الرئيسية » المرأة والأسرة » منافاة الجندر (الميدان: ممارسات طلائعية)

منافاة الجندر (الميدان: ممارسات طلائعية)

يمارس فعل التنميط ومنح الأدوار الاجتماعية على أسس متعارف عليها حسب القوانين الاجتماعية، رغم قلة ملائمتها للحاضر المعاش، على نطاق واسع ولا يتوقف هذا التنميط عند حدود التصرفات اليومية بين الأشخاص العاديين بل يتعداه إلى أكثر الفئات الاجتماعية قدرة على أن توصف بالمتعلمة والمنفتحة على كل ما هو حقوقي وقانوني وإنساني وحضاري بالتالي، لأن مجتمعنا ما زال كلا متكاملا لا يمكن الفصل بين أطيافه من حيث الاختلاف في التمسك بالعادات والتقاليد والاحتماء بها والدفاع عنها بل وتكريسها في المجتمع عبر التصرفات والنماذج السلوكية المختلفة.

وتأتي الحادثة التالية في صميم التعامل على أساس خاطئ لتوزيع الدور الاجتماعي الذي يتم على أسس مأخوذة من الموروث، فحين قدمت التلميذة الصغيرة (شيرين) والتي كانت تدرس في الصف الخامس الابتدائي من المعسكر الطلائعي، الذي أقيم في مدينة الحسكة، سألتها عن رأيها في المعسكر وعن النشاطات التي قاموا بها هناك، ففوجئت بأن المدرسين قاموا بالتمييز بين الذكور والإناث في المجموعة التي لم تكن تضم سوى ثلاث فتيات، ففي النشاط الخاص بأخذ التلاميذ إلى المسبح قالت شيرين، المتحسرة إلى حد كبير :”لقد سمح للذكور فقط بالسباحة، أما نحن الفتيات فلم يسمحوا لنا بممارسة هذا النشاط لأننا بنات” مع العلم أنها تجيد السباحة أكثر بكثير من غالبية الصبية الذين كانوا معها.
هنا أدركت مدى الخطأ الذي نرتكبه منذ الصغر بحق هؤلاء الأطفال الذين نعلمهم منذ نعومة أظافرهم على التمايز على أسس تعتمد الذكورة والأنوثة والعامل الاجتماعي كأساس وعامل حاسم، دون محاولة ردم الهوة بين الجنسين من حيث التفريق وإعطاء حقوق للذكر أكثر منها للأنثى، فكيف ستستطيع هذه الفتاة الصغيرة أن تتخلص أولا من عقدة النقص التي ستحيلها إلى عدوة للرجل للحصول على مكانة موازية لمكانته؟ وتتخلص ثانيا من العبء الملقى على كاهلها اجتماعيا وهي مازالت في تلك المرحلة العمرية الأولى؟.
إن الوسط الذي جرت فيه هذه الحادثة هو وسط من المفترض به أن ينتبه إلى ما ستؤدي إليه أمثال هذه التصرفات مستقبلا، وكيف ستؤثر على سلوك الطفل وعلى المجتمع بأسره لاحقا، ويجب على المدرسين، الذين افترضوا دقة وصحة هذا السلوك، الانتباه إلى الحالة التمايزية التي كونتها هذه العملية، وبالتالي أفقدت كل العملية التربوية والحدث التربوي المسمى بمعسكر من مضمونه الحقيقي في التوحيد بين طاقات الأطفال في العمل سوية والعيش واللعب سوية على أسس سليمة وقيم تشاركية تكفل التعامل بين فئتي الذكور والإناث بأريحية خلال ما هو آت من زمن.
يقول أحد المسنين:”لقد كنا قديما نسبح مع بنات القرية الكبيرات في السن وهن كما نحن عراة تماما دون أن يثير ذلك فينا أية غريزة غير مرغوب فيها، أو يدفعنا إلى أي سلوك طائش لأننا كنا نتعلم في البيت أصول احترام الآخر بغض النظر عن جنسه وعدم التفريق بين الجنسين على أي أساس سواء بيولوجيا كان أو اجتماعيا”نعم إن هذه الحالة التربوية ومع أنها قديمة زمنيا إلا أنها تبين مدى أهمية التربية على أساس عدم التفريق بين الجنسين في تكوين مجتمع سليم ومعافى من هذه الأمراض التي نكونها ونشكلها نحن عبر أسس تربوية تتضمن التفريق بين الجنسين وتحذير كل جنس من الجنس الآخر وزرع حب التميز لدى الذكور وحب الخضوع والخنوع لدى الأنثى، وهذا ما يولد أفعالا ارتدادية، وأعمالا انعكاسية تعود بالضرر على المجتمع بأسره.
وإذا لم نكن قادرين الآن على طرح فكرة تدريس الأسس الجندرية في مدارسنا فيجب على مدرسينا والطاقم التربوي الأخذ بالحسبان كل هذه الأسس التربوية التي تنتمي لمبادئ الجندر الهادف إلى المساواة بين الجنسين للوصول إلى حالة من التشارك بين الجنسين تؤدي إلى التنمية الحقيقية للموارد وعدم حجب المشاركة عن أي من الجنسين، ويجب أن يتحلى هذا الطاقم بقدر من الاستقلالية عن ما هو بائد من عادات وتقاليد اجتماعية والانتقال بالوسط الطلابي إلى حالة مغايرة عبر زرع بعض الأفكار القادرة على تقبل كل جنس للآخر ومعرفة وإدراك حقوقه كاملة لكي تكون هذه الحالة بداية لجيل مشبع بأفكار تمهد لمجتمع جديد تنتفي فيه الفوارق على أسس واهية بين الذكر والأنثى.
لم تكن شيرين الطفلة الوحيدة التي تعرضت لهزة في صميم أفكارها الفطرية عن المساواة بين الجنسين، بل إن هذه الحالة هي نفسها التي تتعرض لها كل التلميذات في مدارسنا، فحين يلعب الذكور بكرة القدم في حصص الرياضة تقدم للتلميذات بعض الحبال للعب، وحين تأتي حصة الموسيقى يغني الذكر وتستمع الأنثى، وحين يصطف الجميع خارجا يفصل بين صفوف الفتيات وصفوف الذكور، وحين يجلسون على المقاعد تخصص بعضها للذكور وأخرى للإناث، وحين وحين… وحين… ،تلك السلسلة غير المنتهية من الممارسات التربوية التي تكرس الفصل بين الجنسين وتدرج الأنثى في المرتبة الثانية وتعوض عن المرتبة الأولى بمنحها صفات النعومة التي تقتل فيها دائما حب اللحاق بركب الذكر، وتغرز في نفوس الفتيان غرور التفاضل في المنزلة على ضحيته وضحية العادات والتقاليد التي لم نستطع إلى الآن تكريسها لخدمتنا بل هي التي تكرسنا لأجل عودتنا للوراء والالتصاق بها دوما.

مجلة ثرى – العدد 194 تاريخ 15 8 2009 – السنة الخامسة