الرئيسية » دراسات » كتاب في حلقات صدام والفخ الأمريكي الحلقة 14/ 17

كتاب في حلقات صدام والفخ الأمريكي الحلقة 14/ 17

أولاً:أجراء انتخابات برلمانية،وتأليف حكومة كردية:

رداً على فشل المفاوضات مع نظام صدام، وإقدامه على سحب الإدارة المدنية، قررت القيادة الكردية إجراء انتخابات عامة في المنطقة الكردية في عام 1992 وانتخاب مجلس للنواب، وتأليف حكومة تقوم بإدارة
شؤون المنطقة.
لكن الذي جرى هو اقتسام السلطة بين الحزب الديمقراطي الكردستاني، والاتحاد الوطني الكردستاني، في حين كان من المؤمل أن تشارك في السلطة جميع الأحزاب الكردية، لكي تعطي هذه التجربة حقاً نموذجاً صادقاً للديمقراطية التي يصبو إليها الشعب الكردي بوجه خاص، والشعب العراقي بوجه عام.
غير أن الحزبين المذكورين آثرا الاستئثار بالسلطة لوحدهما، متجاهلين بقية الأحزاب السياسية المشاركة المشاركة في جبهة العمل الوطني!!.
وهكذا فقد ظهرت حقيقة النوايا والتطلعات لقيادة الحزبين الكرديين الكبيرين في تجاهل الديمقراطية التي تشدقوا بها لسنوات بل لعقود عديدة، وتنكرهم لسائر القوى الوطنية الأخرى، ولم يقف الحال بهم عند هذا الحد بل بدأت بوادر الصراع بين الحزبين، وكل حزب يخطط للاستئثار بالسلطة لوحده.
بعد إقامة البرلمان وتأليف الحكومة، بدأت القيادة الكردية، المتمثلة بالحزبين المذكورين بتطوير تطلعاتها، وشعاراتها الخاصة بالحكم الذاتي إلى الفدرالية، حيث دعت القيادة إلى ذلك، في مؤتمر صلاح الدين، وقد شجعهم على ذلك تبني مؤتمر فيينا للمعارضة العراقية ما سمي بحق تقرير المصير للشعب الكردي في إطار الوحدة العراقية، مما أثار حفيظة الأحزاب القومية العربية، وجميع دول الجوار، وخاصة سوريا وإيران وتركيا التي اعتبرتها خطوة نحو الانفصال، وإقامة دولة كردية.
كانت تخشى أن يحفز الأكراد في تلك الدول التي تضم الجانب الأكبر من الشعب الكردي، والذي يعاني من الحرمان التام لحقوقه القومية في إيران وتركيا، للمطالبة بحقوقهم القومية أسوة بما جرى في العراق.
أما الولايات المتحدة فقد أرادت بهذه الخطوة أن تشكل عامل ضغط شديد على نظام صدام، من أجل تنفيذ كل ما تطلبه الولايات المتحدة منه.
ثانياً:حرب حزبي البارزاني والطالباني تشتعل في كردستان

على الرغم من سيطرة الحزب الديمقراطي الكردستاني (حدك)، والإتحاد الوطني الكردستاني (أوك) على السلطة في كردستان بعد الانتفاضة، وتقاسمهم مقاعد البرلمان، ومجلس الوزراء، إلا أن التنافس والصراع بين الحزبين كان يتفاعل كل يوم، حيث سعى كل منهما للهيمنة على السلطة المطلقة في كردستان، مما تسبب في تصاعد الخلافات بين الحزبين، واستمرت العلاقات بينهما بالتوتر، والخلافات بالتصاعد حتى وصلت إلى مرحلة الصراع المسلح بينهما. (1)

فقد اندلع القتال بين مقاتلي الحزبين في أواخر شهر آذار من عام 1994، واستخدم الطرفان كل ما تيسر لهما من الأسلحة في قتالهما الشرس بينهما، والذي دفع ثمنه الشعب الكردي المنكوب، حيث قتل الألوف من أبنائه، ودمرت المدن والقرى، واتت الحرب بين الحزبين على البقية الباقية من الاقتصاد المدمر أصلاً، بسبب الحروب التي استمرت بينهم وبين النظام طوال عشرات السنين. (2)

