الرئيسية » مقالات » الفرد الحر..وثقافة التقليد

الفرد الحر..وثقافة التقليد

من المناطق التي ليس من المستطاع التحرك فيها الا تحسسا..هي المنطقة شديدة العتمة التي تمثل التقاطع المسكوت عنه في ثقافتنا العربية الاسلامية ما بين الفردية كحرية وسلوك مستقل وما بين الشمولية المجتمعية..

فبلا طول تمعن.. يمكن للمرء ان يلاحظ بسهولة ان مجتمعاتنا تقدم صورة فائقة السلبية للفرد ..وتسرف في تخليق الكوابح المعنوية التي تعيق انبثاقه وتكونه كعنصر فاعل وبنية مستقلة في المجتمع.. مما يمكن معه اعتبار التثاقل المر والعطالة والتباطؤ الذي يدمغ المجتمع العربي المعاصر نتيجة حتمية لقوة الآليات والاشتراطات التي تخنق الدوافع الفردية من التخلق والنماء وتحكم الوثاق على حركتها الطبيعية..

فالفرد في مجتمع بتصخر وتقليدية ورسوخ مفاهيم وقيم مجتمعنا يتخلى تماما عن وجوده الفعلي المباشرويخضع للاعتبارات القيمية السائدة للمجتمع متشكلا بصيغة اقرب للتلقي الكامل المستنام للمفاهيم والتصورات وثقافة التقليد والمثل التي تفرضها المنظومة الاجتماعية..

وثقافة التقليد هذه هي الثقافة المعول عليها لادامة مبدأ التوحد والجماعة والامة الواحدة..وهي الثقافة التي تتصدى للتعبير عن ماتراه صالحا للامة ومن ثم –وبالضرورة – للفرد..وهذه الثقافة تعد الفردية كنوع من التمرد والتبديع والخروج على الاجماع الذي يحفظ للامة كيانها..

اي انها ثقافة وعائية مقيدة ومحاصرة للفرد ولمحاولاته نحو تاسيس استقلاليته الفكرية والاعتقادية والتخيلية عن السائد المجتمعي الراهن..

وبالرغم من ان النضال من اجل الفردانية يعد احد اهم الاشتراطات المفصلية التي مهدت الطريق امام النهضة التحديثية الكبرى للمجتمعات الغربية في عصور التنوير والانبثاق.. مثلما كانت مقولة حق الفرد الواحد الاساس الشرعي والاخلاقي لقيام النظام التعددي الديمقراطي الحر..نجد انتشار وتغول ثقافة التقليد في مجتمعاتنا العربية، وترسيخها في الوعي الجمعي للامة..وتمددها في كثيرمن المجالات الحياتية للمجتمع..من اهم العوامل التي ادت الى تخلفنا المذل عن ركب المجتمعات الحديثة

وكقوى متصدية لمهمة تحديث المجتمع..يتوجب على جميع الفعاليات التنويرية العمل على تهيئة الارضية المناسبة لانشاء الدولة الوطنية التي تحقق امكانية تحويل الانتماءات القبلية او العشائرية او المعتقدية الى الانتماء الوطني الشامل والجامع الارحب.. وفصل المفاهيم الدينية والفلسفية والايديولوجية عن السياسة العامة للدولة ..وتاكيد مبدأ المواطنة واحترام حقوق الانسان..واعتماد الفردية كقيمة اساسية عليا ” يكون فيها الفرد نواة النظام الاجتماعي، وكيانا يتمتع بقدر من الاستقلالية وبعدد من الحقوق والحريات التي تشكل أساس هذه الاستقلالية “..

ومع الايمان العميق بان عملية كسر قيود الفرد واطلاق سراحه من غياهب الشمولية مهمة قد لا تكون باليسر الذي تبدو عليه..خصوصا مع ارتفاع اسوار المتحجرات الثقافية في مجتمعاتنا العربية..وصعوبة تقبل مبدأ الحرية الا على اساس انها نوع من الاستهتار والتهتك والمروق من الدين ..ولكن يبقى الهدف الذي توفره مسيرة بعث الفرد الحر الفاعل..هو الضمان الاعلى في توفير الديناميكية اللازمة لايلاج المجتمع في سيرورة الحداثة والتطور وتكريس البناء الانساني المدعم باساس انتمائي عميق وحر يمنع عملية البناء الاجتماعي من التقهقر نحو ظلام التشرذم والضياع..