الرئيسية » مقالات » حرب وسجن ورحيل -30

حرب وسجن ورحيل -30

لم أكن أتوقع أن يكون عدد من زملائي في ذلك السجن الممزوج بالروائح العفنه ويفتقر ألى أبسط الخدمات الصحيه ثلاثة من المواطنين العرب من خارج العراق ومن المعجبين بنظام صدام حد العشق والعباده كما يفعل الكثيرون أمثالهم اليوم وأن قضت قوانين رأس النظام القراقوشيه على كل أمل كان يراودهم في تحسين حالتهم المعيشيه من خلال عملهم وكدحهم للحصول على لقمة العيش لهم ولعوائلهم . ولكن تلك القوانين الأرتجالية التي كان يصدرها رأس النظام بأسم مايسمى ب ( مجلس قيادة الثوره ) والتي مازال العديد منها ساري المفعول لهم بالمرصاد صادرت سياراتهم التي هي ذخيرتهم الوحيدة من الدنيا ظلما وعدوانا حيث أصابتهم تلك القوانين الجائرة في مقتل وقضت على مستقبلهم ومستقبل عوائلهم التي كانت تعيش على وارد تلك السيارات بجرة قلم من رأس الشليله صدام حسين فصحا المساكين من سكرتهم التي غرقوا فيها ليجدوا أنفسهم قابعين في سجن عفن مزدحم بالبشر والروائح النتنة بعيدا عن عوائلهم ووطنهم بفضل بطل القادسية ومهندسها القائد الهمام والبطل الضرغام وهذا مالم يدر في خلدهم أبدا .
لقد كانوا ثلاثة أحدهم من دير الزور والثاني من حلب والثالث من أدلب في القطر السوري لقد وقع هؤلاء المساكين فريسة (بطل التحرير القومي ) وأجهزته القمعية التي تتمشدق بالعروبه وهي لاتعرف من العروبه ألا الشعارات الخاويه للأستهلاك المحلي والعربي وخداع من يستطيعون خداعه من المغفلين والواهمين . كان هؤلاء الثلاثه يملكون سيارات حمل حديثه نوع مارسيدس وهي كل مايملكونه من متاع الدنيا وكانوا ينقلون البضائع من العراق ألى دول الخليج في وضح النهار و بتصاريح رسمية أصولية من السلطات العراقيه وفي أحد الأيام من شهر تشرين الأول عام 1986م دخلوا بسياراتهم من سوريا ألى العراق حاملين معهم موافقاتهم وتصاريحهم كما في الحالات السابقه ووصلوا ألى بغداد وحملوا البضاعة من أحد المخازن لينطلقوا بها ألى دول الخليج وعند وصولهم ألى مشارف محافظة واسط صدر أمرسري وفوري من رئيس النظام بحجز أية مركبه لاتحمل أرقاما عراقية وتعمل داخل العراق مع صاحبها مهما كانت الأسباب والمبررات !! فأوقفت سيارات هؤلاء المساكين بحمولتها وجلبوا ألى السجن ولم ينظر في أوراقهم والموافقات الرسمية التي تسمح لهم بذلك !!موضحين لهم فقط أنه قرار الرئيس ولا يمكن لأحد الأعتراض عليه وقد صودرت مئات السيارات في ذلك اليوم تنفيذا للقرار الرئاسي.!!!
