الرئيسية » التاريخ » المجتمع الكردي في المنظور الاستشراقي الحلقة الحادية والعشرون بعد المئة

المجتمع الكردي في المنظور الاستشراقي الحلقة الحادية والعشرون بعد المئة

ترى ما الذي جعل الباشا يمنع الطبيب البريطاني من اسعاف ابنه؟ هل كان الباشا لا يرغب في معالجة ابنه على يد طبيب من ديانة غير إسلامية لان الباشا كان كثير التدين؟ أي كان (يظن!) بعدم جواز هذا الأمر؟ او كان محرجاً من إدخال عامل جديد في المعالجة.
الى جانب محاولات مولانا خالد، الرجل الروحاني وشيخ الطريقة النقشبندية، الذي كان قد ادعى بقدرته على شفاء الطفل من مرضه وانه بحث في سجل الله عن امره، كما ذكر، ثم هرب من السليمانية بعد موت الطفل ويقال ان هذا الهرب هو احد الافتراضات التي طرحت او الروايات التي بررت هرب الشيخ الذي كان يتمتع بمنزلة رفيعة جداً عند امير بابان الى درجة وكما يذكر ريج ان الباشا كان قد اعتاد الوقوف أمامه ليملأ الغليون له (227).
ومن الامور التي تبعث على الغرابة، الرسالة التي تلقاها المستر ريج من رئيس علماء الاكراد الشيخ معروف النودهي والد الشيخ كاكه احمد الشهير، وهذا نص الرسالة كما ورد في مذكرات ريج. ((الى كبير قومه باليوز بك ?
السلام على من اتبع الهدى الذي اباركه وأرجو له الله هدايته الى الصراط المستقيم. في بدني طفح جلدي مستديم منذ عدة اشهر فأملي ان تكتبوا لي وصفة قد اشفى باستعمالها فادعو لكم بالخير. لدي صديق حميم هو الان مثقل بالضعف البدني الحاد فاذا كان لهذا الداء من دواء فارجو ان تبينوا لنا خصائصه فيعود مريضنا مسروراً الى حالته السابقة وارجو ان لا تقطع الرجاء للاهتداء الى عبادة الله والى نوال السعادة التامة. الفقير – معروف**)) (228).
اما باسيل نيكتين فهو يضعنا امام تصور صحي كردي اقتبسه من مينورسكي مفاده ان الكرد كانوا يعتقدون ان جميع الأوروبيين اطباء! وما ارتكز عليه من مثال استغاثة ام، من قافلة اجنبية طلبت منهم ان يشفوا رضيعها الذي كان قد سقط من السطح مغشياً عليه. ان باسيل نيكتين يضعنا امام الصورة الصحية لكردستان فالوسائل الصحية معدومة تقريباً ولكن في ذات الوقت تكاد الامراض الوبيلة تكون معدومة لاسيما لدى القبائل الرحل. ان عملية التطبيب كما يذكر باسيل نيكتين لا تتعدى بعض اشكال الشعوذة، كابتلاع المريض ورقة كتب عليها احد الطلاسم او وضع حجاب في مكان الالم وقد يعمدون الى استخدام بعض الأعشاب في معالجة بعض الامراض.
اما عن الجراحة فقد ذكر ان بعض القبائل تلجأ لشفاء الجروح بان تلف الجريح بجلد طازج وتخيطه حوله ويسقط الجلد مع الزمن عن جسم المريض وتعتقد هذه القبائل ان اخطر الجروح تشفى بهذا الأسلوب (93). وعلى ما نعتقد فان ما ذهب اليه باسيل نيكتين بحاجة الى شيء من التوضيح والدقة اذ نعتقد ان الجريح كان يغطى جرحه وليس جسم الجريح كله بالجلد الطازج وكذلك تعالج بعض الكسور العظمية بلفها لفاً محكماً بجلد طازج لا يلبث ان يجف فيصبح صلباً يساعد على التئام الكسر. وعلى هذا الحال فان هذه الوسائل اصبحت اليوم من التراث الطبي في كردستان ولا تمت الى الواقع الحالي بصلة، فقد انقرضت. اما بالنسبة للأمراض الوبيلة، فان الملاريا موجودة كما سنذكر من بعد ولكنها في المدن والقرى وفعلاً تكاد تنعدم لدى القبائل الرحل.
يؤكد باسيل ثانية على ايمان الكردي بالطبيب الأوروبي وهذا ما لم نجده عند امير بابان مع الاسف في علاج ابنه ولكننا وجدناه لدى الشيخ معروف والد الشيخ كاكه احمد كما ذكرنا انفاً.
وقد اورد نيكتين ملاحظته حول كثرة المعمرين الكرد ممن تجاوزوا المئة عام وهو اذ يعطي تعليلاً لذلك، فاننا لسنا على ثقة حاسمة من ان التعليل صائب طبياً، فهو يرى ان أطفال الاكراد يتركون من الصغر بدون رعاية ويكتسبون مع الزمن صلابة بدنية ومناعة ضد الامراض، لذلك فان المعمرين يكثر عددهم في القبائل الكردية – حسب رأي نيكتين – (94).
