الرئيسية » مقالات » حوار مع القراء… حول الفاشية الطائفية؟؟

حوار مع القراء… حول الفاشية الطائفية؟؟




توضيح واعتذار


كتبت هذا المقال في أوائل شهر حزيران المنصرم، للتعليق على تعليقات القراء الكرام على مقالي الموسوم: (الفاشية الطائفية تهدد العراق والمنطقة بالدمار الشامل والذي نشر في 31/5/2009 على مواقع الانترنت، ولكن يبدو أني نسيت نشره في الوقت المناسب، وهذه ظاهرة خطيرة! لذا أعتذر للأخوة القراء على هذا النسيان والتأخير، وأتمنى أن لا يتكرر في المستقبل. وقد عثرت على المقال بالصدفة، فوجدته مازال جديراً بالنشر، لأن الفتنة الطائفية مازالت تهدد الوحدة الوطنية، وما أحوجنا إلى معالجتها.



لماذا هذا المقال؟


سبب كتابة هذا المقال هو مواصلة النقاش، والتعقيب على تعليقات القراء الكرام على مقالي السابق الموسوم (الفاشية الطائفية تهدد العراق…)، والذي تضمن نقداً صريحاً لتصريحات الشيخ صدر الدين القابانجي، المثيرة للمشاعر الطائفية، والتي جاء فيها: أن «شيعة أهل البيت في العراق يمثلون الأكثرية ومن حقنا ان يكون الحكم للشيعة» واعتبر أن «الدفاع عن حق الأكثرية دفاع عن النظام الدستوري في العراق الجديد، ودفاع عن ارادة الناس». والمعروف أن الشيخ صدر الدين القبانجي هو أحد القياديين البارزين في تنظيم المجلس الإسلامي الأعلى الذي يتزعمه السيد عبدالعزيز الحكيم، كذلك كان يطرح نفسه بأنه ممثل آية الله السيد علي السيستاني، المرجع الشيعي المعروف. وسواء كانت هذه التصريحات تمثل رأيه الشخصي أو الجهات التي يمثلها، فإن القبانجي قد نجح في إثارة سجال محتدم واستنكار من قبل المثقفين والسياسيين الحريصين على وحدة العراق، أرضاً وشعباً.



أقول، أنه من حسن حظ الشيعة خاصة، والشعب العراقي عامة، أن يتبوأ المرجعية الشيعية شخص يتصف بالحكمة والعقلانية، مدركاً لتعقيدات الوضع العراقي وخطورة الموقف وحساسيته، مثل آية الله السيد السيستاني الذي عمل كصمام أمان، يدعو دائماً لضبط النفس وعدم الانجرار وراء الغلاة ومن جميع الأطراف، الذين يعزفون على أوتار الطائفية البغيضة ويعملون على تأجيجها.



لذلك كان موقفاً حكيماً من مكتب السيد السيستاني أن يسارع بإصدار بيان كما نشرته الصحافة الإلكترونية بعنوان (السيستاني يؤكّد أن العراق يحكم بالغالبية السياسية عبر صناديق الاقتراع) جاء فيه [ان «وجهة نظر المرجعية الشيعية لا تتطابق بصورة قاطعة مع تصريحات القبانجي». وان «السيستاني لا يزال عند رأيه من أن العراق لا يُحكم بغالبية طائفية أو قومية وإنما بغالبية سياسية من مختلف الشعب العراقي تتشكل عبر صناديق الاقتراع». وبخصوص موقفه تجاه القبانجي، وهو إمام جمعة النجف، قال ان «القبانجي لا يمثل السيستاني. وتصريحاته السياسية لا تعبر عن آراء المرجع اطلاقاً»].



أعتقد أن هذا هو الرد الحكيم من المرجعية، وأتمنى أن يكون كافياً لإسكات القبانجي وأمثاله لإيقافهم عند حدهم، رأفة بالشعب العراقي المبتلى بهذه النماذج من مثيري الفتن. كما وطالبنا المسؤولين العراقيين وعلى رأسهم السيد رئيس الجمهورية، والسيد رئيس الوزراء، بعدم السماح لهؤلاء الطائفيين بإصدار مثل هذه التصريحات الضارة التي من شأنها إثارة الفتنة وشق وحدة الصف. فأعداء العراق من فلول البعث وحلفائهم الإرهابيين القاعديين، ومن يقف وراءهم من دول الجوار مثل إيران وسوريا والسعودية، هم المستفيدون منها، والشعب العراقي هو الذي يدفع الثمن الباهظ من دمائه وممتلكاته.



