الرئيسية » دراسات » كتاب في حلقات صدام والفخ الأمريكي الحلقة 15/ 17

كتاب في حلقات صدام والفخ الأمريكي الحلقة 15/ 17

نتائج الحرب على الجانب العراقي:

1 ـ استمرار الحصار على العراق واشتداد معانات الشعب:

استمرت لعبة القط والفأر بين الولايات المتحدة ونظام صدام، حول تنفيذ جميع قرارات مجلس الأمن الدولي فيما يخص تدمير كافة أسلحة الدمار الشامل العراقية. فنظام صدام ادعي بأنه قد نفذ كافة قرارات مجلس الأمن، وجرى تدمير كافة أسلحة الدمار الشامل، والولايات المتحدة إدعت أن النظام العراقي لازال يخفي الكثير منها، والكثير من المعلومات المتعلقة بالتسلح، وخاصة برنامجه النووي والبيولوجي والكيماوي. وتبعاً لهذه المواقف من قبل الولايات المتحدة ونظام صدام استمر الحصار المفروض على الشعب العراقي، دون صدام وزمرته المهيمنة على مقدرات العراق منذُ 2 آب 1990 وحتى سقوط النظام عام 2003، وتفاقمت الأوضاع المعيشية والصحية للشعب إلى الحد الذي بات فيه أكثر من 4 ملايين عراقي يهددهم شبح الموت جوعاً، استناداً إلى تقارير بعثة منظمة الأغذية الدولية التابعة للأمم المتحدة.(1) كما أشارت منظمة الصحة العالمية أن أكثر من 4600 طفل عراقي، دون الخامسة من العمر يموتون كل شهر، بسبب فقدان الغذاء والدواء، وانعدام الخدمات الصحية المناسبة، هذا بالإضافة إلى ما سببه سوء التغذية من تأثير كبير على نمو أطفال العراق العقلي والجسماني. (2) ومما زاد في الطين بله توقف معظم مشاريع الصرف الصحي، ومشاريع تصفية مياه الشرب بسبب فقدان قطع الغيار، واضطرار السكان في الكثير من المدن والقرى إلى استخدام المياه الملوثة، غير الصالحة للشرب، مما سبب في انتشار الكثير من الأمراض كالإسهال، والتيفوئيد، والكوليرا وغيرها من الأمراض الأخرى. ورغم أن قرار مجلس الأمن المرقم 706، الصادر في 15 آب 1991، والقرار رقم 712، الصادر في 19 أيلول 1991، قد سمحا للنظام العراقي ببيع ما قيمته 1600 مليون دولار من النفط، ثم زيدت إلى ملياري دولار كل ستة أشهر، بموجب القرار 986، الصادر في 10 نيسان 1995، لغرض شراء المواد الغذائية والأدوية، وتوزيعها على المواطنين، تحت إشراف الأمم المتحدة، إلا أن نظام صدام رفض تنفيذ تلك القرارات بحجة الانتقاص من سيادة العراق، وهو الذي تنازل عن السيادة العراقية للأمريكيين في خيمة صفوان، تاركا الشعب العراقي يعاني الجوع والأمراض، وتحت رحمة التجار الجشعين من أزلام النظام الذين يتلاعبون بقوته فيرفعون الأسعار كل يوم، بل كل ساعة، وتحت رحمة التضخم الذي أدى إلى انهيار العملة العراقية، وفقدانها لقيمتها، بعد إقدام النظام على طبع كميات هائلة من العملة الورقية من دون غطاء، حيث أصبحت لا قيمة لها، حتى هبطت قيمة الدينار العراقي 10000 مرة عن قيمته الأصلية، فقد وصل سعر الدولار الواحد في عام 1996 3000 دينار، بعد أن كانت قيمته قبل الحرب العراقية الإيرانية تساوي ثلاثة دولارات وثلث. وهكذا انهارت القدرة الشرائية للمواطن العراقي، وأصبح دخله لا يساوي شيئاً، ولا يمكن تأمين