الرئيسية » التاريخ » المجتمع الكردي في المنظور الاستشراقي الحلقة العشرون بعد المئة

المجتمع الكردي في المنظور الاستشراقي الحلقة العشرون بعد المئة

تبدو المدينة جميلة بمنائرها وقبابها المرتفعة من عدة مساجد وكذلك يبدو قصر الحاكم (حاكم المدينة) فخماً اذ كان يسكن هناك اوقات هدوء الجماهير او في اوقات الهدوء العام (438).
وقد كان بورتر قد جلب لحاكم كركوك رسالة من باشا بغداد وقد حظي كما يذكر بضيافة جيدة.
ويذكر ان كركوك تعد واحدة من اكثر المدن المهمة في كردستان الجنوبية التي تمتد من الحدود الشمالية الغربية لخوزستان الى الجبال العالية التي تمر من كردستان (كاردوخيا القديمة)، ان المناطق المجاورة لمدينة كركوك هي مناطق زراعية تماماً وجيدة، فالبساتين فيها تنتج الزيتون والعنب، وبالرغم من ان المدينة مدينة اسلامية فان النبيذ والعرق يصنع فيها ويستثمر بكميات كبيرة وقد زار بورتر منابع النفط وكذلك التل الملتهب في طريق غير بعيدة باتجاه السليمانية، وقد ارسل الحاكم مع بورتر حراساً كرداً لحمايته وكان المهماندار (رتبة عسكرية) كردياً.
اما التقرير السياسي المعد من بعض المتخصصين الانكليز عام 1923 والمشار اليه سابقاً فيشير الى ان مدينة كركوك تقع على الطريق المؤدية من الموصل الى بغداد وتبعد 187 ميلاً عن شمال بغداد وتقع على الجهة اليسرى من نهر خاسه سو، اما قلعة كركوك فتقع على تل مسطح يبلغ ارتفاعه 130 قدماً والجو حار فيها وتضم خليطاً من السكان منهم الكرد والتركمان والعرب واغلبية السكان يتحدثون في هذه المدينة الكردية والعربية والكل يفهمون التركية، واللهجة الكردية في هذه المدينة هي فرع من لهجة موكريان.
ان الانتاج الرئيس لهذه المدينة هو الحنطة والشعير اما الرز فأقل منهما وفي القرى المجاورة للمدينة تكثر زراعة الباقلاء والرقي والخيار وقليل من العنب كما تكثر المنطقة من تربية المواشي، والمدينة بصورة عامة تشكو من شحة المياه لذا تلجأ الى الابار المنتشرة في المدينة ومياه نهر خاسة. وبالرغم من اشتهار كركوك بزراعة القطن وتصديره الى خارج المدينة، يبقى النفط المادة الاولى المصدرة ففي آبار (بابا كركر) النفطية والتي تبعد (5) اميال شرقي المدينة يوجد فيها النفط بغزارة.
وان
يصف ميلنكن (في اواخر ستنينيات القرن التاسع عشر) مدينة وان اذ يذكر انها مدينة كردية في كردستان تركيا تحدث عنها ومر بها عدد من الرحالة وتغنى الكرد بها.
يذكر ميلنكن ان مدينة وان تقع على سفح صخرة وتشاهد فيها ابراج وجدران قلعتها.
وعلى ما يذكر فان المدينة شيدتها سمير اميس وكانت تسمى بهذا الاسم بيد انها سميت بـ وان van في زمن الاسكندر.
ويستعرض ميلنكن الحملات التي شنت على وان من الترك والفرس ومرور تيمور لنك بها وما زالت فيها شواخص تدل على ذلك مثل حديقة شاه باغ نسبة الى الشاه طهماس.
ان ثلاثمئة وستين عاماً من السيطرة التركية لم تستطع ان تعيد مدينة وان الى ازدهارها وشهرتها التي كانت عليها. واذا كانت وان في هذه الايام (يقصد زمن رحلته في القرن التاسع عشر) مشهورة في الشرق فان ذلك يعزى الى خصوبتها وسحرها الذي منحته اياها الطبيعة، هذان العاملان كانا يعملان بالرغم من كل المحاولات الظالمة لطمس معالم هذه المدينة وتدميرها، ان هذه المدينة تحتفظ بعرقها النقي الراقي، واليوم فان وان ليس لها ما تفتخر به وبالنسبة لعيون الشرقيين فان مثل هذه الامور لا تعني شيئاً او تستحق التفكير، انهم لا يجعلون من أنفسهم قادرين على اصلاح ما قاموا بتدميره (يقصد الترك ودولتهم) ويكفيهم ان يجلسوا متربعين وينعموا بجمال الطبيعة في هذه المدينة، ولذا فان مدينة وان المدمرة في ايامنا هذه (ستينيات القرن التاسع عشر) تعد بالنسبة للناس الشرقيين جنة الله في ارضه، لنقاء الماء وخضرة مروجها وبساتينها الجميلة التي ترضي رغبات العقلية الشرقية التي تطري على بعض المناطق بعبارات منمقة.
ان المقولة الشائعة بين سكان كردستان المعبرة عن السعادة:
في الدنيا وان
وفي الاخرة الغفران