نعم، في النظام الديمقراطي يكون الحكم بيد الأكثرية. ولكن الشيخ القبانجي يبدو أنه لم يفهم لحد الآن أي شيء عن معنى الأكثرية في النظام الديمقراطي. لذلك أطلق العنان لمشاعره الطائفية مدفوعاً بالغرور القاتل، فقال “كلمة حق يراد بها باطل” ودون أن يعرف معناها. فالأكثرية وكما جاء في بيان مكتب السيد السيستاني لا تعني أكثرية قومية أو طائفية، لأن هذه الأكثرية هي ليست موحدة في حزب أو تجمع سياسي واحد، بل هي نفسها منقسمة إلى تنظيمات متعددة. ففيهم الإسلامي وفيهم العلماني وفيهم الشيوعي…الخ. لذلك فالمقصود بالأكثرية هو ليس الأكثرية الطائفية أو القومية أو الدينية كما يبشر لها السيد القبانجي، بل الأكثرية السياسية التي تفرزها صناديق الاقتراع، كما قال السيد السيستاني.



حوار مع القراء


كما ذكرت آنفاً، أن الغرض الرئيسي من هذا المقال (المنسي المتأخر) هو الإجابة على تعليقات بعض القراء الكرام، ومواصلة النقاش لتتضح الصورة.



1- قال الأخ القارئ، خويندكار: “… ودعني أستاذي الفاضل تصحيح جملة كثيرا ما ترد في أحاديث البعض تبجحا في أننا سلالة شعب الحضارات التي … والتي …الخ . والصحيح هو أن وطننا هو موطن الحضارات، وأعتقد بأن شتان مابين المفهومين، وأن بينناأو البعض منا على ألأقل- وبين ألحضارات ألتي نهضت فوق أديم أرض هذا ألوطن قطيعة قاطعة، بل وأن هذا البعض منا يصعب عليه التواصل مع العالم الذي يعيش في وسطه – تأريخا وجغرافيا – بل والأنكى من كل ذلك لا يستطيع استنباط العبر من تاريخنا المعاصر، والذي كنا شهودا على حقبته ألأخيرة والأكثر مأساوية – على ألأقل -…”



أتفق مع معظم ما ورد في التعليق مع اختلافي معه في نقطة واحدة وهي فيما يتعلق بالحضارات البائدة والشعوب السائدة. أعتقد أن الحضارات والأديان واللغات يمكن أن تتغير وتباد ولكن الشعوب تبقى لا يمكن إبادتها، وإنما تغير حضاراتها وأديانها ولغاتها ومذاهبها إذا ما وقعت تحت احتلال أمة أخرى غالبة. فعلى سبيل المثال، معظم الشعب المصري هم أقباط في الأصل، ولكن الغالبية غيرت دينها من المسيحية إلى الإسلام، ونسيت لغتها وتتكلم الآن اللغة العربية، لأسباب مختلفة، اختياراً أو قسراً. وكذا الأمر عن الشعب العراقي.


نعم هناك نسبة كبيرة من العرب هاجروا من الجزيرة العربية إلى العراق، سواءً في عهد الفتوحات العربية-الإسلامية في فجر الإسلام، أو هجرة القبائل المستمرة لحد وقت قريب، فهذا لا يعني أن الشعوب الرافيدينية (السومرية والأكدية والبابلية والآشورية والكلدانية وغيرها) قد انقرضت، بل كل ما حصل هو أن نسبة كبيرة من هذه الشعوب غيرت لغاتها وأديانها واندمجت في القبائل العربية. فهناك دراسات للدكتور علي الوردي والرحالة ثسيجر وغيرهما تؤكد أن معظم العشائر في جنوب العراق هي من السلالات السومرية والأكدية، حيث نلحظ ذلك واضحاً في اللهجة العراقية الجنوبية التي احتفظت بآلاف الكلمات من لغات تلك الأقوام بما فيها اللغة الآرامية. كذلك الألحان الحزينة مثل الأبوذية والنايل هي سومرية الأصل. ويذهب المؤرخ الأمريكي، البروفيسور ويليام بولوك في كتابه القيم (Understanding Iraq) إلى أبعد من ذلك، فيقول أن مواكب العزاء واللطم عند الشيعة لها جذور في الشعب السومري.



