الرئيسية » الآداب » حرب وسجن ورحيل -31

حرب وسجن ورحيل -31

مرت أربعة أشهربكل بثقلها وطول لياليها وما صحبها من قهر وامتهان لكرامة الأنسان بشكل صارخ لم أعهد وطأته وتعسفه ألا عندما حبست في ذلك المكان ولاشك أن من أصعب مايقع على الأنسان هو عندما تمتهن كرامته ويرمى في سجن ترفضه حتى الحيوانات لو نطقت وهو بريئ لم يرتكب جرما ولا يعرف نهاية لمحنته كما ذكرت في حلقات سابقة وكانت الأمور تزداد سوءا بعد سوء داخل السجن.

في أحد المساءات وبينما كان السجناء قابعين داخل ذلك القبو حدثت جلبة في باحة السجن وفي الممرات كان ذلك في نهاية تشرين الثاني عام 1986 حيث تعالى صياح الشرطه فانتفض السجناء ومدوا أعناقهم من خلال الشبابيك الحديديه لمعرفة مايحدث وبعد حوالي النصف ساعه دخلت مجموعات من أشخاص كبار السن بملابس كردية رثة وهم في حالة يرثى لها وكأنهم أخرجوا من تحت أنقاض بنايات سقطت عليهم أو كأنهم بقايا بشر من شدة ضعفهم وهزالهم وشحوب وجوههم التي تنطق بمأساة كبرى تعرضوا لهاحيث أجلسوا في ممرات السجن كالأسرى تحت حراسة الشرطة المشددة من جميع الجهات ريثما يجدوا مكانا لحجزهم . كان بعضهم لايكاد يمشي ألا بالأتكاء على كتف صاحب له هو الآخر يحتاج الى من يتكئ عليه والبعض الآخر يسعل سعالا شديدا والبعض الآخر يعاني من عوق جسدي واضح وظل السجناء يرقبون الموقف فقال أحدهم ( يمكن هذوله أسرى أيرانيين ) فأجابه الآخر ( يابه هذوله ميكدرون يحركون أديهم هذوله مستحيل يكونون أسرى أيرانيين واحدهم تنفخ عليه يموت ) ألى أن حسم الموضوع صوت شرطي من الخارج ( خايبين هذوله بيشمركه راح يصيرون خطاركم !!!) وقد انكشف الموقف وتبين أنهم أكراد من قرى ومناطق السليمانية وأربيل ودهوك وأنهم آباء وأجداد لشباب أكراد منخرطين بقوات البيشمركه و متهمين بمحاربة الدوله فاستبيحت قراهم وتم سلبها ونهبها وألقي القبض على ماتبقى فيها من نساء وشيوخ وأطفال حيث تم نقلهم ألى سجون المناطق الجنوبية من العراق في الديوانية والناصرية والسماوة والبصرة وواسط كمحجوزين وكان نصيب محافظة واسط 120 شخصا وحوالي 20 أمراة نقل رجالهن ألى محافظات أخرى حيث تسجن المرأة في مكان غير المكان الذي يسجن فيها زوجها حتى لايرى بعضهم الآخر ولو من بعيد وهذا الأمر كان صفة ملازمة لأجهزة الأمن الصدامية التي يطالب البعض اليوم بأعادتها وزجها في قوى الأمن الداخلي !

وقف عدد من الشرطة أمام الباب الحديدي للقبو الذي نقبع فيه ليدخلوا عددا من السجناء الأكراد فيه وكان المكان لايسع لشخص واحد من شدة أزدحام السجن وبادر شرطي بالقول ( أجوكم عمامكم خطار يمكم حركوا نفسكم وسوولهم مجين ) يعني حاولوا أن تجدوا لهم مكانا !!! فأجابه سجين ( يابه الخاطر الله أرحمونه شويه قابل أحنه حيوانات تعال طب جوه تكدر أتظل ساعه هنا ؟) فأجابه الشرطي ( راح يطبون مثل ماأنته طبيت لو صاير خوش آدمي جاماأجيت هنا ) وبعد الجلبة والصياح والأحتجاجات من الداخل حضر جواد الحركاني مدير السجن وبعض ضباط الأمن ومعهم مسلحون مدنيون وتم زج العدد الأكبر منهم في تلك القاعة الخلفية التي بناها السجناء بالسخرة وبقي ثلاثون شخصا منهم جاءوا بهم ألى القبو الذي نقبع فيه ووقف جواد الحركاني وهو في قمة غروره وعنجهيته وقد رفع توا ألى رتبة عقيد شرطه وقال مخاطبا السجناء بالحرف الواحد ( هذوله 30 شخص راح يدخلون هنا وأريد رجال يحجي ويكول ماأقبل والله لو جابتلي الحكومه ألف واحد أخليهم واحد فوك اللاخ هذا سجن مو بيت اللى خلفكم سمعتوا زين ؟ ) ولم يجبه أحد وتم أدخال أولئك الشيوخ المساكين علينا بملابسهم الرثة البالية دون أي اعتراض من أحد . فازداد الأزدحام بشكل لاتطيقه حتى الحيوانات وبلغت الروائح الكريهة ذروتها وقد تقيأ البعض على زملائهم رغم أنهم ألتصقوا بالجدران وظلوا واقفين لفترات طويلة وكثرت الأحتجاجات على الوضع داخل السجن ولكن بعد ذهاب جواد الحركاني !. كان البعض من أولئك الشيوخ قد بلغوا الثمانين من العمر وأغلبهم مصابون بأمراض مزمنة كالسكري وأمراض القلب وضغط الدم والألتهاب الرئوي وهم بدون أدويه وقد طلبوا من الشرطة أن يجلبوا لهم الأدوية لقاء بعض المبالغ التي كانوا يحملونها في جيوبهم وقد تبادر ألى ذهني أذا كان حال هؤلاء الشيوخ المساكين هكذا وهم لم يرتكبوا ذنبا ويشك في ألتحاق أبنائهم وأحفادهم بقوات البشمركه فكيف حال السجناء السياسيين الرافضين لحكم البعث الفاشي وكيف حال السجون الأخرى التي تم الحكم على أصحابها المعارضين لتلك الدكتاتورية الهمجية الرعناء هذا مادار بذهني في تلك اللحظات حيث شهدت فيها منتهى الظلم والقساوة والوحشية من جلاوزة ذلك النظام .

