الرئيسية » شؤون كوردستانية » ما هدف مام جلال الطالبانی من المذکرات المحبطة ؟

ما هدف مام جلال الطالبانی من المذکرات المحبطة ؟

مازلت اتابع ما ينشر من مذکرات مام جلال الطالباني في موقع الاتحاد الوطني الکوردستاني، وعلی حلقات، واليوم إفتتحت صباحي السويدي الساحر بقراءة الحلقة الثامنة، فکانت محبطة وباهتة في يوم فاتن لا يفتر من ذکر ( فبأي آلاء ربکما تکذبان ).
لاشک أن المذکرات برمتها، وخاصة حينما تقع بین دفتي کتاب، یتعرض إلیها الکتاب والخبراء والمطلعون والمعاصرون لصاحبها، بالتعلیق والإضافات والتصحيحات والترمیمات والترقیعات، کل في مجاله‌، فالذاکرة قد تخون والفکر قد يشیخ، وبالتالی يتعرض الإنسان للنسيان سواء عاش في الأرض أو سکن المريخ. وکاتب هذه‌ السطور، قد يکون من المعاصرين الملمین بالثورات والإنتفاضات والإنتکاسات والرجات الکوردية، بدءا بثورة أيلول ومرورا باتفاقیة آذار والأنفال ومذبحة حلبجة والانتفاضة الملیونیة، وإلی الیوم. إضافة لکونه‌ قارئا ودارسا للتطلع الکوردستانی العتيق، الذي يتمثل في تحقيق الحلم الأصيل في بناء کیان کوردستاني يرضی عنه‌ الکورد، ويسعدون به‌، کحال بقية الشعوب التي أصبحت أحلامها وقائع، وما دول الإتحاد السوفیاتي القوي التي إستقلت ببعیدة عنا، ودول البوسنة والهرسک والألبان ومقدونیا کانت أمنیاتها أحلاما أو أحلامها أمنیات کذلک، إضافة إلی کونها لم تناضل مثلما ناضل شعب مام جلال و ضحی، سواء عند العشیة أو في الضحی.

يصرح مام جلال للسید معد فیاض مراسل ومحاور جريدة الشرق الأوسط، حول الحلم الکوردي في إقامة دولته‌، بقوله‌ : ” أنا أتحدث مع شبابنا الکوردي المتطرف الذين يطالبون اليوم بدولة مستقلة، فأقول تصوروا أننا أعلنا الإستقلال وعندنا حکومة وبرلمان، وتخيلوا أن الدول المجاورة لنا إذا لم تحاربنا، وهذا مستحیل، لأنها ستحاربنا إذا أعلنا الإستقلال، فانها علی الأقل ستقطع علاقاتها معنا وتحاصرنا، فکیف سنعیش، وماذا سنستورد وسنصدر؟ سيقطعون حتی المیاه‌ علینا ولا يتمکن أحد من الوصول إلی مناطقنا.. إذن فکرة الإستقلال عبارة عن خيال، خيال جمیل “. أنا ، حينما يتکلم مام جلال، أستعیذ بالله‌ من زخرفة أقواله‌ وسقطاته‌، ومن ترعیبه‌ للکورد اللذين يخشاهم الرعب، ومن إلقاء الکلام علی عواهنه‌ بلا روية، من دون إلتفاتة للماضی، أو قراءة للحاضر، وبالتالي من دون إستشارة أحد، سواء في أربیل أو آمد.. لأن وصفه‌ طموح الشباب في أن تکون لهم دولة، أضغاث أحلام وتوافه‌، أو تطرف وإرهاب، يدل علی أن مام جلال أصبح خارج تأريخ وجغرافية شعبه‌، وبات منغلقا علی نفسه‌ وکرسيه‌ الفاني الذي سيصبح بعد أشهر خبرا في محفظة التأريخ لیس إلا.. وما الإنهیار الحاصل في الإتحاد الوطني الکوردستاني وتشعباته‌، ومغادرة أعضائه‌ وأنصاره‌ زرافات ووحدانا إلی شعاب الأحزاب والتجمعات الاخری، إلا ثمرة مرة من ثمار إختلال التوازن في هورمونات تصريحات ومواقف مام جلال تجاه‌ قضايا جد حساسة.

