات مجلس الوزراء: “جئنا لنبقى في السلطة ليس لثلاثين عاماً بل لثلاثمائة عام”.
ولتنفيذ هذا العهد وضمان بقائهم في السلطة، اتخذوا عدة إجراءات نذكر منها ما يلي:
1- تخصيص حصة كولبانكيان البالغة 5% من واردات النفط إلى مالية الحزب واستثماره في شركات موزعة على نحو 24 دولة في العالم، وتحت أسماء مجهولة (Nominees). وقد قدر الدكتور جواد هاشم، وزير التخطيط في حكومة البعث في أوائل السبعينات، هذه المبالغ وأرباحها المتراكمة في حدود 40 مليار دولار لحد عام 1990. (الدكتور جواد هاشم، مذكرات وزير عراقي مع البكر وصدام).
2- اختلاق مؤامرات وهمية لصيد كل من يشك في ولائه. فكما بينا أعلاه، أن حزب البعث هو حزب يؤمن بالانقلابات العسكرية، وخبير جداً في لعبة تخطيط هذه الانقلابات وتنفيذها، لذلك راح الحزب يخطط بنفسه انقلابات وهمية من أجل جذب كل من لديه الاستعداد للمشاركة فيها، إضافة إلى اتخاذها فرصة لإعدام كل من يشك في ولائه أو يظن أنه ممكن أن يشكل خطراً عليهم أو انقلابي محتمل. وهذا ما حصل في مسرحية انقلاب عام 1969 التي أعدموا من خلالها أكثر من مائة ضابط ومدني، معظمهم من التيار القومي العروبي، بعد محاكمة صورية سريعة. (المصدر السابق، وكتاب السيد أحمد الحبوبي، ليلة الهرير).
3- إذابة الدولة في كيان الحزب، راجع كتاب (دولة المنظمة السرية- حسن العلوي) وتحويل كل أعضاء الحزب وموظفي الدولة إلى جواسيس يحصون على الناس أنفاسهم. إضافة إلى تشكيل مليشيات مسلحة مثل فدائيي صدام، وجيش القدس، والجيش الشعبي…الخ وتسييس وأدلجة الجيش النظامي، وبالأخص الحرس الجمهوري بقيادة ضباط من عشيرة صدام.
هذه الحقائق باتت معروفة لدى القاصي والداني، وإذا كانت معروفة فلماذا مازال البعض يعتقد أنه كان بإمكان الشعب العراقي التخلص من حكم البعث بقواه الذاتية.

في الحقيقة والواقع كان الشعب العراقي يائساً كل اليأس من أي تغيير. ولذلك كان هَمْ كل عراقي هو مغادرة البلاد بشتى الوسائل. ولهذا يقدر عدد العراقيين الذين غادروا العراق بين 4 و5 ملايين نسمة، ومات الألوف منهم غرقاً في البحار حيث وقعوا فريسة لمافيات مهربي البشر، وصاروا طعاماً للأسماك. ولذلك ما زلت مؤمناً بشكل مطلق أنه كان من المستحيل أن يتخلص الشعب العراقي من هذا النظام المجرم بقدراته الذاتية.

ثم يسأل الأستاذ عبدالستار: ولكن السؤال الملح الدائم الذي يفرض نفسه: ما هو الثمن الذي دفعه الشعب العراقي والمنطقة والعالم بأسره في عملية (التحرير) هذه؟