على أية حال، أنا أتفق مع الأخ القارئ في عدم جدوى التباهي بالماضي، إذ كما ذكرتُ في المقال السابق: “… ليس من حقنا التبجح بتاريخ يعود إلى آلاف السنين، بينما نحن الآن أبعد ما نكون عن السلوك الحضاري الإنساني في التعامل مع التعددية. فالحضارة والثقافة سلوك قبل أي شيء آخر.”. وأضيف هنا أنه كيف يحق لنا التبجح بالأسلاف الذين اخترعوا الكتابة والعجلة، ونحن الآن نستورد حتى إبرة الخياطة؟.



2 – ويسأل الأخ أبا الغيث: أليست الديمقراطية هي التي جلبت هؤلاء؟ وذاتها التي جاءت بحماس، ولولا العسكر لكان الإسلاميون يحكمون الجزائر ديمقراطيا، وطبعا إيران أيضا ديمقراطية، وستصل طالبان غالبا بذات الديمقراطية للحكم، ولربما مصر أيضا؟.



في الحقيقة كتبت قبل عامين مقالاً على حلقتين بعنوان: (خوف الديمقراطيين من الديمقراطية 2 ) حول موضوع استفادة الإسلاميين من الديمقراطية ومجيئهم إلى السلطة عن طريقها، ثم تنكرهم لها.


هذا الخطر وارد، ولكن يجب أن لا يمنعنا من الاستمرار في الدعوة للديمقراطية خوفاً من الإسلاميين، وإلا نقع في الفخ الذي نصبه لنا الحكام المستبدون، فيجعلون من الإسلاميين “خراعة خضرة” لإبقائهم جاثمين على صدور شعوبهم يواصلون اضطهادهم لها، ويعرقلون التطور الاجتماعي والتنمية الاقتصادية. كذلك أعتقد جازماً أن هيمنة الإسلاميين على السلطة تحمل في طياتها بذور تدميرهم. فليس لدى الإسلاميين أي مشروع واقعي لحل المشاكل الاقتصادية والسياسية المتفاقمة التي تعاني منها الشعوب العربية والإسلامية، رغم أنهم يكررون شعارهم المعروف (الحل في الإسلام).



وقد أخطأ العسكر في الجزائر عندما ألغوا نتائج الانتخابات التي فاز بها الإسلاميون عام 1992. إذ كان الأولى بهم قبول الإسلاميين، لأن فشلهم في حل مشاكل الشعب الجزائري كان حتمياً ومؤكداً وبالتالي يخسرون مصداقيتهم ويلفظهم الشعب، ويسقط شعارهم (الحل في الإسلام) إلى الأبد. وهذا ما حصل في غزة. أما في إيران فلم يأتِ الإسلاميون عن طريق الديمقراطية بل عن طريق الثورة، ومن ثم أجروا انتخابات ولكنهم تلاعبوا بها وزيفوا نتائجها. والآن النظام الإسلامي في إيران معزول من الشعب عدا نسبة 20% فقط، وما الاحتجاجات الأخيرة ضد تزييف الانتخابات الرئاسية إلا دليل على ما نقول، ونؤمن بشكل قاطع أن النصر النهائي سيكون حليف الشعب، ومصير حكومة الملالي كمصير نظام البعث والنازية والفاشية، في مزبلة التاريخ.



وهناك مبالغة في تأييد الشعوب الإسلامية للأحزاب الإسلامية، ففي باكستان حازت الأحزاب الإسلامية على 11% فقط من أصوات الناخبين، كذلك في الانتخابات الأخيرة في الجزائر، لذلك يلجأ الإسلاميون إلى السلاح لفرض إرادتهم الغاشمة على شعوبهم بالقوة.



3- معظم الأخوة المعلقين، أكدوا مشكورين على أهمية العلمانية والفصل بين السياسة والدين، أجتزئ هنا فقرة من تعليق الأستاذ الدكتور سليم الورد من بغداد، يلخص فيه آراء الأخوة في مشكلة الحكم في العراق فيقول “.. لنكن أكثر وضوحا، وكفى مجامله لهذا الطرف أو ذاك، لأن الفكر والخطاب الديني والقومي الشوفيني يكوِّن الأمية والجهل… والخطاب الهلامي يوفِّر أرضا خصبه له، لذلك فالصدمة القوية مطلوبة لتعرية هذا الفكر وتوعية هذا العدد الهائل من المخدَّرين بالجهل والخرافة والغيبيات والعصبيات بمختلف أنواعها، وإلا فالثمن سيكون غالياً جدا والحروب ستستمر “.