أبسط الحاجيات الغذائية والصحية، واضطر المواطنون إلى بيع أثاثهم وحاجياتهم، وكل ما يتوفر لديهم، ليسدوا رمق أولادهم وعائلاتهم. كما اضطر ما يقارب الثلاثة ملايين مواطن عراقي إلى مغادرة الوطن، ومن بينهم أعداد كبيرة من الكوادر العلمية العراقية التي كان العراق بأمس الحاجة إليهم، واختاروا العيش في المنافي هرباً من بطش نظام صدام الفاشي، ومن الظروف المعيشية القاسية التي لا يمكن وصفها. ورغم أن الولايات المتحدة استطاعت أن تجبر النظام العراقي على تنفيذ جميع القرارات الصادرة عن مجلس الأمن، والتي تهم مصالحها، لكنها سكتت عن تنفيذ هذه القرارات، والقرار رقم 688 والمتعلق بالقمع الذي يمارسه صدام حسين ضد الشعب العراقي، واستهانته بحقوق الإنسان، والذي بقي حبراً على الورق. واستمر الحصار يطحن بالشعب العراقي دون أن ينفذ نظام صدام القرارات المتعلقة ببيع النفط لتأمين الغذاء والدواء، مكتفياً بما يقدمه للمواطنين بموجب البطاقة التموينية، من المواد الغذائية التي لا يمكن أن تفي بحاجة العائلة العراقية لمدة أسبوعين من الشهر، ولا يمكن أن تؤمن السعرات الحرارية اللازمة للإنسان، ولا حاجته من الفيتامينات الضرورية لصحته، ناهيك عن فقدان الأدوية والخدمات الصحية الضرورية. ولما بلغ الوضع المعيشي للشعب العراقي درجة الانفجار، اضطر نظام صدام بقبول تنفيذ القرار 1986، والمعروف بالنفط مقابل الغذاء والدواء، في أواسط عام 1996، بعد رفض دام خمس سنوات، ذاق خلالها الشعب العراقي مرارة الجوع والإذلال، والحرمان، وفتك الأمراض. ورغم كل تلك المعانات القاسية، حاولت الولايات المتحدة تعطيل تنفيذ القرار مرات عديدة، متذرعة بمختلف الذرائع، مما أدى إلى حالة من الاستياء لدى شعوب العالم، والكثير من الحكومات التي طالبت بسرعة تنفيذ القرار، واستمرت المماطلة في تنفيذ القرار حتى شهر آذار من عام 1997، رغم أن المبالغ التي سيتم بها شراء الأغذية والأدوية، بعد استقطاع ما يزيد على ثلث ثمن مبيعات النفط لغرض التعويضات، ومصاريف تدمير أسلحة الدمار الشامل، ورواتب خبراء الأمم المتحدة، فأن ما يبقى من ثمن النفط المباع لا يمكن أن يسد حاجة الشعب من الغذاء والدواء، حتى لو التزم النظام العراقي بالتوزيع العادل للأغذية والأدوية بموجب القرار المذكور، لكنه يمكن أن يخفف بعض الشيء من جسامة المأساة التي كان يحيا بظلها الشعب العراقي المسلوب الإرادة. 2 ـ تفاقم أزمة النظام العراقي: رغم بقاء واستمرار النظام العراقي، وبقاء صدام حسين على رأس النظام بعد هزيمة ما سمي بأم المعارك!!، حرب الخليج الثانية، والتي استحالت إلى أم المهالك، كما يسميها الشعب العراقي، فأن أزمة نظام صدام أخذت تتفاقم يوماً بعد يوم. فالحصار الذي فرضه مجلس الأمن على العراق قد استمر 13 عاماً، والبنية التحتية للاقتصاد العراقي مدمرة، والديون الهائلة تثقل كاهل البلاد، إضافة للانهيار الاجتماعي الخطير الذي أحدثه الحصار الاقتصادي. واستمر نظام صدام يعيش عزلة دولية خانقة، فقد كان النظام مرفوض عراقياً، وعربياً، وإقليميا، ودولياً، بسبب