الرئيسية » الآداب » تونسُ الحمّامات

تونسُ الحمّامات

حدّقْ في أعماق البحرِ الممتدِّ أمامكَ
في أفقِ الأبدِ!
الحمّاماتُ
ترفعكَ
فوقَ ذرى الأسوارْ.

قرطاجةُ
سفنٌ ألقتْ مرساةَ البحرِ الهائجِ،
تحملُ في طيّاتِ الإعصارِ
طبولَ الحربْ.

هذي القلعةُ
تطلُّ على وجهِ الساحلِ ،
وسلالتُها
تنهضُ منْ عمقِ الأعماقْ.

الأمواجُ
تتلاطمُ
مثلَ الخيلِ تُـغيرُ
تكتبُ قصةَ هذا اليحرْ
بمدادِ التيهْ.

ملحٌ،
ملحٌ مرٌّ
يُلقي الأحمالْ
بينَ بيوتِ الساحلِ هذا.

المئذنةُ
صوتُ اذانِ صلاةِ الظهرِ،
وسياطُ الشمس المحرقةِ
تلهبُ أجسادَ العشاقْ
في رابعةِ نهارِ البحرْ!

امرأةٌ عاريةُ
تقفُ هناكَ على البعدِ
تتلظّى،
تتأملُ أعماقَ الموجْ.

ماذا تحلمُ؟

الفارسُ ذو الرمحِ المُنتصِبِ
في صدرِ البحرْ
يمرقُ مثلَ البرق
في عينيها.

ابنُ زيادٍ ردّدَ أنشودةَ سفنٍ محترقهْ:
البحرُ وراءَ الفرسانْ
الموتُ الغارزُ سِكينَ العاصفةِ
أمامَ الخيلْ ،
فاختاروا !

دمٌ يسيلُ فوق رمالِ الساحلِ
النائمِ
بينَ هدوءِ الليلِ
وهديرِ الأمواجْ.

الحمّاماتُ
“والغواني يغرُهنَّ الثناءُ” *
وليالي السمرِ
وهمسُ الفتيانْ
والفتياتْ
ترقصُ في صوتِ أمينهْ فاختْ:
“طير الحمام مجروح” **
سافرَ في الروحْ
إذْ أخلى سبيلَ جروحْ
بالقاربِ نحو الساحلِ
في الوجهِ الآخرِ، فارتطمَ
بجنازةِ موسيقى ذاك الموتْ.

أوتارُ العودِ الحاضرِ من أيامِ زريابَ
بيد بوشناقَ
تعزفُ لحنَ الحلمِ الضائعِ
بأناملَ مدميهْ:
حدّقَ في البُعدينِ الأولِ والثاني
فالثالثُ بعدٌ مكسورْ !

البحرُ أمامكَ يمتدُّ
ويشتدُّ،
والضوءُ الشاحبُ خلفكَ يرتدُّ.

هلْ تعرفُ هذي الأوجهَ
من سُمّار ليالي الرحلةِ
في الصحراءْ؟

تونسْ!
أرتجلُ الشعرَ بأحضانكِ قمراً ونجوماً
وسماءاً يملأها غيمٌ،
مطرٌ يغسلُ عينيَّ
وحبٌّ !

الطفلُ المختونُ وأمهُ
فوق رصيفِ الشارعِ ذاكَ المزدحمِ
بأنفاس الناسْ
قصةُ أمسِ الساحلِ
واليومِ
وغدٍ.

اللحمةُ بيني
وبين حجارةِ هذي الأسوارْ
عشقٌ
في حجمِ البحرِ المتوسطِ
مهتاجٌ.

ملحٌ ،
ملحٌ مرٌّ،
ينكأ جرحاً يتوغلُ في الروحْ،
جرحَ قرطاجةَ
التاريخ
الشابيّ
يوسف رزوقه
العيّادي
الرياحي
أمينهْ.

هذا الأسمرُ
القادمُ من بطنِ الأسطورةِ والخَلقْ
وروايةِ كاوا الحدادْ
يرتجلُ الشعرَ بأحضانكِ، يغفو
فوق سرير البحرِ الهادئ
والهائجِ
والرحلةِ.

حدِّقْ بينَ الحمّاماتِ وأزقتها!
انظرْ في الأحياءِ النائمةِ
في حضنِ سكونِ الليلِ، ونمْ
في حضنِ البحرْ!


* من قصيدة أحمد شوقي:

خدعوها بقولهم حسناءُ
والغواني يغرُهنَّ الثناءُ

** إشارة الى أغنية المطربة التونسية أمينه فاخت:

طير الحمام مجروحْ
ناوي علينا يروحْ

الثلاثاء 28 تموز 2009