الرئيسية » مقالات » التحالف الاقطاعي – الاسلاموي الرجعي ومستقبل القطاع الزراعي في العراق . !!

التحالف الاقطاعي – الاسلاموي الرجعي ومستقبل القطاع الزراعي في العراق . !!

لقد ورث المجتمع العراقي بعد الانهيار المدوي للدكتانورية نظاما اقتصاديا واجتماعياية وسياسيا مفزعا وعلى حافة الانهيار, بسبب السياسات الارتجالية والعبثية التي انتهجها النظام البائد , وكانت دون ادنى شك تعبيرا عن الواقع الموضوعي للثقافة الاستبدادية السائدة حينذاك , فقد اتسم هيكل الاقتصاد الوطني العراقي بالتناسب المشوه , لدور واهمية فروع الانتاج المادي الرئيسية المشكلة له , وبذا تعرض القطاع الزراعي الى الاهمال والى اتخاذ اجراءات تعسفية – خصوصا بعد المغامرات الصبيانية في شن الحروب العبثية التي اقحم الشعب العراقي فيها بالضد من ارادته الحرة وطبيعته المسالمة – فقد وزعت اراضي مزارع الدولة الواسعة والمتسمة بجودة اراضيها وقربها من مصادر المياه الى اعوان النظام وحاشيته من العسكريين و الاقطاعيين , فظلا عن تشويه مبادئ وقواعد الادارة الديمقراطية للحركة التعاونية تمهيدا لحلها لاحقا وتفتيت اراضيها الزراعية الى حيازات صغيرة , وضعت القطاع الزراعي العراقي في حالة عجز دائم ومستمر في القدرة على ارساء الشروط الموضوعية للزراعة الحديثة , القائمة على الاستخدام الواسع والكفؤ للمكائن والآلآت الزراعية واساليب الري المتطورة , وكذلك التخصص والتركيز, اللذان زكت الحياة قدرتهما على تلبية حاجات الناس المتنامية من المواد الزراعية الضرورية , والتحضير في ذات الوقت لاُسس نشوء وتطور مؤسسات التكامل الزراعي – الصناعي , التي اضحت من سمات الانتاج الزراعي المعاصر , والتي ارست وبقوة مقدمات اختراق الصناعة لاٌطر وعوالم الجهل والتخلف الذي لف حياة القرى , والغت الفوارق بين المدينة والريف الى حدٍ كبير .

ومن المؤسف حقا استمرارالتدهور في المؤشرات الاقتصادية لهذا القطاع الى الدرجة التي لم يعد فيها اليوم مبررا للسكوت وعدم الاشارة الى الاسباب الرئسية لهذا التدهور ومنها مثلا :

1- سيادة ونفوذ القوى الاقطاعية والاسلامية في مراكز اتخاذ القرار وخاصة البرلمان ومناهظتهم الشرسة لعودة القطاع التعاوني وتحريمهم استعادة الدولة لاراضيها المنهوبة , التابعة لمزارع الدولة المنحلة سابقا , باعتبارها قد تحولت الى املاك خاصة – يستحوذ بعض البرلمانيين عليها – متجاهلين الشرع الاسلامي القاضي بعدم جواز الملكية الخاصة على الاراضي التي دخلت دار الاسلام حية , ووجوب ملكيتها لعموم المسلمين – والعراق عند دخول اهله الاسلام كان يدعى بارض السواد لكثافة غطاءه النباتي – وتجيز الشريعة الملكية الخاصة فقط لمن اصلح ارضا ميتةً حال دخولها دار الاسلام , أو من اعلن مع اهل قريته دخوله الاسلام دون مقاومة حتى وان كانت الارض حية , ويحق لولي امر المسلمين او الدولة المنظمة لشؤؤنهم بتجريد الارض من مالكها الذي اخفق في استغلالها لثلاث سنوات متتالية , ولما كانت هذه القواعد لا تخدم المصالح الطبقية والانانية الضيقة لبعض قيادات احزاب الاسلام السياسي والاقطاعيين , فقد اهملت وان هي استمدت اصولها من مصادرٍ مقدسة .