الجواب هو: بالطبع الثمن باهظ جداً، فقتل كل إنسان بريء كارثة، ولكن ما هو البديل؟ إذ كما يقول الشاعر:
إن لم يكن من الموت بد …… فمن العار أن تموت جبانا.
لقد بلغ عدد ضحايا نظام البعث من العراقيين في حروبه الطائشة نحو مليون عراقي، ومئات الألوف من المعوقين والأرامل، وملايين الأيتام، وتسبب بموت مليون عراقي آخر نتيجة عدم توفر الغذاء والدواء بسبب الحصار، إضافة إلى شنه حروب الإبادة ضد الشعب، مثل الأنفال، وحلبجة والأهوار، وتشريده نحو 4 إلى 5 ملايين عراقي إلى الخارج. كما وأحال العراق إلى أكبر مقبرة جماعية، وأكبر سجن في العالم. ولو بقي النظام البعثي يحكم العراق لعشر سنوات أخرى لكان الثمن أبشع مما جرى للعراق بعد تحريره، ولكان هناك أضعافاً مضاعفة من الضحايا الجدد على أيدي البعثيين… ولذلك أؤكد أني لو كنت في العراق، وخيرت بين أن أعيش تحت حكم البعث أو الموت، أقسم بكل مقدساتي أني أفضل الموت على العيش في ظل هكذا حكم غاشم.
أما مسألة اختيار الحرب، فلم يكن هناك خيار آخر في رأيي، إذ كما تفيد الحكمة: إذا طُلِبَ منك أن تختار بين الخير والشر، فلا تحتاج في هذه الحالة غير فطنة الإنسان السليم الطبيعي. ولكن إذا طُلِبَ منك أن تختار بين الشر والشر، عندئذ تحتاج إلى ما هو أرقى من الفطنة، أي إلى حكمة. وفي هذه الحالة من الحكمة أن تختار الأقل شراً. ولذلك فعندما أيدنا الحرب لإسقاط البعث، كنا نعرف أن الحرب ليست نزهة، وليست بلا خسائر، ولكن كنا نعرف أيضاً بأن حكم البعث بحد ذاته هو حرب مستمرة على الشعب العراقي. ولذلك تمسكنا بحكمة القبول بأقل الشرين. ومازلت عند هذا الرأي ومهما بلغت الخسائر والتضحيات.

لقد دفعت الشعوب الأوربية من أجل حريتها للتخلص من نير النازية والفاشية في الحرب العالمية الثانية نحو 55 مليون نسمة، ومئات المدن سُويَّت بالأرض. فهل ندم الأوربيون على دخولهم الحرب بسبب بشاعة الخسائر؟ علماً بأن قوات الحلفاء بقيادة أمريكا التي حررت أوربا من النازية والفاشية، هي نفسها التي حررت العراق من الفاشية البعثية. فهل نندم بسبب حجم الخسائر؟ ولو أمتنع الحلفاء من شن الحرب على النازية خوفاً من الخسائر والتضحيات، لكانت أوربا، وربما العالم كله الآن تحت حكم النازية والفاشية والعسكرية اليابانية. لقد قال ونستون تشرتشل بحق في رده على معارضي الحرب على النازية: “إذا رضينا بعار التنازلات باسم منع الحرب فسوف نجلب الحرب والعار معا.”

والسؤال الذي أود طرحه على الأستاذ عبدالستار نور علي، وغيره من معارضي “الاحتلال”، هو: من هم الذين ارتكبوا ومازالوا يرتكبون جرائم قتل العراقيين وتدمير الركائز والبنى الاقتصادية في العراق؟ ومنْ هم مفجري دور العبادة والأماكن المزدحمة في الأسواق ومواقف عمال المسطر الفقراء؟ هل هم الجنود الأمريكان أم فلول البعث وحلفائهم من أتباع القاعدة ومنظمات الجريمة المنظمة من مخلفات البعثيين؟ ومن هم الذين يعيثون بأمن البلاد فساداً؟ أليست المليشيات الدينية وعصابات الجريمة المنظمة التي تدعمها إيران وسوريا والسعودية؟ لا شك أن الجواب معروف لديكم، إذَنْ لماذا نلقي اللوم على الأمريكان ونبرئ ساحة المجرمين الحقيقيين؟

وبالمناسبة، استشهد أحد المعلقين على مقال سابق لي بقول أحدهم من النادمين على إسقاط البعث: ” أن الشعب الذي يقبل بالاحتلال هو شعب من العبيد…” وأنا أؤيد هذا القول بكل قوة، ولكن على شرط وضعه في محله المناسب، وإلا يكون وكما قال الإمام علي: (قول حق يراد به باطل). وهذا ديدن البعثيين الذين يستخدمون التراث ومقولات حق لتمرير وتبرير باطلهم. فقد ذكرت مراراً وتكراراً أن الذي لا يميز بين الاحتلال والتحرير، كمن لا يميز بين جرح يعمله مجرم لإلحاق الأذى بالضحية أو حتى قتله، وبين جرح يعمله جراح ماهر لاستئصال ورم سرطاني خبيث من أجل إنقاذ حياة المريض.

مقارنة بين الاحتلالين:
في رأيي، ورأي الكثيرين من العراقيين، أن العراق كان محتلاً احتلالاً حقيقياً من الداخل من قبل مافيا البعث لخمسة وثلاثين عاماً، والذي جاء عن طريق العسكر أيضاً، وباسم الوطنية والقومية والثورية وتحرير فلسطين، وغيرها من الأسباب الكاذبة الزائفة، ولكنهم أذاقوا الشعب أشد العذاب. لذلك تعالوا يا جماعة نقارن بين ما عمله حكم البعث الصدامي بالشعب العراقي (الاحتلال الداخلي) وما قدمه “الاحتلال الخارجي” الأمريكي لهذا الشعب.