سياسة صدام الرعناء، وحروبه المدمرة، وسياسة القمع التي استمر يمارسها ضد الشعب حتى سقوطه، وقمعه لكافة الحقوق والحريات العامة، وتنكيله البشع بكل القوى السياسية، وحرمان البلاد من الصحافة، والبرلمان الحقيقي المنتخب من قبل الشعب بحرية ونزاهة، ومن الدستور الدائم، وسيادة القانون. لقد غدت التصفية الجسدية للمعارضين هي سمة النظام، ولم تقتصر هذه السياسة على القوى والأحزاب الوطنية المعارضة، بل امتدت إلى قيادة حزبه، حيث أقدم صدام على تصفية معظم قيادات حزبه بأسلوب وحشي، وجاء بعناصر بدلها، لا تعرف غير الخنوع الذليل لسلطانه. ورغم كل ما فعله صدام للحفاظ على نظامه، فأن التمزق والنخر قد وصل إلى أعلى حلقات النظام، إلى عائلة صدام نفسها، ولعل هروب حسين كامل، الشخص الثاني بعد صدام في سلم السلطة، وزوج ابنته رغد، والذي شغل اخطر المناصب في الدولة، وكذلك شقيقه صدام كامل، مسؤول حماية صدام الشخصي، وزوج ابنته رنا، وبمعيتهم عدد من الضباط في جهاز الأمن الخاص إلى الأردن، في 8 آب، 1995 لهي خير دليل على عمق الأزمة التي ظل يعاني منها نظام صدام حتى النهاية. كما إن إقدام صدام على قتل حسين كامل، وشقيقيه، ووالده، بذلك الأسلوب البشع، بعد عودته إلى العراق، إثر إصدار ما يسمى بمجلس قيادة الثورة قراراً بالعفو عنهما، لهو الدليل القاطع على عمق الأزمة التي كان يعاني منها النظام، وعلى بشاعته التي لا حدود لها، حيث وصلت جرائم صدام إلى قتل والدي أحفاده، فكيف هي تلك الجرائم التي أرتكبها ضد القوى المعارضة لحكمه؟ لم تسلم من بطش صدام جميع الحلقات المحيطة به، والمسخرة لحمايته، فقد نكل بعشائر الجبور، وعشائر الدليم، وحتى جانب كبير من التكارتة، والذين كانوا يمثلون العمود الفقري لجهاز أمنه الخاص، والمسؤول عن حمايته، وحماية النظام حيث أقدم على اعتقال وتعذيب عدد كبير من الضباط، من هذه العشائر، بتهمة التآمر على نظام حكمه، مما أدي إلى انتفاضة عشائر الدليم ضد حكمه، والتي قمعها صدام بوحشية، مستخدماً كافة الأسلحة المتاحة، وسقط في مدينة الرمادي أكثر من 150 مواطناً قتلى خلال المعركة.كما أعقب ذلك تمرد الكتيبة المدرعة العاشرة في أبو غريب، بقيادة العميد [تركي إسماعيل الدليمي]، إثر مقتل العميد الركن الطيار [محمد مظلوم الدليمي] تحت التعذيب في أقبية الأمن الخاص لنظام صدام. لكن صدام استطاع القضاء على التمرد بعد معركة دامية استمرت عدة ساعات، واستخدمت فيها الدبابات، والمدرعات، وسقط الكثير من القتلى والجرحى. ورغم أن نظام صدام حاول بكل جهوده التعتيم على ذلك التمرد، إلا أن أصوات الانفجارات كانت تسمع من قبل المواطنين، وسرعان ما انتشرت أخبار التمرد إلى الصحافة العالمية.(3) حاول صدام حسين أن يضفي على حكمه صفة الشرعية، بعد تلك الهزات العنيفة، فلجأ إلى إجراء استفتاء على رئاسته، من دون أن يكون هناك أي منافس!!