الرئيسية » مقالات » الصحافة لاتكذب ..فلا توئدوها!؟

الصحافة لاتكذب ..فلا توئدوها!؟

كتب ” رونودو” عن الصحافة حينما اصدر الطبيب الفرنسي” لويس فندوم ” اول صحيفة ” اسبوعية ” عام 1631م :
“إذا كان التاريخ هو الذي ينشيء الأحداث ، فان الصحافة هي صدى هذه الأحداث ، وهي لا تكذب ، إلا إذا نقل إليها خبرا كاذبا ، وعلى الملوك والأمراء ، أن يتركوا لها حرية المرور ، والانتشار ، تدعيما للحريات ”
ومن المعلوم ان صحف الرأي ظهرت ، مع تزايد الجدل ما بين السياسة والدين في اوربا، وظهرت معها الرقابة على المطبوعات ، خاصة من قبل الكنيسة التي كانت لا تزال تسيطر على ادارة مؤسسات الحكم في أوربا في القرن السادس عشر، مابين أعوام ( 1524- 1586). وعندما صدر العدد الأول من جريدة الزوراء ( اول جريدة في العراق ) في 16 حزيران 1869 بعد مرور شهرين على تعيين مدحت باشا واليا على بغداد . وهي صحيفة رسمية أسسها ورأس تحريرها الكاتب أحمد مدحت أفندي . وتولى رئاسة تحريرها بعده عزت الفاروقي وأحمد الشاوي البغدادي وطه الشواف ومحمد شكري الآلوسي وعبدالمجيد الشاوي وجميل صدقي الزهاوي.واستمرت بالصدور لمدة 49 عاما صدر خلالها 2606 عددا .وتوقفت عن الصدور في 11 آذار 1917 بعد الاحتلال البريطاني لبغداد .
اهتمت (الزوراء ) بنشر أخبار تتعلق بالشؤون الداخلية والخارجية بالدرجة الرئيسية إضافة الى نشر الفرمانات ومقالات في الشؤون الثقافية والسياسية والصحية . كما اهتمت بانتقاد ظاهرة الفساد في أداء الإدارات الحكومية. (نصرت مردان ـ موسوعة تركمان العراق)
في كل دولة مستبدة او حركة متطرفة او حزب متشدد هناك جلاد للفكر يعتمد عليه ـ الطاغية !ـ المتحكم بالدولة او الحزب او الحركة..ويرتبط اسمه بقمع الحريات وتكميم الافواه وتضليل الراي العام..ويقود هؤلاء القامعون والمضللون جيوشا من مسوقي ومبرري الاستبداد..
وفي الطرف الاخر يقف شهداء حرية الرأي..وسوف لن نذهب بعيدا عن مقابر العراق..التي تحتضن شهداء حرية الراي والتعبير من النساء والرجال من الوطنيين والشيوعيين والقوميين ( من العرب والكرد والتركمان والكلدواشوريين والفيليين ) ..ومن الاسلاميين والمسيحيين والصابئة والايزيديين ….
الذين أُزهقت ارواحهم بعد ان أُزهقت روح حرية الفكر والتعبير والراي ..
وعندما تخلى المجتمع عن حقه في فضح ومعارضة الاستبداد “الفكري” ورفض الباطل المدجج بالتضليل والبارود والمال القذر..
وحينما خَفَتَ صوت الناس الرافض لإحتقار وتهميش متوحشوا السلطة للعقل والابداع الفكري..
وحيثما تخلى الاعلام عن دوره المعارض البنّاء في تعرية اعداء الحرية وخصوم الثقافة ومضللوا المحرومين ومبغضوا التمدن وسارقوا ازمنة الطفولة والشباب!
كان السناتور “مكارثي” كأس السم الذي اجترعته الثقافة الامريكية التقدمية والخنجر الذي طعن حرية الفكر في النصف الاول من القرن الماضي وامتد وباءه الى كل بقاع المعمورة التي دنستها ” فرق السلام ” الامريكية التي نفثتها الـCIA في جسد الثقافة خاصة في البلدان المتخلفة ومنها بلادنا .. تلك المكارثية التي لم تبرأ منه الثقافة ـ خاصة السياسية ـ الامريكية..وبعض سياسيي بلداننا الى اليوم..
وفي المانيا في النصف الاول من القرن الماضي كان غوبلز خنجر النازية في ظهر حرية الراي ..غوبلز المذعور من الراي الحر ومن كلمة “ثقافة”..كلما سمع بإسمها “يضع يده على مسدسه”!
وفي فترة الدكتاتورية كان تحت جلد كل عراقي كاتم للرأي..وفي كل بيت مقصلة للحرية..بحيث يتعذر على المرء ان يذكر كتيبة قمع وينسى كتائب موت..فيلومه الشهداء!
واليوم يدب الدفء في الرِمَم الكامنة بجحور التكفير للالتفاف حول عنق الحرية النسبية التي انتجتها مرحلة ارتخاء قبضة الدولة المستبدة..نتيجة تفكك الدولة الدكتاتورية المستبدة وإصطناع المحتل لدولة المحاصصة الهَشَّة..
وحولنا محيط من الدجل المعبأ بالوعيد الدموي..وجيوش من وعاظ السلاطين..وليل طويل من الممنوعات..وسيوف لاتهدأ للاقتصاص من صوت الحرية!
لانهم يخشون الكلمة الحرة والصوت الشجاع والغبش الذي يبدد ليل التخلف!
فالصحافة تعني الحرية والحرية..وعاء الفكر..ورحم الثقافة..وقبلة المبدعين..
في النصف الاول من القرن الماضي..قبل ان يولد شاحذوا سيوف ذبح الحرية اليوم..
خاطب الرصافي الكبير الحرية:
أحريتي إنني اتخذتك قبلة أوجهي وجهي كل يوم لها عشرا
وأمسك الركن مستسلما وفي ركنها استبدلت بالحجر الحجرا
إذا كنت في قفر تخذتك مؤنسا وإن كنت في ليل جعلتك لي بدرا
وإن لامني خطب ضممتك لاثما فقبلت منك الصدر والنحر والثغرا
وإن لامني قوم عليك فإنني لملتمس للقوم من جهلهم عذرا
وصحفيوا العراق اليوم من النساء والرجال..من الخارجين من قرارة الضيم ومن سعير القمع..هم منشدوا ..ترنيمة الرصافي:
أحبُّ صراحتي قولاً وفِعـلاً وأكرهُ أن أَميـلَ إلى الرِّياءِ