لقد كان المساكين في غاية الأضطراب والقلق والحزن ولم يصدقوا ماحدث لهم في العراق وفي ظل ( حامي العرب والعروبه صدام حسين )وفشلت جميع محاولاتهم للقاء أي مسؤول . لقد كان أحدهم يدخن ثلاث علب من سكائر بغداد يوميا ويقول أنني متزوج من أثنتين وعندي ثلاثة عشر بنت وولد ولا أملك من حطام الدنيا شيئا غير هذه السياره وستموت عائلتي من الجوع نتيجة مكوثي هنا وهي لاتعلم بذلك وعندما سألته هل كنتم تدخلون للعراق بعلم السلطات السوريه التي كانت علاقتها سيئة مع النظام العراقي قال نعم ولكنهم كانوا يقولون لهم أذا ذهبتم للعراق فأنتم تتحملون المسؤوليه وليس لنا دخل في مساعدتكم أذا تعرضتم لطارئ . وقال لي بالحرف الواحد( أن ثقتنا مطلقة بالسلطات العراقيه مادام الرئيس صدام حسين على رأس السلطه وعندما يعلم بذلك سيعاقبهم !!!) وكانوا يكلفوني بكتابة العرائض ألى المحافظ وألى غيره وكلها كانت تذهب أدراج الرياح وبعد أن بقوا في السجن لشهرين متتاليين همس أحدهم في أذني يوما وقال ( أن الذي جرى علينا شيئ لايصدق ولن تفعله حتى أسرائيل وأن هذا الرئيس ليس ألا فرعون زمانووليس ذلك الرئيس العربي الشهم البطل الذي كنا نتصوره في أذهاننا المريضه ) وقال آخر ( أنا وعائلتي كنا لا نفتح التلفزيون السوري و نفتح التلفزيون العراقي فقط لكي تتكحل عيوننا برؤية الرئيس كل ليله !!!) وقال الثالث : ( أذا حكم علي بالسجن سأنتحر في داخله ولا أعود ألى بلدي خالي الوفاض من سيارتي التي لاأملك غيرها في الحياة وستحاسبنا السلطات السورية كلما طال مكوثنا هنا في العراق )وكنت أستمع ألى مايقولون ولم أعلق على كلامهم خوفا من بقاء شيئ من ذلك الحب الأسطوري مازال يعشعش في عقولهم وأرواحهم . ومن الجدير بالذكر أن أحدهم كان يصب الماء على المجانين الراقدين في السجن ويقوم بتنظيفهم ويغسل الأرض من تحتهم ويقول : ( عسى أن يرحمني الله ويعيد الرئيس لي سيارتي وأذهب ألى أهلي في أقرب وقت وأبيعها وأفتح لي محلا تجاريا بدل هاي الشغله المتعبه ) ولكن أحلامهم تبخرت وأخذوا ألى محكمة خاصة بالكمارك وحكم كل منهم خمس سنوات ومصادرة سياراتهم كما أخبرتنا الشرطة بذلك .
أما ذلك السوداني المسجون بتهمة السكر ودخول أحد البيوت والذي أصابته طلقة من صاحب البيت وكان ضابطا حيث مرت تلك الطلقه بمسافة سم من قلبه واستقرت في صدره وأجريت له عملية جراحية لأخراجها فكان يدعي أنه قبل أن يأتي ألى العراق كان يعمل خادما في أحد قصور أمراء آل سعود في الرياض ويتكلم عن حالات الفساد الخلقي المتفشي في قصورهم وأنهم كانوا يشربون مختلف المشروبات الكحولية الأجنبية ويحرمونها على الآخرين هذا ماكان يصرح به والعهدة على الراوي .
