الرئيسية » شؤون كوردستانية » الانتخابات في كردستان العراق

الانتخابات في كردستان العراق

نشرت الجريدة المركزية لحزبنا في العدد /416/ وفي مقالتها الافتتاحية مقالاً بعنوان ( الانتخابات في كردستان العراق عرس ودرس ) وقد جاءت الافتتاحية معبرة بدقة وموضوعية عن الحدث وأبعاده المختلفة ، لذا ارتأيت التطرق إلى الموضوع من جوانبه المختلفة بشكل أوسع والتي ( أي الانتخابات ) أفرزت واقعاً لا تقتصر تداعياته ونتائجه على الوضع في كردستان العراق وحتى العراق لوحده ، بل تتجاوز أبعاده في ذلك كثيراً والتي يمكن إيرادها كما يلي :
1- إن العملية الانتخابية سارت بمنتهى الشفافية والديمقراطية والنزاهة والتي أجمع عليها جميع المراقبين المحليين والإقليميين والدوليين خلافاً لمعظم العمليات الانتخابية التي تجري في المنطقة وبذلك قدمت وجهاً مشرقاً للشعب الكردي ولتجربته الديمقراطية في المنطقة ، كما اثبتت حيويته وفعاليته وقدرته الفائقة على التعامل مع التطورات العالمية بشكل إيجابي وعميق .
2- إن الديمقراطية تشكل المناخ الحقيقي للإبداع وستهيئ الأرضية لتطورات مذهلة في كردستان العراق من خدمية وثقافية واجتماعية وإدارية إلى جانب مكافحة البيروقراطية والفساد الإداري الذي قد ينجم في صيرورة العمل ، وبالتالي ستشكل الركيزة لانطلاقة أقوى وأكثر صوابية للإقليم في كافة المجالات .
3- إن نتائج الانتخابات الرئاسية جاءت لتؤكد ثقة معظم الجماهير الكردية والكردستانية بالسيد الرئيس مسعود البارزاني لحصوله على نسبة تقارب الـ 70% في أجواء ديمقراطية حقيقية تشكل رقماً قياسياً ودرجة عالية من الثقة وفق المقاييس الديمقراطية ، الأمر الذي يؤكد على صوابية الاستراتيجيات والسياسات المتبعة من قبل رئاسة الإقليم في القضايا الجوهرية والمصيرية .
اما تراجع نسبة القائمة الكردستانية رغم قدرتها على تشكيل حكومة لوحدها ، إلا أنه يجب الوقوف عندها ومراجعة الأخطاء في المرحلة السابقة وهي أخطاء إدارية ومالية واقتصادية وخدمية … يتوجب على البرلمان والحكومة القادمتين المزيد من الاهتمام بقضايا الجماهير المختلفة والانطلاق من مصالحها وجعلها البوصلة التي ترسم لها الطريق في مهامها وأدائها وخططها المختلفة .
4- على الصعيد العراقي قدم سير الانتخابات ونتائجها رسالة قوية إلى الحكومة المركزية مفادها أن الرئيس مسعود البارزاني يمثل الشعب الكردي بكل اقتدار ، وبالتالي فإن الشعب الكردي يساند سياساته وتوجهاته فيما يتعلق بقضايا النزاع مع الحكومة العراقية تلك القضايا التي تعتبر في حقيقتها مفتعلة من جانب حكومة المركز أكثر ما هي قضايا نزاع حقيقية لأن الأمور واضحة سواء من حيث المنطقين التاريخي والجغرافي أو من حيث الدستور العراقي ( المادة 140) إلا ان تلكؤ أو حتى عدم استجابة الحكومة المركزية لتطبيق تلك المادة جعل منها قضية نزاع ، وقد جاءت زيارة رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي إلى إقليم كردستان ولقاؤه مع السيدين مسعود البارزاني رئيس الإقليم والسيد جلال الطالباني رئيس جمهورية العراق الفيدرالي أولى ثمار هذه الانتخابات حيث تمت مناقشة نقاط الخلاف ، ونتمنى أن يدرك القادة العراقيون مدى خطورة عدم استجابتهم لتطبيق المادة (140) تلك الخطورة التي عبر عنها غيتس وزير الدفاع الأميركي نفسه عندما أكد أن عدم حل قضايا النزاع بين بغداد وأربيل ينطوي على مخاطر جمة وتهدد العملية السياسية في العراق برمتها .