ما قدمه البعث للعراق:
1- حرمان الشعب من ثرواته النفطية الهائلة، وتبديدها على عسكرة المجتمع وشراء الذمم في الداخل والخارج للدعاية ولتزويق وجهه القبيح،
2- زج البلاد في حروب عبثية على دول الجوار، إضافة إلى شن حروب داخلية على الشعب،
3- تدمير مزارع النخيل، فالعراق الذي كانت فيه أكبر مزرعة نخيل في العالم حيث كان فيه نحو 40 مليون نخلة، ليس فيه الآن أكثر من 8 ملايين نخلة. لقد أهلك البعث الحرث والنسل.
4- إغراق البلاد بنحو 120 مليار دولار، ومئات المليارات الدولارات من تعويضات الحروب،
5- تعطيل التنمية البشرية والاقتصادية لخمسة وثلاثين عاماً، وأعاد البلاد عشرات السنين إلى الوراء…
6- ربط العراق بقرارات الأمم المتحدة المجحفة بحقه مثل الفصل السابع وغيره من القرارات المجحفة، عقاباً له على غزوه للكويت، ومازال الشعب العراقي أسير هذه القرارات الجائرة،
7- الخسائر البشرية، قتل وتعويق وترميل وتشريد الملايين، كما ذكرنا آنفاً،
8- الخراب البشري الذي ألحقه البعث بالعراق من الردة الحضارية والتخلف وما تسبب به من الانهيار الفكري والأخلاقي وتفتيت النسيج الاجتماعي وتفشي الجريمة المنظمة… وغيره كثير من المشاكل الاجتماعية والأخلاقية، ستبقى آثارها المدمرة لأجيال قادمة… والقائمة تطول.

ما قدمه الاحتلال الأمريكي للعراق:
1- تحرير الشعب العراقي من أبشع نظام همجي عرفه التاريخ، لم يكن بإمكان الشعب التخلص منه بإمكانياته الذاتية، كما ذكرنا آنفاً ومراراً وتكراراً… ودفعت أمريكا من أجل ذلك أكثر من 4 آلاف جندي قتيل، و40 ألف إصابة، إضافة إلى 400 مليار دولار خسائر مادية. نعم، لم تقدم أمريكا كل ذلك من أجل سواد عيون العراقيين، كما يردد البعض ليل نهار، بل لمصلحتها، ولكن أليس من مصلحة شعبنا أيضاً أن نستثمر هذه الفرصة التاريخية، خاصة وقد التقت مصلحة الدولة العظمى مع مصلحة الشعب العراقي… وما الخطأ في ذلك؟
2- سعت أمريكا ونجحت في إطفاء 90% من الديون، وتخفيف الكثير من التعويضات.
3- تبرعت أمريكا بعشرات المليارات من الدولارات لإعمار العراق يعادل ما تبرعت به في خطة مارشال لإعمار أوربا بعد الحرب العالمية الثانية، كما وعقدت مؤتمراً دولياً حثت الدول الغنية على مساعدة العراق في الإعمار. وإذا لم تظهر لحد الآن آثار الإعمار فالسبب هو عدم إخلاص العراقيين في تنفيذ المشاريع، وهو جزء من الخراب البشري الذي تسبب به النظام الساقط.
4- توقيع الاتفاقية الأمنية التي تدعم أمن العراق وسلامته، إضافة إلى تقديم المساعدة لدعم وتطوير الجامعات والمعاهد واستقبال البعثات الدراسية وغيرها كثير،
5- المساعدة في بناء القوات المسلحة العراقية على أسس حديثة وحضارية، مهمتها حماية الشعب ونظامه الديمقراطي وتحريرها من عقلية الانقلابات العسكرية التي ابتلى بها العراق منذ تأسيس دولته الحديثة.
ولكل هذه الأسباب وغيرها كثير، نعتقد أن من مصلحة شعبنا بناء علاقات إستراتيجية مع أمريكا.
بالمناسبة، إن معظم الدول التي تعارض العلاقة بين أمريكا والعراق بدعوى الحرص على السيادة الوطنية العراقية، لها علاقة حميمة مع أمريكا أو تتمنى أن تكون لها مثل هذه العلاقة معها.

