الرئيسية » المرأة والأسرة » بلقيس حميد حسن: لعبة اختزال الأنثي في مخاض مريم

بلقيس حميد حسن: لعبة اختزال الأنثي في مخاض مريم

تقدم الشاعرة (بلقيس حميد حسن) كشفاً جريئاً لسلطة السلوك الجنسي الذكوري معتمدة في مجموعتها الشعرية (مخاض مريم) علي ما يوفره التاريخ المرضي لهيمنة النمط الذكوري الشرقي وما يتولد عنه من انعكاس لشعور مستمر ينتاب المرأة على مر العصور، وهو شعور يطيل من عمر الفاجعة لديها، ويغريها في ذات الوقت بعقد صفقة مع الأوهام تسمح باستبدال الخطأ بالصواب، تبعاً للسلوكية الذكورية الشرقية التي هي من أكثر السلوكيات التي تظهر الشك في مقاصدها، تلك المقاصد شديدة الارتباط بفكرة (إخضاع المرأة للرجل) وتحويلها إلي شيء يمكن امتلاكه، غير أن الفم الأنثوي الصغير باستطاعته ان ينطق أشياء كبيرة في قصيدة (تهاوين قبل الأوان) ضمن مجموعة الشاعرة بلقيس حميد (مخاض مريم) كاشفة عن حجم ما تتعرض له الأنوثة، وعبر مختلف الأزمنة.
تولي هذه الملحمة الشعرية الأنثوية اهتماماً بمسألة تسيـّد الرجل منذ اللحظة الأولي لولادة أنثى ما، أنها لا ترسم صورة فوتوغرافية لطغيان الذكورة المارة بجسد الأنوثة، وإنما ترسم تركيبة توليفية لعناصر الاستبداد الذكوري عبر تساؤلات لا تنقطع حول ملكية الجسد وملذاته في لعبة اختزال الأنثي حينما يجد الرجل المرأة باستمرار تحت تصرفه، ولنبدأ من هنا من لحظة ولادة أية أنثي والتي تجري مراسيمها عادة في سياق محافل التأبين بمشاركة المرأة ذاتها الماثلة لاشتراطات الرجل تعبيراً عن وجودها المنجذب إلي (الحقل الدلالي) الذكوري:
اتت انثي
مخاضاً كان كالموت
ووقتاًً مظلماً
حيث التقت عين المولّدة
بذاك الشيء للمولود …
تخفي مثلما تسرق
تلعنها
بتمتمةٍ
أتت أنثي
تواجهنا الشاعرة (بلقيس) بإشكالية موجودية الأنثي في ثنايا عصور متعاقبة، لنتبين ان موجوديتها تلك إنما تمر عبر سيادة جسد الرجل، ويدور القسم الأكبر من مقاطع القصيدة حول تداخلات هذه المسألة بنبرة توكيدية لا تعرف الكلل، أنها شبيهة بلعبة (المرايا اللامتناهية). ومن بين ما تعرضه بعض مقاطع القصيدة ما يترتب عن رغبات الرجل وشراهته في الانقضاض علي جاهزية الجسد المذعن في فراش اللذة، غير أن هذا المشهد الشعري يجري بصورة السراب الذي نحسبه ماءاً، فالرجل لا يعدو أن يكون كائناً مفقوداً لم تجده المرأة بعد، وما فقدانه إلاّ نتيجة مباشرة لحضور سلطته وترجيح صفته الأحادية مما يجعل وجوده أمر افتراضي وحقيقة غير مرئية من الوجهة الأنثوية، أنه موجود في الشعور الأنثوي فحسب، طالما ظلت الذكورة تنكر علي الدوام أية علاقة تفاعلية متقابلة، وبناء علي ذلك فأن الخيال الأنثوي يذهب إلي وضع الرجل في موضع الذكري، الأمر الذي يظهر تأكيداً آخر لغيابه، فنكتشف أن الشاعرة لا تعرضه إلاّ بصورة البرق لمطر محذوف:
تمزقني انت
يا شبحاً فيك الحبيب تمثل
سجاننا والعصور الفريدة
منذ التقيتك
حين رضعت حليباً مع الذئب
علمتك المستحيل
ولمس النساء
—————
إن المرأة في هذه المطولة الشعرية تعود إلي الظهور المتكرر في عصور مختلفة علي شكل هبة أو هدية لا تهبها غير لحظة إفنائها، بمعني أنها حدث يقع في مشهد اللاكفاية ولا يفلح في إتمام رغباتها بصورة حرة، بقدر ما يدفع بها إلي الأصل الأعمي للعواطف الأنثوية، المستسلمة لأقدار الذكورة التي تجعلها ماهرة في تلقي الضربات، فهي لا تملك سوي ان تكون شيئاً ملحقاً بالرجل، وبالتالي قطع تواصل النصف مع ما يكمله:
يزفونني
خائفة من الموت
لزوج ٍ تزّوج أختي قبل عام .. وماتت
ذاك المكان
ذاك السرير
————-
لماذا لا تغتسلين
كما الأخريات
بماء مقدس
انت عقيم
وزوجك يرنو لطفل
يورّثه العصبية واحتقار النساء
أو الضرب بعد انتهاء الطقوس
يمر الزمن ويتقادم ويحلو للحقل الذكوري ان يستحضر الشخصيات الفحولية المستبدة من جديد، فليس مستبعداً ان يظهر (شهريار) مرة أخري، ليتبني إحياء أسطورة قتل الذكر للأنثي، وبالمقابل سوف يكون من السهل أن تقع الأنوثة فريسة الافتنان بسلطة الذكر، فلا نجد أي أثر لصفاتها الفردية إلاّ بمقدار تبعيتها،متحولة إلي بنية يصعب تمييزها، ولهذه الاعتبارات ليس أمام العقل الأنثوي سوي تحيّن الفرص وانتهازها في الخروج النادر من غفلتها ولعل ما تفعله أية امرأة بطرد شبح الموت عنها يتجسد خير تجسيد بقدرة (شهرزاد) علي إبعاد ذهن (الملك المستبد) عن فكرة مخاطر مصاحبة امرأة أو الوثوق بها، كما هو الشأن في أزمنة أخري حينما تجرأ العقل الأنثوي وعمل علي أن يسترد الذكاء حيّله، فأدي ذلك إلي ترويض الأنثي (البغي) لوحشية الذكر (انكيدو) معترفاً بعجزه عن الفرار من مصيدة الجسد الأنثوي، ذلك الجسد الذي يغوي ويصد في اللحظة ذاتها، ونفهم من هذا ان الأنوثة لا تنال جزء من مستحقاتها إلاّ بمقدار ما تقدمه في أوقات نادرة من مهارة أنثوية بوسعها أن ترقي حتي بدونية الحيلة إلي فرع من فروع الذكاء.