2- غياب السياسات الاستراتيجية الواقعية للزراعة في اطار نظام اقتصادي يحقق التطور المتوازن لكافة الفروع الانتاجية والمناطق الجغرافية ويظمن العدالة الاجتماعية , والركون الى تبني نهجا تكتنف اتجاهاته الرئيسية ضبابية تعبر عن الجوهر الحقيقي لسياسات الحكومة العراقية واحزابها الاسلامية النافذة ,نهجا يتسم ببلبلة وتشرذم مرجعيته الفلسفية ونظريته الاقتصادية , التي ليس من دليل يؤكد وجودها منذ صدر الاسلام حتى يومنا هذا , ولعل ما ورد في كتاب (فلسفتنا ) لآية الله السيد محمد باقر الصدر يعضد تلك الحقيقة ويعبرعن رغبته الشديدة في صياغة نظرية اقتصادية اسلامية , كنظام اقتصادي مؤطربحدود واضحة تميزه عن النظم الاقتصادية المألوفة , ولم يفلح في ذلك حسب رأيي , برغم المثابرة والجهد الكبيرين اللذين بذلهما في بحثه المحترم , وللاقتصاديين الحق في الاختلاف معي . اما الدعوة لانتهاج الرأسمالية في الزراعة , فهي دعوة لانتشار الفقر والجوع والتخلف وتعميق الفوارق الثقافية والمعيشية بين المدينة والريف , هي ضرب من الوهم لخداع الفلاحين بالفردوس المنتظر , تلك هي عِبر التاريخ الانساني كله , فما علينا الا البحث عن اقصر الطرق واقلها تضحية لبلوغ اهدافنا المشروعة في الحياة الحرة الكريمة . ولا اشك في ان الاقتصاد المختلط سيحقق ذلك ان احسن ادارته .

3- تغيير الوظيفة الادارية لوزارة الزراعة العراقية , من الاظطلاع بوظيفتي الانتاج والاشراف على مختلف فروع الانتاج الزراعي , لتوجيه مسارات تفاعلاتها في اطار الوحدة العضوية والتاثير المتبادل فيما بينها وبين فروع القطاعات الانتاجية الاخرى , التي تشكل معها النظام الاقتصادي العام , واختزالها بوظيفة الارشاد والدعم المادي للفلاحين , الذين غالبا ما ينفقون هذا الدعم خارج العملية الانتاجية , الى جانب تدني مهاراتهم وكفاءتهم الانتاجية وميلهم نحومزاولة الاعمال الخدمية في المدن القريبة من مناطق سكناهم , فظلا عن عدم توفر شروط تراكم راس المال والخبرة الادارية لديهم أبآن الدكتاتورية وكذلك بعد سنوات سقوطها . فان صح هذا الدور لوزارات الزراعة في الدول المتقدمة , فليس بالضرورة ان يصح انتهاجه في بلادنا التي يعاني فيها الفلاح من تفشي الجهل والامية والبؤس , وتفرض انتاجية عمله المتدنية , انتسابه الى الدول المتخلفة على النقيض من احوال المزارعين في العالم المتقدم . والمستوى الرفيع لمؤشرات تطور الانتاجية والمهارات الادارية والثقافة الانتاجية العالية لديهم .

وللخروج من هذا الوضع الخطير ينبغي النظال من اجل اصدار قانون اصلاح زراعي جديد ينظم الملكية ويرمي الى تحسين البيئة الزراعية واشكال النظم الادارية الملائمة لهذه البيئة وفق شروط التجربة الديمقراطية المزمع انجاز بناءها في بلادنا ومظاهر التغيرات المناخية وشحة الموارد المائية والاستفادة من اخطاء وايجابيات قوانين الاصلاح الزراعي , التي صدرت ابان ثورة 14 تموز الوطنية حتى أوائل سبعينات القرن المنصرم , شرطة تهيئة الرئ العام العراقي ورفع مستوى وعي الجماهير الفلاحية للدفاع عن مصلحها الاقتصادية وعدم الاستسلام للاوهام والوعود المعسولة الممهدة لعودة الاقطاعية والاستغلال من جديد . ان الرضوخ لقوى التحاف الاقطاعي – الاسلاموي الرجعي , يهدد بناء الدولة الديمقراطية ويعيد المجتمع الى أنظمة العبودية والاستبداد , اللذان كلف زوالهما ملايين الضحايا وكل هذا الدمار والخراب والوحشية والعنف الذي نشهده . وسيؤدي الى هجرة واسعة من الريف الى المدينة , الامر الذي سينعكس سلبا على افاق تطور مختلف فروع الانتاج الزراعي .