الرئيسية » مقالات » نعيش .. نعيش .. ليحيا الوطن – قراءة في أدب الشعارات

نعيش .. نعيش .. ليحيا الوطن – قراءة في أدب الشعارات

لعل مفردة الموت في أدب الشعارات في العراق قد ثبتت في خلايا الذاكرة العراقية المثقلة بالألم وفقدان الأعزاء الذين غادرونا أجسادا وبقوا أرواحا وذكرى فواحة الطيب مضمخة بدمع الندى . إن أيدلوجيا الشعارات والتي قرأناها على الجدران وفي اللافتات , تطفوا فيها مفردة الموت ومشتقاتها, سمة لمعظم الأيدلوجيات المتعاقبة على حكم العراق ؛ لذا أصبحت ذاكرة الناس تحيل إلى ثنائية غرائبية بائسة فقد اقترن الموت بالوطن , والبندقية بالقلم , والقائد بالحزب وهنا يحاول كاتب السطور أن يكسر تلك الحلقة المفرغة التي تشير إلى أن الوطن يحتاج إلى قرابين من أبنائه لكي يحيا ويستمر فقد زرع حكام الوطن معتقدا مفاده أن سلب أرواح الناس هو الكفيل في حياة الوطن وخطوة نحو تقدمه وهكذا كان فالوطن بقي يراوح بل ربما يتراجع بموت أبنائه بدلا من أن يهبهم و يعطيهم الحياة ويمنحهم الأمان لكي يعطوه ويمنحوه الرقي والبناء والإهتمام, فتربة الوطن سقيت بالدماء تلو الدماء وكان حريا بهذه التربة أن تسقى بعرق الجبين لتمصته وليمتزج بماء دجلة والفرات لكي تخضر ألأرض ويتقدم العمران , إن محاولة سبر أغوار شعارات وطنية وحزبية من الصعوبة بمكان , ولربما يختلف معي البعض على لومي وانتقادي للشاعر الكبير محمد مهدي البصير(شاعر ثورة العشرين ) ومقتي لقصيدته التي أجبرنا على حفظها على مقاعد الدراسة والتي تعلم منها من أبناء جيلي استجداء الموت من الوطن والتغني به ( هب لي بربك موتة تختارها / يا موطني أولست من أبناكا ) ( ومتى بحبك للمشانق أرتقي / كي ترتقي بعدي عروش علاكا ) ( بك همت أو بالموت دونك في الوغى / روحي فداك متى أكون فداكا ) ربما تنزعج عزيزي القاريء عندما انعت هذه الأبيات بقصور فكري عند الشاعر ولعل البصير معذور وقتذاك ؛ لأنه عاش في عصر الثورات والإنقلابات المتعاقبة في العراق لكنه يلام إذ انه درس في فرنسا لسنوات وكان حريا به أن يفهم أن بقية الأوطان تمنح أبناءها الحرية والحياة والعيش الرغيد دون أن يكون المقابل المشروط الحروب والقتل وفقدان الأبناء , وتقديم الروح والدم فداءا للقادة الملهمين . إن إعادة النظر في تحليل تاريخ لمرحلة ما من الثقافة العراقية , تثير مشكلات متعددة ومتداخلة ومتراكبة ولاسيما عندما نجد أنفسنا أننا أمام اكتشاف صادم , وهو أن جزءا كبيرا من أسلافنا الذين انتقلوا إلى بارئهم مؤمنين بان الوطن لا يبقى ولا يستمر إلا بأن يقدموا أنفسهم قربانا لقائديهم وحكامهم , هم بالجملة قد خدعوا من حيث لا يدرون , وربما حادثة الطف المدوية قد جعلت الحكام يعزفون على وتر التضحيات الجسيمة التي قدمها الأمام الحسين بن علي (ع) وأصحابه من دون مقابل , لكنهم نسوا أو تناسوا أن الحسين قد زرع الحياة بموته على هذه الأرض , وكان يتمنى في داخله أن يكون آخر المضحين المظلومين من اجل الدين والوطن , عسى أن يتعظ الناس بهذا الفداء العظيم , ويقوموا إعوجاج الحكام من بعده , لكي يكون الوطن واهبا للحياة والعيش بسلام بدلا من أن ينقطع فرع يانع من العائلة , إذا كان كاتب السطور يروم شيئا من هذه المقالة , فهذا الشيء لا يتعدى كونه إنعاش فكر أو ذاكرة لتحلل وتصف لحظة محددة من تاريخ الموت العراقي الطويل والعتيد والذي رضعنا لغته ومشتقاته وأسبابه ( غير الطبيعية ) حتى بات لنا موتان ( ميتة من الله ) و ( ميتة من العبد) !! والذي نكتبه مجازا ( إثر حادث مؤسف ) وأحيانا ( عمل إجرامي جبان ) … ثمة تغييب للعوامل الحقيقية الكامنة وراء كل هذه الظواهر والتي ترتبط أساسا بالأداء السياسي العربي بتمجيده للموت من أجل الوطن ويتبعه الأداء الراديكالي الثوري للأدب الذي يمجد الحاكم وربما يختمه الأداء للخطاب الديني بتقديسه لكلمات هذا الحاكم أو ذاك والسير على ظله لأنه ظل الله في الأرض وشذ منهم من المتنورين السياسين والأدباء ورجال الدين الداعين بصوت خافت وخجول لتمجيد الحياة من أجل الوطن والذي أتمنى أن يكون هذا الشذوذ هو القاعدة التي ستكون في المستقبل للأجيال القادمة , لقد بات الوطن ( المميت ) غولا يسرق الأعزاء ويلقي بهم في بطنه ولا يشبع , حتى بات أبناؤه يــــ ( هجّوُن ) منه إلى بلاد الشتات البعيدة متلمسين العيش الهاديء بعيدا عن طلقات الرصاص ودوي الأنفجارت وتلصص المخبرين وكتاب التقارير وطلاب الفدية , وقاطعي الرؤوس ولم يتساءل أحد لماذا يتحمل الصغار أخطاء الكبار؟ ولماذا يضرس الأبناء لأن آباءهم قد أكلوا الحصرم ؟! وتأتي الإجابة من أحدهم أنه قدرنا أهل العراق ونضع علامات التعجب !!! والنقطة . إلى متى الإنسان على هذه الأرض الغبراء يتحدى ؟ وفي ظل تحدياته تلك كانت السجون والمعتقلات والتعذيب , وقطع الرؤوس ورميها في الطرقات , حتى أصبح الإنسان أرخص الأشياء وأقلها اعتبارا , فالضحية والجلاد كلاهما بقايا بشرية ؛ فالضحية البشرية فقدت عيشها كمثل بقية خلق الله في الأرض , والجلاد الذي فقد نفسه كإنسان سمته المحبة أصبح قلبه خرسانة مسلحة لا يثقب بتوسلات الضحية ودموع أمه وزوجته على الهاتف وبكاء أطفاله , نداء عاجل إلى الجيل الجديد من الشاعر والفيلسوف أبي العلاء المعري ( خلق الناس للبقاء فضلت / أمة يحسبونهم للنفاد ) .