إن شعرية الأنوثة في قصائد الشاعرة (بلقيس حميد حسن) تتخذ أبعاداً مختلفة يزدوج فيها الإثبات والنفي وذلك يعد ملائماً لما يعتمل في الأعماق الأنثوية من إشكاليات ناجمة عن التنكيل التعسفي في الحياة التي هي في حقيقة الأمر منطقة نفوذ كاملة للذكورة، ونتيجة لذلك فأن الشاعرة تطرح بجرأة نادرة غموض السلطة الجنسية للذكر وتقلباتها، التي تدفع بالأنثي إلي التموضع في موضع آخر غير موضعها، لذلك تحاول الشاعرة أن تنشئ حلولاً لحيرة المرأة ومن بينها اللجوء إلي فكرة التماهي مع إشكاليات الآخر الأنثوي:
كانت
كجمرة نار
فيها العطور تقول:
صعب أعيش بلا يد حب
وملقي حبيب
تقول وتبكي
بأنـّي أحبه ُ حتي
تداعيت ُ من سفر ٍ وقفار
واني اعتركت كثيراً
لا قفل مفتاح قلبي عليه
واسمعه
يفرش ثوباً لأنثي
يعاقرها
من وراء الصخور
صوت اللهاث قوياً
————-
————-
سجينة منزلها والطبيخ
وحين تزوّج إحدي الأقارب
دعتها العروس
لتسريحة ِ شعر ٍ
أبهجتها المرايا
وكثرة ضوء المحل
وبعض الشعور الجميلة
حين التقت بالعطور
لأول حين قالت:
اريج الجنان هو العطر
أطيب من حنائنا والبخور
عادت
وفي الليل
تشمم عطراً
تشممه، بأمكنة وليال
هاج وماج
ولكن علي الرغم من أن الأنوثة في قصيدة (تهاوين قبل الأوان) تسعي بأقصي ما ينتج لها جسدها من طاقات أنثوية إلي توطيد علاقة جزئية مع الرجل، إلا أنها تعلن عن عجزها في معرفة بنية هذه العلاقة وطبيعتها بمستواها الفعلي المستند إلي تفاعل الطرفين، إذ لا أهمية لوجود تأثيرات الأنثوي إلاّ بالتفاعل مع روابطه الذكورية، بمعني أن أهمية العنصر الأنثوي مشتقة من علاقته مع قرينة الذكوري، وإلا فأن العنصر الأنثوي سيواصل العيش من قبيل التكرار الذي يدل علي تلبية حاجة فحسب ولا يطمح إلي تأكيد قيمة له، أنه نوع من الاستلاب الناجم عن التأثر بصفات الرجل بمعزل عما يميزه في علاقته مع المرأة، مما يتيح غياب تلاحم النصفين:
وها هي
تبغي الحديث عن العلم
ساعة ترتعش الأمنيات
تكون مهندسة
أو
وجاء النهار
استعارت كتاباً
استعارته
رآها ابن عم لها
أراد تملكها مع خرافهِ يوماً
رآها …
فثارت سياط
وفاحت عفونة شيء عتيق
رآها تكلم غير النساء
تطلب منه كتاباً دارت ظنون
وطارت شرور
وهكذا نري أن المطوّلة الشعرية للشاعرة (بلقيس) تطمح إلي إنتاج فهم جديد لطبيعة العلاقة الاقترانية بين الذكر والأنثي، لكن الأنثي في القصيدة تُكره نفسها في الغالب علي قبول ما يخالف ذلك أمام قلة الحيلة، غير أن الشاعرة تدفع بالعنصر الأنثوي إلي الظهور المتكرر عبر الأزمنة بوصفه مقداراً زمنياً ظل عالقاً بصفات غيره، لكنه الباعث القوي للشعرية الأنثوية دائمة التدفق…