والحقيقة نحن لا نعتقد ان الاطفال الاكراد يتركون منذ الصغر بدون رعاية، فقد جعل باسيل نيكتين من هذا الامر وكأنه سمة من سمات الشعب الكردي. اننا لا نعتقد ان الأقوام المتاخمة للشعب الكردي اكثر اهتماماً برعاية اطفالها. ان المسالة في اعتقادنا مسالة بيئية لها علاقة بالمناخ اولاً، وبنوع الغذاء ثانياً، فالقبائل الكردية التي ذكرها باسيل قبائل تكاد لا تعاني من مناخ حار فهي ترحل الى أعالي الجبال قبل انتهاء الربيع لتعود الى السهول في نهايات الخريف كما لا توجد مستنقعات اسنة بل المياه مياه ينابيع تغذيها الثلوج الناصعة الذائبة. ونعتقد بان نسبة الجراثيم والبكتريا المرضية هي اقل نسبة مما هي عليه في المناطق الحارة او في المدن السهلية لذا فان الطفل الكردي (القبلي) كان اقل تعرضاً لكثير من الامراض التي تفعل الحرارة فعلها في انتشارها مثلما تفعل المياه فعلها في ذلك هذا من جهة ومن جهة اخرى، فان تغذية الطفل الكردي بشكل عام، هي تغذية ان لم نقل جيدة فلا بأس بها مقارنة مع الكثير من مناطق العالم التي تعاني من شحة المواد الغذائية، فالكردي مستهلك جيد للحليب وكل مشتقاته، يكثر من الألبان طوال حياته وتدخل في غذائه انواع كثيرة من النباتات البرية زد على ذلك ان نسبة لا بأس بها من اللحوم تدخل في غذائه.
نعتقد ان هذه العوامل بمجموعها تضع الطفولة الكردية امام بداية صحية جيدة نسبياً وبالتالي فانها ترفع من نسبة المعمرين لمتانة وسلامة أجسامهم منذ بداية تكوينها، وفضلاً عن كل ما تقدم فان مسألة المعمرين ليست لصيقة بالكرد وحدهم بل وجد ان نسبة المعمرين تكثر في المناطق الجبلية وعند الأقوام ممن تشكل مشتقات الحليب نسبة عالية من غذائهم اليومي، كالحليب واللبن الرائب والجبن بأنواعه والقشطة والزبدة فضلاً عن الشنين وهو اللبن المخفف بالماء المبرد، وهو المشروب الوطني للكرد مع وجبات الطعام بالأخص الغداء والعشاء بدلاً من الماء ولا ننسى (الدو) وهي خضيض اللبن بعد استخراج الزبدة منه بطريقة خض القربة وأيضا يستعمل للشرب بدلاً من الماء، كل هذه الألبان توضع في أوانٍ نظيفة جداً وفي مناطق باردة يقل فيها تعفن الغذاء وفساده.
اما ويكرام فانه يحدثنا عن حالات مرضية شاهدها وكذلك مواقف لها علاقة بالعقاقير والاستشفاء ومعظم الحالات التي دونها ويكرام تتسم بالإثارة وبشيء من روح النكتة في الأسلوب.
ان ويكرام مثل غيره ممن كتبوا مذكراتهم، فالكردي مؤمن ان الانكليزي الزائر لابد ان يكون عارفاً بعلم الطب لان الانكليزي من وجهة نظر الكردي – كما يذكر ويكرام (طبيب بحكم الوراثة وحقها وانه يحمل ملحة الانكليزي دوماً).
ويذكر ويكرام ان القاعدة التي على الرحالة ان يتبعها هنا ولا يخالفها (وزع عقاقيرك بسخاء سواء عرفت شيئاً من هذا الطب ام لم تعرف) (161).
والان لنقرأ معاً التعاليم الطبية التي ينصح ويكرام القراء من بني جلدته اتباعها اذا ارادوا ممارسة الطب في كردستان.
ولا ننسى ان هذه التعاليم نشرت في بدء القرن العشرين، فبعد تأكيد ويكرام على توزيع العقاقير بسخاء يذكر ان الحمى يسهل عليك تشخيصها على كل حال. ان خفيت عنك فمريضك يشخصها عنك وان لم تهب ملكة التشخيص فاظهر بمظهر الحكمة المضاعفة بوصف دواء مر علقم غير ضار. لان اشد الادوية مرارة يرفع من ايمان مريضك ويشد معنوياته وهذا هو السر الاكبر في العلاج الناجح وعلى العموم انك تنجح عندما تجهل العلة اكثر مما تنجح لو وفقت في تشخيصها، وما عليك الا ان تتبع قواعد معينة.
اولاً- ان إعطاءك مليناً خفيفاً للشرقي هو تبذير للعقار الجيد يرقى الى مرتبة الأجرام. فضلاً عن كونه يضعف الأيمان بالعقاقير الأجنبية وهو أسوأ ما في الامر.
ثانياً- أعط المريض في حالة اتباعك تعاليم الكتاب الطبي ثلاثة أضعاف الكمية التي قررها الكتاب، بالنسبة للاثوري، وخمسة أضعاف، بالنسبة للكردي عندئذ فقط يظهر للدواء بعض التأثير. ويعلق ويكرام على توصيته هذه قائلاً (هذه الحقائق تعلمها المؤلف من ذوي الخبرة والتجارب أيام كان جديداً على البلد).

التآخي