ولن أنسى( طالب صيهود ) الذي كان معلما وفصل من التعليم لأعدام أثنين من أشقائه بتهمة الأنتماء ألى حزب الدعوه وسيق ألى الخدمة العسكرية فهرب منها مرتين وفي المرة الثالثة قبض عله وسجن ثم أخذ ألى ساحة الأعدامات خارج المدينة وأعدم مع مجموعة من الشباب الهاربين من الخدمة العسكرية وتم تسليم جثثهم بعد أن استوفت سلطات الأمن مبلغ الأطلاقات النارية من عوائلهم . وكان ذلك الشاب طالب صيهود من خيرة نزلاء السجن خلقا ويقف لأيام معدودة لينام أحد السجناء المرضى في مكانه عن طيب خاطر وكان شابا مؤمنا قارئا للقرآن ويكرر جملة ( قل لن يصيبنا ألا ماكتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون ) ولن أنسى ذلك الوجه النوراني الهادئ والراضخ لأرادة الله الواحد الأحد وكنا نتبادل الأفكار في أمور كثيرة وكان محاورا جيدا ويمتلك ثقافة واسعة ويصرح لي علنا (أن الأشتراك في هذه الحرب جناية كبرى ولن أشترك فيها أبدا وأفضل أن أموت شهيدا على أيدي القتلة البعثيين على أن أقتل في جبهات القتال ) وقد حقق الله أمنيته ومات شهيدا قرير العين رحمك الله ياطالب وأسكنك فسيح جناته . لقد كان أخوه هاشم صيهود معلما زميلا لي في مهنة التعليم وكان هو الآخر أديبا ومثقفا ثقافة دينية ويحفظ أشعارا كثيرة وله عائلة كبيرة وهو معيلها الوحيد ولا أدري هل أن حزب الدعوه ألتفت ألى هذه العائلة الكريمة المعدمة التي فقدت أثنين من أبنائها على أيدي جلاوزة البعث الأشرار أم لا وهل أن الأستاذ هاشم صيهود مازال على قيد الحياة أم لا ؟
أما الشرطي حامد فكان في أكثر الأحيان نائما وكأنه من الأموات حيث يلتهم عددا من حبات الفاليوم ويغط في سبات عميق وكم نصحته بترك تلك الحبوب المنومة ولكنه كان لايصغي ألى كلامي ويقول لي دائما وبالكاد يبتسم لضعفه ( أستاذي النوم سلطان !) وكنت أشفق لحاله كثيرا دون أن أستطيع تغيير حالته المأساويه وكان يضع تحت رأسه مصحفا راقيا مجلدا بجلد أصلي وفي أحدى المساءات أفرج عنه وكان في غاية الضعف والهزال فحمله الشرطة ألى خارج السجن وهو يردد بصوت خافت ( شكو أشصار أجانه العفو ) فقال له شرطي بصوت عال (أجاك أفراج أفراج سمعت لو بعدك أطرش ) حضرت عائلته لآستلامه وفي اليوم الثاني وردنا نبأ موته أما ذلك المصحف المجلد بجلد فاخر فقد اختفى خبره وربما التقطه شرطي وقد كنت أتمنى اقتناؤه ولو طلبته منه لما بخل علي به .
لم يغمض لي جفن بعد أعدام طالب ووفاة حامد وبينما أنا مطرق برأسي على الجدار انبعث صوت أمراة من سجن النساء بعد منتصف الليل وهي تنعى وتبكي بكاء مرا يفتت الصخر الأصم مما دعا العديد من السجناء لكي يبكوا معها دون أن يعرفوا سبب سجنها وعندما سألنا الشرطي في الصباح عن سبب نواح تلك المرأه أجابنا بأن أبنها هرب من جبهة القتال ولكونه يتيم الأب فقد سجنت أمه المسكينة التي ترعى عدة أيتام في كوخهم الطيني الذي يعيشون فيه فانتزعوها من أطفالها وجاءوا بها ألى السجن حسب قانون بطل العروبة الأوحد صدام حسين !!!في الوقت الذي كان يغدق فيه الأموال الطائلة على مداحيه من حثالات بني مروان الذين كانوا يتوافدون عليه من كل الأقطار العربية تأييدا له ولقادسيته المشؤومة التي لم تسلم منها حتى النساء الأرامل فكان السجن من نصيبهن لأن أولادهن الأيتام رفضوا تلك الحرب الدموية القذره فهنيئا لأزلام العروبة بفارسهم الذي سقط في مزبلة التأريخ و الذي كان لم يشق له غبار في تلك المخازي التي تجاهلوها وعتموا عليها ولكن هيهات للحقيقة أن تموت مادام هناك شاهد عدل .
جعفر المهاجر
السويد في 9/8/2009