، وأجبر المواطنين على الإدلاء بصوتهم، مهدداً كل من يمتنع عن التصويت له بسحب بطاقته التموينية، وحرمان عائلته من المواد الغذائية، وهكذا أصبح استفتاء صدام مثار السخرية في العالم اجمع. لقد كان الشعب العراقي على قناعة بأن نظام صدام الفاشي لا يمكن أن يدوم، فقد كانت انتفاضة الشعب العراقي في آذار 1991 هي التصويت الحقيقي المعبر عن كره الشعب لذلك النظام، وتصميمه على التخلص منه مهما طال الزمن. المعارضة العراقية ونظام صدام القاعدة عادة، وكما هو معروف، أن المصائب توحد المجتمع، وتدفع قواه السياسية للتعاون والتكاتف من أجل درء الأخطار، والمصائب التي تداهم البلاد، وتصبح هذه الأخطار والمصائب عاملاً حاسماً في تناسي الضغائن والأحقاد والخلافات مهما كانت، وتدفعهم للعمل المشترك للوقوف أمام الأخطار التي تهدد الجميع. لكن ما يؤسف له أشد الأسف، أن فصائل العارضة العراقية قد قلبت المعادلة رأساً على عقب، فرغم شدة المصائب، وعمق المأساة التي حلت بالعراق وشعبه، والتي لم يشهد العراق لها مثيلاً من قبل، ورغم ادعاء كل فصائل العارضة هذه بأنها تنادي بإسقاط نظام الدكتاتور صدام، وتدعي الأيمان بالديمقراطية، والتعددية، واحترامها لحق الشعب العراقي في الحرية، وحقه في أختار ممثليه، عن طريق الانتخاب الحر والنزيه. إن كل هذه التوجهات، إن صح الادعاء، كانت تصلح أن تكون الأساس، والقاعدة التي يمكن أن تلتف حولها هذه الفصائل، وتعمل من أجل تحقيقها بجهد مشترك، لا يستثني أي فصيل مهما صغر شأنه، فلا يمكن أن تتحقق هذه الأهداف بدون وحدة جميع هذه القوى. لكن الذي جرى هو أن هذه الفصائل ظلت تعاني من الصراعات الحادة وحتى الدموية، وكل فصيل اتخذ لنفسه اتجاها مناقضاً للأطراف الأخرى، ويمكننا تصنيفها بموجب اجندتها بالتالي: 1ـ أحزاب كانت تعول في إجراء التغيير على العامل الخارجي، الدولي منه والإقليمي، وارتبطت تبعاَ لذلك بهذه الدولة أو تلك، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية، على أمل إجراء التغيير المنشود. لكن هذه الدول لا يهمها سوى مصالحها في الدرجة الأولى، وبوجه خاص الولايات المتحدة التي لها مصالحها التي لا تعلوها أي مصلحة أخرى، وهي لا تفكر في إقامة نظام ديمقراطي حقيقي في العراق، وكانت ترى في بقاء نظام صدام ضعيفاً تجاهها، ومنفذاً لكل ما تطلبه منه، وفي الوقت نفسه قادراً على قمع شعبه، هو خير ما يحقق أهدافها في منطقة الخليج، ولا يهمها مصلحة الشعب العراقي ولا معاناته مهما عظمت. 2ـ أحزاب دخلت في صراع مسلح دامي فيما بينها، منذُ 17 آب 1994، وجاء على الأخضر واليابس، كما يقول المثل، في منطقة كردستان العراقية، وأعني به الحزب الديمقراطي الكردستاني [حدك] والاتحاد الوطني الكردستاني [أوك] على الضد من مصالح المواطنين الأكراد بصورة خاصة، والشعب العراقي بصورة عامة، ومنزلين أفدح المصائب بالشعب الكردي. وقد دفعتهم هذه الحرب العبثية إلى التحالف مع الإيرانيين والأتراك والأمريكان، ومن ثم أنتهي المطاف إلى طلب المساعدة من نظام صدام الذي اجتاح مدينة أربيل في 31 آب 1996، وبذلك أضعف، وشتت قوى المعارضة العراقية، وجهودها لإزاحة النظام، ولاسيما وأن لقوى الحزبين دور كبير جداً في الصراع مع نظام