الرئيسية » التاريخ » المجتمع الكردي في المنظور الاستشراقي الحلقة التاسعة عشرة بعد المئة

المجتمع الكردي في المنظور الاستشراقي الحلقة التاسعة عشرة بعد المئة

سنه
يذكر هاريس (في نهايات القرن التاسع عشر) ان مدينة سنه في كردستان ايران تقع بين تلال ويمر بها جدول من الماء الرقراق المتدفق في اخدود عميق وتشرف عليه مجاميع من الدور. تجد فيها ودياناً صغيرة تزدحم باشجار الغابات المنحدرة فتجعل منها منطقة ساحرة بجمالها.
تجد المقاهي العديدة على النهر وتسمع من يناديك لشرب الشاي، اما جمال وشباب الفتيات الكرديات على النهر وهن يقمن بغسل الثياب والاواني ويتبادلن الحديث فيضفي على المنظر جمالاً آخرَ.
وفي مركز المدينة يرتفع من بين الدور قصر حاكم المدينة، هذا المنصب المتوارث لعائلة من عوائل الامراء الاكراد. ان هذه المجموعة من الدور بأبراجها القديمة مع مجموعة من الدور الحديثة الطراز تعطي منظراً له ملامحه وعند سفح التل المتوج بغابة تكون الاسواق التي تمتد في كل الاتجاهات وهي جديدة ومنظمة، وكل شارع تقريباً يتجه نحو الزاوية اليمنى وغالباً ما يوازي الشارع الاخر هنا وهناك تجد في الحدائق المفتوحة والبساتين يلاحظ المرء بعض الخانات (الفنادق) العظيمة وتبدو انيقة بنوافذها وقبابها وتجد ارصفتها وساحاتها الواسعة وينابيعها.
هناك عدة خانات في هذه المدينة جميلة حقاً في بنائها ولها مظهر مبهج ومزينة بشكل جميل ومشيدة بمعمارية عالية، وتجري فيها النسبة الاعلى من الصفقات التجارية ولكن ما من شك بالنسبة لسكان مدينة سنه ان كثيراً من جاذبيتها يعود الى اسواقها او الى مقاهيها او الى بساتين ضواحيها.
ان الشخص يعامل دوماً هنا بشكل حضاري ويختلف التعامل مع الزائر بالمقارنة مع معاملة الاتراك او الايرانيين للزوار (243).
ان سكان مدينة سنه هم اكراد، وهذه الحقيقة وحدها كافية لتفسير هذه الدرجة العظيمة من السلوك، فكل رحالة يعرف كم هو الفرق في التعامل الذي يحظى به وكم هو الانطباع الذي يتكون لديه عندما يزور هذه المناطق – اي المناطق الكردية قياساً بغيرها من المناطق – ان الزائر يجد هنا السلوك المؤدب ولا يظهرون اي شكل من التعصب، وكل شيء يجري بمرونة وبشكل جيد، ويبذلون ما في وسعهم من جهد عظيم لاسعاد الضيف وهذا ما كان في سنه.
عقرة
يصف ويكرام (في العقد الاول من القرن العشرين) مدينة عقرة انها بلدة جبلية كبيرة الحجم ومقر قائممقام تركي يخضع مباشرة لوالي الموصل ادارياً وتكشف عقرة عن جمال منظرها للمسافر القادم اليها من الجنوب والحق يقال انها مشهد رائع من اي ناحية جئتها. فخلفها مجموعة من القمم الهرمية الشديدة الانحدار تخرج من سلسلة الجبال الرئيسة مثل صف من غرف النوم الجبارة البارزة ثم تنزل الى مستوى السهل في نهايات وعرة مكتلة على مسافة بعيدة من الذرى نفسها. وهذه الذرى محززة ومتقطعة مثل اسنان المنشار تعترضها وديان نصف مختنقة بجرف صخرية منهارة فوق اجنحتها، وتغطي الاجزاء السفلى من هذه الوديان اشجار تنمو في قطع من البساتين المدرجة على طول سواقي المياه. الا ان السفوح العليا جرداء وسوداء مثل كسر من الطوب نصف المشوي. وتنكسر احدى تلك القمم الشامخة فتؤلف شيئاً يشبه السرج ثم ترتفع بعدئذ لتغدو نجداً صخرياً قبل اندغامها بالسهل اخيراً. وفوق هذا السهل المائل تنهض بيوت عقرة وبقايا متباعدة عن قلعة عتيقة تتوج اعلى نقطة من النجد الصخري الاعلى. وتمتد مساكن البلدة حتى المضيق الذي هو من الجانب الغربي حيث تصطف المنازل صفوفاً حول منحدر فوق المضيق مثل مقاعد الملعب المدرج والانحدار شديد بحيث انك تجد سطح منزل موازياً لباب البيت الذي يليه وعلى مستوى ارضيته فيكون سطح بيت بمثابة صحن دار البيت الذي يعلوه او بكلمة اخرى صحناً للطابق الثاني من البيت والازقة ضيقة جداً لا يمكن ان يراها المرء عن بعد وقد وسع احدها ليكون شارع السوق الرئيس.