– أتفق مائة بالمائة مع ما تفضل به الدكتور سليم، وقد نشرت مقالاً قبل ثلاثة أعوام في هذا الخصوص، بعنوان: (العرب والعلاج بالصدمة)، أتمنى عليه قراءته، الرابط في ذيل المقال.



4- ويسأل القارئ الكريم أبو هزاع: “بما إنني من أقلية شرق أوسطية قرأت ما كتبه الأستاذ عبد الخالق وأوافقه بأن الطائفية هي فاشية. ولكن طرحه بأن الشيعة طائفيون لأنهم يريدون الحكم لأنفسهم، فهل سأل الكاتب نفسه لماذا؟ وما علاقة ذلك بما جرى لهم على مر العصور بطائفية خطاب بعضهم؟ ثم إذا أردنا تخليص المنطقة من الطائفية فعلينا أولاً إعادة قراءة فلاسفة الطائفية أي الذين كانوا خلف الفتاوى المكفرة والتي أرست قواعد الطائفية. لا تزال الأكثرية في الشرق الأوسط تعتقد بعدم أحقية أية أقلية بأي شيء. الدين هو سبب مصائب الشرق الأوسط.”


* – كذلك تعليق الأخ محمد علي، حول تصريحات عدنان الدليمي وغيره من الطرف الآخر، يصب في هذا المنحى.



– في الحقيقة أنا لم أقل أن الشيعة طائفيون، بل انتقدت الشيخ القبانجي على تصريحاته الطائفية، فالشيخ القبانجي لا يمثل الشيعة، لذلك جاءت تصريحات أية الله السيستاني ضد تصريحات القبانجي لكي يبرئ المرجعية الدينية الشيعية منها. كذلك ذكرت مراراً في مقالات سابقة أن ما يحصل الآن من استقطاب طائفي في الانتخابات وشعبية الأحزاب الدينية، وانحسار شعبية الأحزاب العلمانية، هو رد فعل للممارسات الطائفية للحكومات السابقة وبالأخص في عهد حكم البعث الصدامي. كذلك نعرف أن جذور الطائفية عميقة في العراق ولها فلاسفة وعلى رأسهم ساطع الحصري الذي زرع بذور الطائفية ضد الشيعة مع وضع حجر الأساس للدولة العراقية الحديثة، ولا مجال هنا للتفاصيل.



ختاماً، وبالعودة إلى سؤالنا في عنوان هذا المقال: من المستفيد من إثارة النعرة الطائفية؟؟ فالجواب واضح، وهو أن أعداء الشعب العراقي هم المستفيدون من تصعيد الفتنة الطائفية، لتمزيق شمل الشعب، فبدلاً من توحيد صفوفهم، وتكريس جهودهم في بناء وطنهم وإعماره، يعملون على تمزيق هذا الشعب وتبديد طاقاته في صراعات دموية عرقية ودينية طائفية فيما بينهم. لذا على العراقيين أن يكونوا أذكى من أعدائهم وينتبهوا إلى حالهم ويفوتوا الفرصة على من يريد بهم الشر. فالشعب العراقي ليس الشعب الوحيد الذي يتكون من تعددية دينية وطائفية وعرقية، إذ معظم الشعوب هكذا، ولكنها تعيش بسلام. لذلك فما نحتاجه اليوم هو وحدة الصف وبناء النظام الديمقراطي العلماني، والولاء للوطن، ونبذ الطائفية، ونشر ثقافة روح التسامح وقبول الآخر المختلف، والعمل وفق شعار (العراق أولاً) و(الدين لله والوطن للجميع).


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


مواد ذات صلة بالموضوع:


1- السيستاني يؤكّد أن العراق يحكم بالغالبية السياسية عبر صناديق الاقتراع


http://www.iraqoftomorrow.org/index/67662.html


2- عبدالخالق حسين: الفاشية الطائفية تهدد العراق والمنطقة بالدمار الشامل



3- عبدالخالق حسين: العرب والعلاج بالصدمة


http://www.sotaliraq.com/abdulkhaliqhussein.php?id=306