صدام. وفي الوقت نفسه تصاعدت الدعوات بقيام كيان مستقل في كردستان، لكن تلك الدعوات لاقت الرفض والمقاومة من جانب إيران وتركيا، نظراً لتخوف هاتين الدولتين من تحرك المواطنين الأكراد في بلديهما للمطالبة بحقوقهم القومية أسوة بأكراد العراق، والذين يتجاوز تعدادهم أكثر من عشرين مليون نسمة، ولاسيما وأنهم يخوضون صراعاً مريراً مع حكومتي البلدين من أجل تلك الحقوق. (4) 3ـ أحزاب تحمل توجهاً دينياً متعصباً، وتضم هذه المجموعة الأحزاب الإسلامية التي ترفض التعامل مع الفكر العلماني، والقوى السياسية العلمانية والديمقراطية، بل وتدخل في صراع معها على صفحات الصحف والنشرات التي يصدرها، وتحاول فرض نفسها الممثل الوحيد للشعب العراقي، على الرغم من أن التيار العلماني والديمقراطي له جذور عميقة في صفوف الشعب ولعب ولا يزال يلعب دوراً كبيراً في النضال ضد الدكتاتورية. ولنا ما جرى في لقاء دمشق لأحزاب المعارضة العراقية في الثالث من نيسان 1996، خير دليل، عندما أصرت القوى الإسلامية على رفض اشتراك الحزب الشيوعي، مهددة بالانسحاب من المؤتمر، مما اضطر سكرتير الحزب الشيوعي السيد حميد مجيد على مغادرة قاعة الاجتماع. وبطبيعة الحال إن هذا الموقف من جانب التيار الإسلامي ليس فقط لم يخدم قضية الشعب العراقي وتحرره، بل أطال في عمرالدكتاتورية، وهذا الموقف يتنافى وصدقيه التوجه الذي ادعته هذه الأحزاب حول الديمقراطية والتعددية، والحريات العامة، وخيارات الشعب.(5) 4ـ أحزاب تدعو للتفاوض مع نظام الدكتاتور صدام، بدعوى أن المعارضة الوطنية غير قادرة على إسقاط النظام، وأن لا سبيل أمامها إلا التفاهم مع النظام، متناسين التجارب السابقة مع هذا النظام، وغدره بكل من تحالف معهم، وتلك الإحداث، والشواهد لا تزال ماثلة أمام كل من له عينان تبصران، وأذن تسمع، ولا تحتاج منا الإعادة. (6) 5ـ أحزاب تضم التيار الديمقراطي الذي يدعوا إلى الاعتماد على الشعب، وعلى تكاتف وتعاضد كل القوى السياسية الوطنية، صغيرة كانت أم كبيرة، من أجل تحقيق التغيير المنشود، ولنا من تجارب الجبهة الوطنية التي ضمت جميع الأحزاب الوطنية، من قوميين وديمقراطيين وشيوعيين ومستقلين عام 1957، والتي مهدت السبيل لثورة الرابع عشر من تموز 1958، خير مثال وشاهد. لكن هذا التيار كان بحاجة إلى أن يبذل جهوداً كبيرة من أجل تجميع كل القوى الديمقراطية، ورص صفوفها، والتقدم بخطاب سياسي متكامل، لكي يثبت للقوى الأخرى أنه لازال يمثل جانباً كبيراً من جماهير الشعب العراقي التي تنشد الديمقراطية حقاً. إن هذا التمزق والتناحر في صفوف الحركة الوطنية لم يخدم سوى نظام صدام، وأطال في عمره، وأطال من أمد وعمق المأساة التي كان يعاني منها الشعب العراقي المنكوب، وإن تلك القوى التي كانت ترفض التعاون والعمل المشترك للخلاص من نظام صـدام تتحمل مسـؤولية تاريـخية كبرى في استمرار بقاء نظام صدام. لقد كان السبيل للخلاص من النظام الدكتاتوري البغيض، هو طريق الوحدة الوطنية، والتعاضد والتعاون المشترك، وتغليب مصلحة الشعب والوطن على