لو کانت الحجج التي يتذرع بها مام جلال لإسکات تطرف الشباب، بل إحالتهم إلی مستشفی الإحباط والأعصاب، واقعیة ومقبولة وصحیحة، لما تجرأ شعب علی ظهر البسيطة علی النضال من أجل الإستقلال، لیس الکورد فحسب.. ثم هل قصرت الحکومات والأنظمة تجاه‌ الکورد، حتی نستصعب قطع علاقاتها معنا، أو محاصرتنا، أو نقلق علی الواردات والصادرات، أو قطع المیاه‌؟..فهل ما ذکره‌ مام جلال من محاذير ومخاطر من حتی التفکیر في (حق الحلم في تشکیل دولة کوردستانیة ) يفوق ما تجرعه‌ شعبه‌ من أهوال الأنفال وحلبجة والتهجیر والتدمیر والتعريب؟ ألیس وجوده‌ علی سدة الحکم من ثمرات کفاح الکورد وصمودهم خلال قرن، أمام کل أشکال المقاطعة والصراع ؟ ثم أليس في بقاع ( قنديل ) عبرة لمن یخشی أن تسد علیه‌ الأبواب، وتنقطع به‌ السبل من الباب إلی المحراب.؟ وماذا يقول عن شعب غزة الذي یعيش علی ما تجلبه‌ الأنفاق من الآفاق، ولیس أصدقاؤه‌ أرحم من العدو الذي لا يرحم حتی الطفل الرضیع أو الشيخ المشلول أو المرأة النفساء، مع کل ‌هذا وذاک أثبتوا للعالم بأنهم شعب لا يضاهیه‌ شعب، في الصمود والمواجهة والمقاومة لاسترجاع الحق الذي نهب.؟ ألم يتسن له‌ يوما لیهاتف السيد إسماعیل هنیة رئیس الوزاراء في غزة، مستفسرا عن عزيمته‌ وجبروته‌ بعد أن أصبح هو وشعبه‌ تحت رحمة قوات أقوی وأذکی وأظلم وأشرس دولة في المنطقة، وهي إسرائيل التي دکتهم دکا، ناهیکم عن مؤامرات الأقارب العقارب.؟

کنا نتوقع من مام جلال وهو يترک کرسي الرئاسة الذي منحه‌ إياه‌ شعبه‌، أن لا يغادرهم وهو يطعمهم الیأس ويجبرهم علی الرضا بالقعود والخنوع والحبوط في عراق صار أقرب إلی تبني قانون المحافظات منه‌ إلی الفدرالیة، من دون شروط أو عهود.. بأقواله‌ هذه‌، سن مام جلال سنة سيئة لمن يخلفه، وسترفض الأجیال الکوردية من بعده‌ بدعته‌ التي تمثل صفحة سوداء من تأريخ زعیم أهان شعبه‌ بمذکرته‌ المحبطة ومواقفه‌ المخذلة، بعد أن إختاره‌ وأحسن ظنه‌ به‌. بتأريخ 1142005 نشر العبد الفقير ـ کاتب هذه‌ الأسطر ـ مقالة بعنوان ( أنا خائف من رئاسة الطالباني..! ).. لعل إیراد بعض مقاطعها تصبح بمثابة ذکری للمؤمنین : ” أنا خائف.! لأنني أخشی أن يتحول تسلم المناضل جلال الطالباني لرئاسة الدولة التي لم يذهب هو إلیها، بل هي أقبلت علیه‌، بدعم وأصوات شعبه‌ وقيادته‌ وجدارته‌ الشخصية التي تتمیز بالکاريزما..نعم أخشی أن يتحول إلی منة يمنون بها علی الکورد قائلین ضمنا أو علنا : ماذا تريدون بعد، ألا ترون أن الکوردي أصبح رئيسا للجمهورية ؟ وکأن تنصيب هذا الزعیم الکوردي أو ذاک لهذا المنصب الکبیر أو ذاک، هو أقصی ما يتمناه‌ الکورد، ولا يتعدی إلی تحديد مصير کوردستان ومستقبل أبنائها‌ السياسي.

أنا خائف .! لانني قلق على أن هذه المرحلة ربما تكون كسابقاتها خطوة مسكنة وحبوباً مهدئة او منومة، يعقبها او يكتنفها النكول عن كل العهود والمعاهدات التي ابرمت بين الكورد والاطراف الوطنية الاخرى، وبالتالي تعود الامور الى خانة الصفر، ويكافأ الكورد و يُجزون جزاء سنمار… وتصبح الحقوق الكبرى التي اريقت من اجلها دماء مئات الالوف من الكورد، صائرة الى نفق الحقوق الثقافية والادارية المقتصرة على حرية اللغة والدراسة بها او كون المدراء والامراء من الكورد، وتُهدى الى الكورد فدرالية المحافظات او الحكم الذاتي ( وكأن الحقوق منحة او هبة ! )، وتدفن بالتالي كل الآمال العظام تحت مظلة أن رئيس الجمهورية العراقية كان في يوم ما كوردياً “.

2009/8/16