ان مدينة وان محاطة بحصن على شكل متوازي الاضلاع يغطي مساحة قدرها 240.000 متر مربع. وان المداخل الثلاثة والجسور الخشبية المشيدة على خندق مائي تجعل الدخول الى المدينة ممكناً. ان المدخل المواجه للطريق الى تبريز يسمى بمدخل تبريز والاخر المواجه للغرب يسمى بمدخل استانبول والاخر الذي يواجه الجنوب يسمى المدخل الوسطي، اما الجهة الشمالية من المدينة فتجد ان الصخرة قد تعامدت مع المدينة حتى اصبحت تحمي المدينة من تلك الجهة، وهناك ممر رئيس يقطع المدينة من شرقها الى غربها (162-1).
الصحة
لقد لفت الواقع الصحي في كردستان انتباه معظم الرحالة فضلاً عما كتبه المستشرقون عن الصحة من جهة وعلاقتها بين المعتقدات من جهة أخرى وقد اشرنا الى ذلك في موضوع (المعتقدات).
لاشك ان كردستان كانت تعاني من وطأة الأمراض والأوبئة بيد أننا لا نملك أدلة إحصائية او مؤشرات حقيقية لمدى فداحة الخسائر البشرية بسبب المرض في كردستان وان كنا نعتقد انها كانت اقل معاناة بالمقارنة مع بعض المناطق الأخرى في الشرق الأوسط بسبب لطافة المناخ ووفرة المياه وجريان الماء وعدم ركوده وتأسنه فالمستنقعات تكاد تكون معدومة في كردستان ولاشك لدرجات الحرارة علاقاتها الارتباطية في تفشي الأوبئة.
ومع ما تقدم فان مدونات الرحالة تشير الى الحالة الصحية المزرية وعدم توافر اطباء في المنطقة والتعاويذ والشعوذة والوصفات الغريبة هي التي كانت تتحكم في صحة الناس ولا سيما الاطفال ويمكن ان نلحظ في مذكراتهم أي الرحالة ان نسبة وفيات الاطفال كانت عالية بسبب قلة الوعي بالعناية الصحية في المنطقة.
ان ما لفت انتباه الرحالة في هذا المجال حسب اعتقادنا، هي مسألة المقارنة بين الواقع الصحي للبلاد التي قدموا منها والواقع الصحي في كردستان. اذ لاشك ان البلاد التي قدم منها هؤلاء بلاد متقدمة على كردستان علمياً وصحياً مثل بريطانيا وفرنسا وروسيا وألمانيا، فالمقارنة قائمة حتى بشكل غير مقصود..
عندما سافر ريج الى كردستان عام 1820 كان احد أعضاء البعثة المرافقة له طبيباً اسمه بيل وكان جراحاً لدار المقيم البريطاني ومعاوناً له وقد عين من قبل حكومة بومباي في المقيمة البريطانية ببغداد.. ويبدو من مذكرات ريج انه أصيب اكثر من مرة بوعكة صحية وقد دون في مذكراته بعض الملاحظات المتعلقة بالصحة العامة والأمراض.
ان ريج لا يخفي إعجابه بنظافة الحمام الشعبي الذي زاره واستحم فيه (66) وقد ذكرنا هذا في موضع اخر من الكتاب لكنه لا يخفي مشاعره وأحاسيس عدم الراحة في البيت الذي سكنه فقد بدا متألماً كثيراً في اول ليلة له في السليمانية إذ كان الجو حاراً بالنسبة له أي في العاشر من ايار ويبدو ان داخل الدار كان حاراً بالرغم من ان السليمانية في ايار يكون الجو فيها لطيفاً وكذلك ابدى الاستياء من الروائح الخانقة واسراب البرغوث، وقضى ليلته ارقاً كما يذكر بسبب (المزعجات الكردية) كما يسميها (60) وبعد اربعة اشهر، خلال سفرة ريج من السليمانية باتجاه الجبال في قرية بيستان على ما يبدو اصيب ومن معه من الرجال بالحمى الصفراء، وهو يعتقد حسب مذكراته ان القرية كلها كانت موبوءة، فقد اصيب ستة وعشرون شخصاً ممن كانوا يرافقون ريج ولم ينج من المرض سوى زوجة ريج والطبيب المرافق له. ثم اخذت الحمى بعد ثلاثة ايام تتناوبه ثلاث مرات باليوم واشتد على رأسه (هجوم الدم) ونعتقد انه يقصد ارتفاع ضغط الدم مما الجأ طبيبه بيل ان يستنزف ما يقارب الرطل من دمه وهذا مما جعله يشعر بالراحة، وفعلاً فان ضغط الدم يمكن تخفيضه بطريقة فصد الدم وهي طريقة يعرفها الكرد أيضا (125).
وفيما يتعلق بموضوع الصحة ايضاً ذكر ريج بألم عميق نبأ وفاة ابن الباشا امير امارة بابان بالجدري وان ما يؤسف له ان الطبيب المرافق لمستر ريج، بيل بذل جهده وزار الطفل مرتين ولكنه لم يستطع اقناع ابويه لاعطائه الدواء، او وضعه في مكان معتدل البرودة، وان كانوا كما يذكر ريج اتبعوا وصايا المستر بيل الأخيرة بعض الشيء واعترفوا بتأثيرها المباشر على حالة الطفل وقد اثر هذا الحادث على الباشا تأثيراً كبيراً.
انه مؤسف حقاً ان يمنع الباشا وزوجته الطبيب البريطاني من اعطاء الطفل الدواء المناسب له لا بل حتى اقتراح درجة الحرارة المناسبة لحمى الجدري (215).

التآخي