المصالح الحزبية الضيقة، والحفاظ على وحدة العراق أرضا وشعباً، والأيمان الصادق بالديمقراطية والتعددية، والتداول السلمي السلطة، عن طريق الورقة الانتخابية، وإفساح المجال للشعب العراقي ليختار بكل حرية ممثليه، فالشعب هو وحده الذي يجب أن يملك حق الاختيار. نتائج الحرب على الجانب العربي: 1 ـ تفكك وانهيار التضامن العربي: لا شك أن أحد أهم النتائج التي أفرزها غزو نظام صدام للكويت، وحرب الخليج الثانية، هي تمزق الصف العربي بصورة لم يسبق لها مثيل، واضمحلال دور الجامعة العربية في جمع الدول العربية حول بعض القواسم المشتركة، وهيمنة الولايات المتحدة على سياسات وتوجهات معظم الدول العربية، وحتى على قرارات الجامعة العربية، ومؤتمرات القمة العربية. لقد بلغ العداء لدى بعض حكام دول الخليج لكل ما هو عربي، أنها باتت تقدم أيديها لمصافحة غلاة العنصريين الصهاينة من قادة الليكود الإسرائيلي أمثال نتنياهو، وباراك، وديفيد ليفي، وشارون، وتأبى أن تصافح اليد العربية، وتلك هي قمة المأساة في العلاقات العربية. لقد نسي أو تناسى حكام الخليج أن الحاكمين لا يمكن أن يكونوا الممثل أو البديل عن الشعوب العربية، فصدام حسين لا يمثل الشعب العراقي، ولا يعبر عن توجهاته، وهم يعرفون حق المعرفة أن الشعب العراقي كان مغلوباً على أمره، وانه يرزح تحت نير أعتا نظام دكتاتوري عرفه العراق، وانه شعب مسلوب الإرادة منذُ أن سطا حزب البعث على الحكم في انقلاب عسكري عام 1968. لقد تفرقت الدول العربية، وأصاب الجامعة العربية الوهن والضعف الخطيرين، بحيث لم تعد قادرة على القيام بأي دور يخدم القضايا العربية، واشتدت نتيجة ذلك الهجمة الإمبريالية والصهيونية على العالم العربي لتهدم فيه، من أجل إحكام هيمنتها على ثرواته واقتصاده. لقد اثبت وقائع التاريخ، القريبة منها والبعيدة، أن تحقيق آمال وتطلعات الشعب العربي في التقدم والرفاه، وضمان السيادة والاستقلال، ودرء الإخطار الإمبريالية الهادفة إلى سرقة ثروات البلاد العربية، والهيمنة على المنطقة، وفرض احترام الآخرين للإرادة العربية، يكمن في وحدة العرب جميعاً، والعمل الجاد والمتواصل لكل ما من شأنه أن يحقق أقصى ما يمكن من التعاون والتنسيق في سائر المجالات السياسية والاقتصادية والعسكرية والثقافية، وفي المقدمة من ذلك إنشاء السوق العربية المشتركة، والتكامل الاقتصادي الحقيقي، والوحدة النقدية، وغيرها من الأمور الأخرى، وصولاً إلى الوحدة العربية الديمقراطية، حلم العرب جميعاً. إن من المؤسف أن نجد اليوم العرب جميعاً على هذه الحال من التمزق والتنافر، والسيف الأمريكي والإسرائيلي مسلطان على رقابهم، في وقت نرى فيه قيام وحدة أوربية بين دول مختلفة، لا يجمعها ما يجمع العرب من جوامع اللغة والدين والتاريخ والعادات والتقاليد المشتركة، بالإضافة إلى الأرض المشتركة. 