الاختلاف بين العراق وألمانيا:
يرفض الأستاذ نور علي أية مقارنة أو مقاربة بين العراق وألمانيا وما حصل في الأخيرة من تقدم بعد تحريرها من النازية في الحرب العالمية الثانية بقيادة أمريكا وخلاصها فيقول: “… أن هناك فروقاً كبيرة بين البلدان والشعوب من خلال تاريخها وثقافاتها وانتماءاتها العرقية والدينية ….ومن الخطأ إسقاط تجربة شعب على شعب آخر…”
في الحقيقة، هذه الحجة باطلة ويرددها كل من يعارض الاستفادة من تجارب الآخرين. نعم هناك اختلاف بين الشعوب في عوامل معينة، كما وهناك اختلاف بين المجموعات البشرية في الشعب الواحد، بل وحتى هناك اختلاف بين الأفراد في العائلة الواحدة أيضاً، ولكن هناك أيضاً خصال وصفات فطرية مشتركة زرعتها الطبيعة في البشر في كل مكان وزمان مثل: سعي الإنسان وراء المصالح، والأمن والصحة والتقدم، والبحث عن السعادة والرغبة في العيش بسلام مع الآخرين… الخ. فهل يعقل أن نقول أن دراسة الطب في بريطانيا مثلاً لا تفيد الأطباء في العراق، لأن ليس في بريطانيا أمراضاً مثل الملاريا والبلهارزيا والكوليرا والأكياس المائية وعشرات غيرها من الأمراض المتوطنة في العراق والمناطق الحارة، لأنها غير موجودة في بريطانيا؟ الجواب معروف.

أما في معرض استفادة العراق من أمريكا كما استفادت ألمانيا واليابان وغيرهما، فالفروقات بين الشعبين توجب الاقتداء بألمانيا، وتصبح من المبررات بشكل أقوى وأعم وأشمل. وهذه الاختلافات هي في الحقيقة تعطي المبررات الأقوى للعلاقة الحميمة مع أمريكا، إذ لا يمكن للبلدان المتخلفة أن تتخلص من ذلها وتخلفها إلا بمساعدة الدول المتقدمة. وهل هناك أفضل من أمريكا في هذا الخصوص؟ لذا أعتقد جازماً أنه من حسن حظ الشعب العراقي أن تم إسقاط الفاشية على يد الدولة العظمى وتم “توريطها” في هذه المعضلة، لأنه لو سقط البعث على أيدي العراقيين لكان حال العراق أسوأ من حال الصومال. فالصومال شعب متجانس قومياً ودينياً ومذهبياً، ومع ذلك في صراع دموي مع نفسه خلال العقدين الماضيين، بينما تعددية مكونات الشعب العراقي معروفة.

معجزة القرن العشرين!!
يقول الأستاذ عبدالستار نوري: ” وأخيراً ظهر علينا د. عبد الخالق حسين على شاشة الفيحاء قبل أيام ليقول بأنّ ما حدث في العراق، ويقصد إسقاط نظام صدام حسين، هو معجزة القرن العشرين!”

في الحقيقة، أني لا أؤمن بالمعجزات، وإن ذكرت كلمة “المعجزة” في اللقاء التلفزيوني السريع، كنت أقصد أن الشعب العراقي كان يائساً من إسقاط النظام بقواه الذاتية، ويعتبر إسقاطه معجزة، أي مستحيلاً. لأن المعجزة هي عمل مخالف لقوانين الفيزياء (الطبيعة)، مثل إحياء الموتى أو المشي على الماء… الخ. وقد تطرق الفيلسوف الهولندي، سبينوزا، إلى هذا الموضوع بالتفصيل في كتابه القيم (دراسة في اللاهوت والسياسة)، فقال بأن الله (الطبيعة- في رأي سبينوزا) الذي وضع هذه القوانين، فمن غير المعقول أن يخالفها بنفسه. ولم أقصد أن أمريكا خالقة معجزات، فتاريخ تدخل أمريكا بشكل مباشر أو غير مباشر لإسقاط أنظمة معروف. وقد أسقطت أمريكا حكم البعث خلال ثلاثة أسابيع فقط وبمنتهى السهولة ولا إعجاز في ذلك. لذا فما هو معجزة للشعب العراقي، يعتبر عمل سهل لأمريكا، أي لم أقصد أن أمريكا خالقة المعجزات في القرن العشرين.