5- على الصعيد الإقليمي وبلدان العالم الثالث : قدمت الانتخابات تجربة فريدة ورائعة يجب أن تضاف إلى الرصيد العالمي من حيث دراسة تجارب الشعوب ، فالكثير من الثورات والانقلابات التي حصلت في المنطقة والعالم قدمت تجارب مختلفة ارتكزت في معظمها على الشمولية ، فما أن استلم حزب ما السلطة سواء عن طريق الانقلاب أو الثورة حتى انفرد بها وطبق نظاماً شمولياً رغم اختلاف شموليتها وتشددها وتمركز السلطة من نظام إلى آخر ، ومن هذه التجارب انقلاب البعث في كل من سوريا والعراق – والتجربة الليبية – والصينية – والكوبية – وكوريا الشمالية ، فما أن استلمت تلك الأحزاب السلطة في بلدانها حتى تنكرت لشعاراتها وبذلت كل الجهود والإمكانيات لتضمن استمرارية سلطتها وتطبيق الشمولية في الحياة السياسية في البلاد ، ومنع المعارضة من العمل السياسي وحتى منع حرية الصحافة والرأي والتعبير وقمع مؤسسات المجتمع المدني ، واللجوء إلى خلق تنظيمات تابعة لها باسم المعارضة ، والعالم كله على اطلاع بتجارب هذه البلدان وما آلت إليه الأوضاع العامة في تلك البلدان وخاصة قضايا الديمقراطية ( غياب الديمقراطية ) وحقوق الإنسان والحريات العامة وانتشار الفساد بأشكاله ، وتدني مستوى المعيشة .
تلك الأنظمة التي تحاول الحصول على التكنولوجيا الغربية لخدمة مشاريعها السلطوية ولكنها ترفض طبيعة أنظمتها من حيث تطبيق الديمقراطية تحت شعار خصوصية مجتمعاتنا ناسين أو متناسين أن التطور عملية متكاملة .
أما في كردستان العراق فقد قدمت تجربة مختلفة عن تلك الدول وبشكل جذري ، تجربة الانتقال من عهد الثورة والكفاح المسلح إلى عهد بناء الدولة ، فاختار النظام الديمقراطي ودولة المؤسسات والقانون والتي هي في الحقيقة النظام الوحيد الذي أثبت استجابته القصوى لمصالح الجماهير المختلفة السياسية – الثقافية – الخدمية – المعيشية – النظام الذي أثبت قدرته على خلق الإبداع بمختلف أشكاله ، والذي أثبت احترامه خيارات شعوبه على المستويين الفردي والجماعي
لذلك يمكن القول إن الشعب الكردي وقيادته الحكيمة التي صنعت الظروف والعوامل لمثل هذه التجربة قدم للعالم تجربة أخرى هي الأكثر نجاحاً في المنطقة تضاف إلى الرصيد العالمي دراسة وتقييماً وتجارب شعوب .
6- إن الانتخابات في كردستان العراق سوف تشكل قلقاً لدى الدول الإقليمية وحكوماتها والتي تخشى من الديمقراطية أكثر من خشيتها من أي شيء آخر ، لذلك فإنها قد تزيد من تدخلها في شؤون كردستان العراق بأساليب وطرق مختلفة من جهة ولكنها في نفس الوقت سوف تشكل لديها قناعات راسخة مبنية على الواقع وبالتالي قد تعمل بصورة أكثر إيجابية على الصعيد الرسمي مع قيادة الإقليم من جهة ثانية .
وباختصار فإن الانتخابات في كردستان العراق قدمت نموذجاً جديداً في المنطقة والعالم الثالث الذي ينزع أحزابه في معظمها إلى الشمولية بعد استلام السلطة ليقدم الإقليم تجربة ديمقراطية فريدة ومختلفة تضاف إلى رصيد تجارب الشعوب والعالم الثالث .

11/8/2009