2 ـ مؤتمر مدريد،وتهافت الحكام العرب للتطبيع مع إسرائيل كان أعظم هدف حققته الولايات المتحدة بعد حرب الخليج الثانية ضد العراق هو دفع الحكام العرب إلى مؤتمر مدريد، من أجل فرض الصلح مع إسرائيل، بعد أن رفض العرب أي مفاوضات، أو صلح معها منذ قيام دولة إسرائيل عام 1948، وبذلك حققت الولايات المتحدة ذلك الحلم الذي راودها لعقود من السنين، وجاءت بالحكام العرب إلى مؤتمر مدريد، وهم في أسوأ حالات الضعف والتمزق، وفرضت عليهم الدخول في المفاوضات بصورة منفردة، لكي تمكن إسرائيل من الاستفراد بهذه الدول، وفرض شروطها، ولتحقق أقصى ما يمكن من المكاسب على حساب الحق العربي في أرضه المسلوبة نتيجة الحرب العدوانية التي شنتها إسرائيل على الدول العربية عام 1967. ومما زاد في عمق المأساة تهافت العديد من الحكام العرب للصلح مع إسرائيل، دون مراعاة لعملية التنسيق فيما بينها، كما وجدنا أن دول الخليج والمغرب العربي تهرول نحو تطبيع علاقاتها مع إسرائيل، حتى قبل أن تسفر المفاوضات بين الفلسطينيين وسوريا ولبنان عن الوصول إلى السلام العادل، على أساس الأرض مقابل السلام، كما جاء به مؤتمر مدريد، مما أضعف الموقف التفاوضي العربي، وزاد من تعنت إسرائيل. إن الطريق المسدود الذي وصلت إليه المفاوضات مع الفلسطينيين، وانقطاع المفاوضات بين سوريا ولبنان وإسرائيل، هو نتاج لتهافت الأنظمة العربية، والقادة الفلسطينيين على التفاوض المنفرد مع إسرائيل، متخلين عن التنسيق مع سوريا ولبنان، فقد تسببوا في إضعاف موقفهم وموقف سوريا ولبنان التفاوضي، وجعلوا اليمين الإسرائيلي يتمسك بالجولان، والقدس، والمستوطنات، ومعظم الضفة الغربية، ويقسم مدينة الخليل العربية، والتي يسكنها 130 ألف عربي من أجل 400 مستوطن صهيوني تمّ زرعهم في المدينة. هذا هو السلام الذي تريده إسرائيل، إنها تريد السلام والأرض معاً، بالإضافة لسعيها المحموم للهيمنة الاقتصادية على العالم العربي، وهي تعمل على فرض سلامها بالقوة، مسنودة بالدعم غير محدود الذي تقدمه لها الولايات المتحدة، الوسيط النزيه وراعي السلام كما تدعي!!. لقد أخذت الولايات المتحدة وإسرائيل تمارسان أقصى أساليب الضغط والتهديد على سوريا ولبنان لدفعهما على الرضوخ، والتنازل عن الحق العربي في الأرض والمياه، عن طريق العدوان على لبنان، كما حدث في الاجتياح الإسرائيلي للبنان صيف عام 1982، واجتياح جنوب لبنان عام 1993، وعناقيد الغضب الإسرائيلية عام 1996، والهجوم على لبنان عام 2006، وأخيراً الهجوم على غزة عام 2008 وما أحدثته من تدمير لا مثيل له، وضحايا جاوز تعدادهم 1500 شهيد وآلاف الجرحى والمعوقين، بالإضافة إلى فرض الحصار الجائر على القطاع براً وبحراً وجواً، وتحويل القطاع إلى سجن جماعي رهيب نتائج الحرب على الجانب الدولي: كان أحد ابرز النتائج التي تمخضت عنها حرب الخليج الثانية، بروز الولايات المتحدة كأقوى دولة مهيمنة على العالم أجمع، بعد أن أنهار المعسكر الاشتراكي، وبدأ الاتحاد السوفيتي بالتفكك، وتوارى عن المسرح الدولي، تاركاً الولايات المتحدة تهيمن على مصائر الشعوب، وغدا مجلس الأمن رهن إشارتها، تفرض وتصدر القرارات كما تشاء، وكما تتطلبها مصالحها وطموحاتها في الهيمنة على العالم، دون أن تجرأ الشعوب الضعيفة