على أي حال، فقد أيدني السيد نور علي بعدم إمكانية الشعب العراقي في إسقاط حكم البعث بقواه الذاتية بقوله: “يعني أنّ الشعب العراقي كان عاجزاً تماماً عن إسقاط النظام، وربما في هذا صحة”. ولكنه بعد أسطر، يعود فيقول: “لكن أسأل الدكتور حسين عن المحاولات التي جرت داخل النظام العراقي السابق لإسقاطه ومن قيادات عسكرية وسياسية من صُلبه، ومَنْ كان وراء كشفها وإفشالها في المهد؟ ألم تكن للمخابرات المركزية الأمريكية يد في ذلك؟”

نعم، كانت هناك محاولات من الداخل لإسقاط حكم البعث ولكنها فشلت لأسباب بينتها آنفاً، أما وأن نلقي اللوم على أمريكا في فشل هذه المحاولات، فغير صحيح، وهذه التهمة هي جزء من نظرية المؤامرة. فحسب أقوال قادة المعارضة في عهد صدام، أن أمريكا، وخاصة في عهد الرئيس بيل كلنتون، كانت تعوِّل في إسقاط حكم البعث على الجيش العراقي بانقلاب عسكري، وليس دخول مباشر من أمريكا. وهذا معروف لكل من واكب وشارك في المعارضة من أمثالي. أما تخلي أمريكا عن دعم انتفاضة آذار 1991، فكان السبب هو تدخل النظام الإسلامي الإيراني فيها، ورفع صور الخميني وشعارات طائفية، الأمر الذي أثار الذعر في دول الجوار مثل السعودية، بأن البديل عن حكم صدام هو نظام إسلامي طائفي على غرار نظام الخميني، وهذا غير مقبول بالنسبة لأمريكا.

أما الدعوة برفض مساعدة أمريكا بسبب ماضيها في دعم الأنظمة المستبدة، فهذا ليس من مصلحة شعبنا، لأن سلوك أمريكا المعادي للحركات التحررية في الماضي كان وفق مصالحها التي أملتها ظروف الحرب الباردة، فالأمور مقرونة بأوقاتها، كما تقول الحكمة. ومن الخطأ أن نسجن أنفسنا في شرنقة الماضي بأن نرفض مساعدات أمريكا ونقبل بالأنظمة الجائرة مثل نظام البعث الصدامي. وقد تطرقت إلى هذا الموضوع مراراً وتكراراً في مقالات عديدة وآخرها مقالي الموسوم: (السياسة بين المصالح والأخلاق)

الأسئلة الأخيرة:
ثم يوجه لي الأستاذ عبدالستار في نهاية مقاله، مجموعة من الأسئلة، من الصعوبة بمكان الإجابة عليها بشكل كاف في مقال واحد، فيقول: “وأسئلتي الأخيرة إلى الدكتور الفاضل:
((هل من الإعجاز انتشار الفساد واللصوصية والمحاصصة والارهاب حتى من القوى الداخلة في العملية السياسية؟ مَن الذي شجّع أولاً على الفساد وسرقة المال العام؟ أليس هو بول بريمر الذي اختلس المليارات من الدولارات قبل مغادرته؟ مَن الذي هرّب أيهم السامرائي وزير الكهرباء السابق والمتهم بالاختلاس؟ أين حازم الشعلان، ومشعان الجبوري، وغيرهم ؟
أين راضي الراضي رئيس هيئة النزاهة الأول؟ هل هؤلاء والآلاف غيرهم هم الثمار اليانعة الطيبة لزمن معجزة القرن العشرين؟ مَنْ جلبَ معه شركات وهمية أمريكية وغير أمريكية لتنهب المليارات؟ مَنْ جاء بشركات الأمن الغربية ورجالها المرتزقة والقتلة المحترفين ليصطادوا الأبرياء في الشوارع العامة لنزوة مرضية؟ هل هؤلاء ضمن معجزة القرن العشرين؟))

في الحقيقة كنت قد تطرقت إلى معظم المواضيع التي تخص هذه الأسئلة، والأجوبة عليها موجودة في مقالات سابقة لي، وأهمها مقال مطول نشرته على أربع حلقات جمعتها أخيراً في ملف واحد بعنوان: (الخراب البشري في العراق )، الرابط أدناه.
ولكن يكفي في هذه العجالة أن أقول أن ما يجري في العراق هو نتاج الخراب الذي أصاب المجتمع العراقي في الصميم، بسبب المظالم والقهر والجوع والإذلال والحرمان لنحو أربعة عقود من السنين العجاف. وكما قال فردريك انجلز في ها الخصوص: “لا تتوقع من شعب مضطهد أن يتصرف بلياقة”