بعد مرور عدة أيام حدثت بيني وبين البعض منهم صداقه وبعد أن عرفوا أن قضيتي شبيهة لقضاياهم وهي هروب أبني ألى خارج العراق بدأوا يقصون لي قصصا تشيب من هولها الولدان بعد أن تم الهجوم على قراهم و صودرت المواشي والأبقار والحاجيات بعدها تم أحراق القرى التي يسكنون فيها ووضعوا في سجون مؤقتة وهي عبارة عن زرائب الحيوانات التي صودرت تحت حراسة العسكر ومات العديد من الأطفال والنساء هناك وتم دفنهم بالشفلات من قبل الجيش وتم الفصل بين الأسر وقال لي أحدهم لقد أستشهد أبنائي الثلاثه في قادسية صدام ويقولون لي أن لك أبنا رابعا يحارب في الجبل فلابد له أن يأتي ويحارب (الفرس المجوس) كما حارب أخوانه وأذا لم تستطع أقناعه فأنك ستبقى رهينة عند الدولة ريثما يأتي أبنك الرابع ويسلم نفسه !!! وقد أقسم بأنه لايعرف مصير أبنه الرابع ولا مكانه ولكنهم لم يصدقوه. لكني للحقيقة وللتأريخ أقول أن أولئك الشيوخ الأكراد رغم كل معاناتهم الرهيبة وأهوالهم الجمة وظهورهم المحدودبة وأمراضهم المزمنة والقسوة المتناهية التي تعرضوا لها على أيدي جلاوزة النظام الصدامي المتوحش ألا أن معنوياتهم كانت كالجبال الرواسي التي احتضنتهم وانتزعوا منها قسرا وكانوا يصارعون من أجل البقاء بشكل نال احترام وأعجاب كل السجناء وحتى أعدائهم من الذين نكلوا بهم وبقوا على حالتهم لعدة أشهر وبعد خروجي من السجن كنت أتردد عليهم في المواجهات ثم انقطعت أخبارهم بعد أن نقلوا ألى أماكن مجهولة أخرى .

لاحظت أحد الأشخاص بثوب ممزق ولحية كثة ووجه شاحب أدخل السجن وبعد أن دققت النظر ألى وجهه عرفته أنه أحد زملائي القدامى من مدينة الحي وأسمه فالح سيد مهدي وأخوه معلم أيضا وهو أكبر منه سنا وأسمه رجب سيد مهدي وكانت تهمته انتقاد الحرب وبقي في السجن ريثما يبت في أمره من قبل اللجنة الخاصة ولا أعلم ماذا حل به وكانت هناك ظاهرة ملفتة للنظر وهي زيادة عدد الموقوفين من سائقي السيارات العسكرية من الجنود لكثرة حوادث الدهس التي كانوا يرتكبونها أثناء أنتقالهم بين المدن وكانت الشبهات تحوم حولهم أنهم كانوا يرتكبون تلك الحوادث عمدا حتى يسجنوا ويتخلصوا من الموت المحقق في جبهات القتال..وكانت جثث قتلى الحرب تترى على مركز الشرطة الذي يوجد السجن بداخله وقد بلغ عدد التوابيت في أحدى الليالي 68 تابوتا من ضحايا تلك الحرب كما أخبرنا أحد الشرطه الذين كانوا يشتمون رائحة الأخبار الساخنة وينقلونها ألى السجناء سرا حيث كانت عائلة الشهيد تخبر بوجود شهيد لها ويطلب منها المجيئ ألى مركز الشرطه و استلام الجثة دون أي بكاء أو صراخ يثير القلق والبلبلة في المدينه !!!

جعفر المهاجر

السويد في 15/8/2009