على الاعتراض، فلم يعد هناك ذلك الند الذي كان يقف بالمرصاد بوجهها، وأعني به الاتحاد السوفيتي. لقد اختل التوازن الدولي بعد هيمنة القطبية الأحادية، وكان نتيجة ذلك أن تضررت جميع الشعوب أكبر الضرر، وخاصة شعوب العالم الثالث، وغدت تحت رحمة الإمبريالية الأمريكية واخطبوطها الاقتصادي الذي هيمن على العالم، وأخذ يمتص بشراهة لا حدود لها ثرواتها، ويزيدها فقراً على فقر، من أجل أن تمتلئ جيوب أصحاب الشركات الاحتكارية الكبرى. إن كل ما قيل ويقال عن قيام نظام عالمي جديد لا يعدو أن يكون محض هراء، فالنظام الذي تقيمه الولايات المتحدة اليوم ما هو إلا عودة للنظام الإمبريالي القديم بأبشع صوره وأشكاله، نظام الهيمنة الاقتصادية الشاملة على العالم، مدعوماً بالقوة العسكرية الأمريكية، وأسلحتها الفتاكة، والتي أصبحت لها الحرية المطلقة للحركة في أي بقعة من بقاع العالم، دون أن تلقى الردع من أي جهة كانت. إن ما فعلته الإمبريالية الأمريكية بالعراق خير شاهد ودليل على وحشيه النظام العالمي الذي نشهده اليوم، إنه عدوان صارخ على شعب يرزح تحت نير دكتاتورية صدام البغيضة، ولا يملك مصيره بيده، بعد أن سلبه نظام صدام كل حقوقه وحرياته. وجاءت الولايات المتحدة بجيوشها، وبحجة تحرير الكويت كذباً وزوراً، لتنزل به من الويلات والمآسي ما يعجز القلم عن وصفه، وبقي السيف الأمريكي مسلطاً على رقاب الشعب العراقي منذ علم 1990 وحتى اليوم، حيث استمرت حرب التجويع التي تعد أشنع أنواع الحروب وأقساها على الشعب العراقي منذ ذلك التاريخ، حيث كان الشعب العراقي يفتقد الغذاء والدواء، وحيث الموت البطيئ لأبنائه، وبصورة خاصة الأطفال منهم وكبار السن، دون أن يتحرك ضمير هذا العالم الجديد في مظهره، والقديم في جوهره، واستمر الحال في العراق حتى التاسع من نيسان 2003 عندما أسقطت جيوش الولايات المتحدة وبريطانيا نظام صدام واحتلت العراق، وما زال الاحتلال جاثماً على صدور العراقيين حتى اليوم. إن أحادية القطبية في العالم لا يمكن أن تدوم مهما طال الزمن بالولايات المتحدة ذلك أن هذا الوضع يتنافى ومنطق التاريخ. أن أقطاباً جديدة يتبلور ظهورها، وهي قادمة لا محالة للبروز بشكل فاعل لتلعب دورها في تقرير مصير ومستقبل العالم، فهناك الوحدة الأوربية تتكامل وتقوى ويشتد عودها، وهي تشعر بالغبن الذي لحق بها بسبب استئثار الولايات المتحدة بكل شيء، وهناك المارد الآسيوي العملاق بزعامة الصين، صاحبة أعظم نسبة نمو اقتصادي في العالم باعتراف كل الخبراء الاقتصاديين في الغرب، وهناك المارد الياباني بقوته الاقتصادية، وأخيراً مستقبل دول الاتحاد السوفيتي السابق، وعلى رأسها روسيا، التي تملك من الأسلحة النووية ما يمكنها من فعل كل شيء.(9) إن شعوب الاتحاد السوفيتي تشعر بالمرارة على والإهانة التي لحقت بها جراء سقوط الاتحاد السوفيتي، وهي عاقدة العزم على إعادة مجدها السابق على أسس جديدة من الديمقراطية والعدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان، وهي قادرة بلا شك على تحقيق ذلك.

9-8-2009