يؤكد لنا الفيلسوف البريطاني المعاصر Anthony Grayling في كتابه (ما هو الخيرWhat is Good) عن دور الظلم في تحويل الإنسان إلى حيوان وحش، وهو ينقل عن ضحايا معسكرات الهولوكست النازية. فأحد الضحايا واسمه (Taduesz Borowiski) نجا من معسكرات أشوويتز بأعجوبة، لينتحر في عام 1951، بعد أن نشر كتاباً، ذكر فيه عن سلوك المضطَهَدين داخل المعسكر ضد أنفسهم وكيف يقضي الاضطهاد والإذلال على كل الصفات الإنسانية في الإنسان، فيقول: ” ليست هناك جريمة لن يرتكبها الإنسان في سبيل نجاته بدافع غريزة البقاء”. كما وكتب ناج آخر يدعى (Levi) فقال: “إن المعارك بين الضحايا داخل المعسكر من أجل النجاة كانت بلا انقطاع، لأن كل منا كان مستميتاً وشرساً … فكان ضرورياً أن تخنق كل عزة وكرامة وتقتل الضمير، لتتحول إلى وحش ضد الوحوش الأخرى… كانت حرب الكل ضد الكل. فكان المشرفون النازيون يجردون ضحاياهم من ملابسهم، ومن أسمائهم وهوياتهم، ويتركونهم في أوساخهم وفضلاتهم، ويجوِّعونهم ويجعلونهم في منافسة شرسة فيما بينهم على القليل من الطعام الذي يقدم عليهم”
ويعلق الفيلسوف Grayling قائلاً: “إن معاملة الإنسان بهذه القسوة وفي ظروف شديدة البؤس والسوء، كيف يمكن أن لا يتحول المعسكر إلى جحيم يفرغ الأخلاق من كل مضمون؟”.

لقد أحال البعثيون العراق إلى معتقل كبير لإذلال العراقيين، وكل هذا السلوك اللا أخلاقي من فساد وجرائم منظمة وسرقة ولصوصية وغيرها، هو نتاج الاضطهاد البعثي للشعب وسوف تبقى آثاره المدمرة إلى وقت قد يطول.
أما إلقاء اللوم في هذا الفساد وغيره من الجرائم على الأمريكان فغير صحيح، وهو نوع من الهروب عن إيجاد التفسير الصحيح للمشكلة. وبالمناسبة، الفساد هو جزء من السلوك البشري لا يمكن القضاء عليه بشكل نهائي، وهو متفش في الشعوب الفقيرة والغنية على حد سواء. وما فضيحة فساد عدد كبير من أعضاء مجلس البرلمان البريطاني إلا دليل على صحة ما نقول. كذلك يعتقد معظم خبراء الاقتصاد أن السبب الرئيسي للأزمة المالية الأخيرة هو الفساد والجشع واللصوصية.

كذلك نؤكد أن الإرهاب وقتل الأبرياء والفساد متفش الآن في الجزائر والسودان وغزة وباكستان وحتى نايجريا والفلبين، وحتى الهند لم تسلم من الإرهاب الإسلامي، فهل هذه البلدان محتلة من أمريكا؟ إن الإرهاب أيها السادة موضة العصر، وهو نتاج الفهم الخاطئ للإسلام ونشر الوهابية بالمليارات الدولارات السعودية وأثرياء الدول الخليجية الأخرى، والانفجار السكاني وسهولة الحصول على تقنية وسائل الدمار.

خلاصة القول: إنه لمن حسن حظ الشعب العراقي أن تم إسقاط البعث الفاشي عن طريق التدخل الخارجي بقيادة أمريكا والتي ليس بإمكانها التخلي عن مسؤولياتها إزاء العراق. وبدون التدخل الأمريكي لبقي البعث الفاشي يحكم العراق إلى مستقبل غير منظور، ومعه المزيد من الردة الحضارية ودمار البلاد واضطهاد الشعب وخراب الإنسان العراقي. أما الآن ومهما كان الثمن، وصعوبة الأوضاع، فهناك الأمل، وكما قيل، لولا الأمل لبطل العمل.

ـــــــــــــــــــــــــــــــ
مقالات ذات علاقة بالموضوع:
عبدالخالق حسين: السياسة بين المصالح والأخلاق
http://www.abdulkhaliqhussein.com/?news=288  

عبدالخالق حسين: الخراب البشري في العراق
 http://www.abdulkhaliqhussein.com/?news=308