ويضيف ويكرام انه ليس في عقرة خان لمبيت المسافرين فاضطروا للمبيت في بيت مدير المال، كما يذكر، ليس بين منازل عقرة ما يمكن نعته بالفخامة (122-3).
يذكر فيلد (1926) ان مدينة عقرة تقع على بعد 65 ميلاً شمال شرق الموصل، وان هذه المدينة تتمتع بكمية وافرة من المياه ومصدرها الينابيع والجداول وبموجب احصاءات عام 1926 فان عقرة كانت تتكون من 800 دار وان عدد سكانها يبلغ 4000 نسمة والمنطقة تملك 27000 رأس من الغنم. والغالبية الساحقة من السكان هم من الكرد تسكن معهم 40 عائلة يهودية وعشرون عائلة كلدانية.
وكان اليهود يملكون الكثير من الحوانيت ويشتهرون بحرفة الصياغة الفضية لا سيما الخناجر الكردية. وتجد وراء عقرة سلسلة من الجبال الشاهقة الشديدة الانحدار تمتد لتتصل بـ (عقرة داغ: جبل عقرة) الذي يوجد فيه عدد من الكهوف.
ان قمم هذه الجبال تتخللها مضايق صخرية تنتشر فيها الاحراش، اما جسم المدينة فينساب الى منحدر باتجاه الغرب بينما تكون الدور مشيدة على شكل المدرج الذي شيدت عليه هذه المدينة فجعلت من سقف كل بيت ساحة (باحة دار) للبيت الذي فوقه مباشرة، اي البيت الذي يقع خلفه. ان معظم الشوارع في هذه المدينة ضيقة جداً ومنحدرة، والى الشرق من هذه المدينة جنائن تنعش البلدة في حر الصيف (18).
العماديـة
لا يسهب فيلد كثيراً في وصف العمادية ولكنه يذكر بانها شحيحة الماء وليس هناك آبار على هذه الهضبة (العمادية مشيدة على هضبة مرتفعة) بحيث يمكن الاستفادة من مياهها، وان المياه تتأتى من منبعين في منتصف الطريق اما الطريق اليها فقد وصفه فيلد من زاخو، فبعد العبور الى الضفة اليمنى لنهر الخابور في مدينة زاخو بواسطة جسرها الشهير يبدأ التوجه بعكس اتجاه تيار النهر وصولاً الى قرية اسبنداروك* بعد 18 ميلاً. ثم التوجه نصف ميل شرقاً لعبور نهر الخابور ثانية الى ضفته اليسرى والاتجاه شرقاً عن طريق قرية بروشكي وصولاً الى العمادية.
ويعلق فيلد ان العبور من النقطة (18 ميل) كان احياناً يصعب لا سيما بعد هطول الامطار (17).
اما ويكرام، فيذكر ان الشاخص البارز الرئيس في وادي سبنه هو بلدة العمادية. انها بلدة تربض فوق هضبة منعزلة كبيرة نافرة من سلسلة الجبال التي تمتد خلفها مثل برج يبرز من اسوار قلعة، وتعلو الهضبة سفوح كلسية مستوية ذات انحدار متواصل دائري الشكل حتى لتبدو وكأنها جدار صناعي هائل اذا نظر المرء اليها من بعيد، ولا بد انها كانت معقلاً منيعاً يمتد تاريخه الى ايام الاشوريين كما تشهد به منحوتة مخرومة كثيراً فظيع التشويه نقشت على وجه صخرة قريبة من المدخل الرئيس. ان الاسوار التي حبتها الطبيعة كانت كافية لحمايتها ولا يتطلب من وسائل دفاع لها الا حماية مدخليها الوحيدين والبلدة هي مجموعة بيوت (متواضعة جداً) لا يزيد حجمها عن حجم قرية كبيرة. الا انها بالنسبة الى وادي سبنه حاضرة المنطقة الريفية كلها وهي مقر الحكومة الوحيد (290).
لقد ذكرنا في موضع آخر من هذا الكتاب، ان المستر ريج يعتقد ان العمادية هي مسقط رأس زرادشت، لكن ريج لم يضعنا امام مبررات او شواهد اعتقاده هذا.
كــركــوك
يذكر بورتر (1822) ان المنظر كان موحشاً عن بعد وكان سيبدو مقفراً لولا بعض الاشجار القليلة المبعثرة في بساتين ضواحي المدينة، بيد ان الارض كانت تبدوعادية تماماً.
تقع هذه المدينة على الطريق المؤدية الى الموصل، وان القسم الاعظم مشيد من صلصال متين (يقصد القلعة) تجد فيها كل انواع القاذورات الاسيوية، والهواء الفاسد والاماكن المغلقة.
الدور متراصة جنباً الى جنب والسوق ضيقة وكئيبة مظلمة بالرغم من انها تعرض كل البضائع والحاجات الضرورية لراحة السكان في المدينة التي تتكون من الاكراد والتركمان والارمن وبعض العرب واليهود. ويتراوح عدد السكان بين 10-12 الف نسمة.
ان معظم القسم الجديد من المدينة يقع في اسفل التل ووراء الجدران تمتد الضفة الغربية للنهر.

التآخي