ولستُ من الذين يَرَون خيراً بإبقاء الحقيقة في الخَـفاءِ
فان لم تكن الصحافة رفضا للتخلف وانبثاقا للتغيير في قرارة التغيير …ومشكاتا للتنقيب عن مفاسد السلطات ..وصوتا للمقموعين..وشرفة تطل على المستقبل..وواحة للمعرفة..وأُفقا واسعا للتنوع والتجدد والارتقاء..
لن تكون إلاّ طبلا يرقص على قَرعِه “حوشية ” أمراء الطوائف والأقوام المحروسين بـ “عناية الجن” و” دبابات الإنس”!
والصحافة في العراق ..منذ بزوغ صفحاتها الاولى ..كانت ومازالت واحة الثقافة وموئل المثقفين…حيث يستحيل على المستنطق لأزمنة الصراع من اجل الحرية ..ان يجد مثقفا لم ـ يبتلي ـ بالسهر في الصحافة ..ولم يجد صحيفة لم ترتوي من نسغ الثقافة!
فهما كعاشقين..لايولد الحب الا بكليهما..
لهذا كان غيض المثقفين لسهم اصاب الصحافة..وغضب الصحافة على قمع الراي كمُنتَج للثقافة..لان ذوو النظرة الواحدة للحياة ..ودعاة الصوت الواحد ( المعصوم من الخطأ)..لايدركون قانون الكون والحياة والفكر ..كما ادركه شاعرنا الخالد احمد الصافي النجفي ..يوم صدح:
تناقضت الأفكار عندي كأنما أنا جمع أشخاص وما أنا واحد
أرى كل فكر حل عقلي بوقته صحيحا وفكر وقته مر فاسد
فكم ذرة تفنى وتولد ذرة بجسمي كما تحيا وتفنى العقائد
فلي كل حين مأتم وولادة وشخصي مولود وشخصي والد
عندما سيق الكاتب الفرنسي الشهير (فلوبير) الى المحكمة اثر صدور روايته التغييرية(مدام بوفاري)..كانت السلطة بكل طغيانها واسلحتها تضيق بها قاعة المحكمة ..وكانت الثقافة ممثلة بالروائي الكبير (اميل زولا )..تدافع عن فلوبير..
صرخ القاضي بإحتقار بوجه (زولا):
ـ من أنت؟
أجاب زولا:
ـ أنا رجل سيذكره التاريخ..أما أنت, فلن تُذكر الا في سجلات هذه المحكمة!!