ورغم جميع المحاولات التي بذلتها الأحزاب الوطنية المنضوية تحت لواء الجبهة الكردية لوقف القتال بين بيشمركة الحزبين المتصارعين على السلطة والثروة، إلا أن جميع تلك المحاولات باءت بالفشل، واستمرت المعارك بين الطرفين، رغم أنها تخللتها الهدنة لفترات من الزمن بعد جهود مضنية بذلتها العديد من الأحزاب والشخصيات السياسية للجمع بين القيادتين، وحل المسائل المختلف عليها سلمياً، وبما يحقق الأمن والسلام للشعب الكردي الذي عانى الأمرين من تلك الحرب.
وهكذا ضاعت أحلام الشعب الكردي في العيش في سلام وهدوء، بعد تخلصهم من سلطة نظام صدام، ووجد نفسه في ظل ذلك الصراع، وفي ظل الحصار الدولي، وحصار صدام على منطقة كردستان، في وضع مأساوي ليس له مثيل، يعاني الجوع، وتفتك فيه الأمراض، وتتساقط فوق الرؤوس قنابل المتحاربين كل يوم منزلة الخراب والدمار والموت.
لقد كان المؤمل أن تكون تجربة الحكم الذاتي في المنطقة الكردية، وتجمع قوى المعارضة الوطنية فيها حافزاً، ومنطلقاً لتحرر العراق من سلطة الدكتاتور صدام، لكن قتال الحزبين أضاع كل شيء.
ففي 12 تشرين الأول 1996 اندلعت جولة جديدة من الحرب أشد وحشية، وفتكاً بالأرواح، وتدميراً للممتلكات من مسلسل القتال الكردي – الكردي بين الحزبين، وشملت ساحة الصراع والحرب مدن السليمانية وكوسنجق، وجمجمال، وبلدات أخرى، واستخدم الطرفان كل الأسلحة المتاحة، منزلين أفدح الخسائر بالأرواح والممتلكات، ليس بين صفوف المتقاتلين وحسب، بل بين صفوف المدنيين المسالمين.
لقد كانت الذرائع والتبريرات التي ادعى بها الطرفين لاستمرار القتال مرفوضة من الشعب الكردي ولا يمكن قبولها، وهي كانت في واقع الأمر تخفي وراءها أهداف حزبية ضيقة ترمي إلى الانفراد بالسلطة والثروة، وإن قيادة الحزبين يتحملان المسؤولية الكاملة عن كل تلك المآسي التي حلت بالشعب الكردي، وبمسؤولية تدمير الجهد الوطني لأحزاب المعارضة الهادف إلى تخليص الشعب العراقي من حكم صدام.

ثالثاًً: قوات الطالباني تحتل أربيل، وتزيح سلطة البارزاني

وصلت ذروة الصراع بين حزبي البارزاني، والطالباني في أوائل عام 1995، عندما اقتحمت قوات بيشمركة الطالباني مدينة أربيل، عاصمة منطقة كردستان العراق، وسيطرت عليها، وأزاحت قوات البيشمركة التابعة للبارزاني.
وبذلك فرض جلال الطالباني هيمنته على مؤسسات السلطة التنفيذية، وعطل المجلس التشريعي، وجرى خلال اقتحام المدينة، والسيطرة عليها بعد معارك عنيفة بين الطرفين، وقوع خسائر جسيمة في صفوف المتحاربين، والسكان المدنيين على حد سواء، وجرت حملة تصفيات للخصوم السياسيين، وأدى ذلك إلى زرع الحقد والبغضاء، والعداء بين إفراد المجتمع الكردي.
وحاول قادة الأحزاب الوطنية المتواجدين على الساحة الكردستانية التوسط بين قيادة الحزبين لإيجاد مخرج للازمة التي تمخضت عن استيلاء قوات الطالباني على أربيل، حيث قدمت مشروعاً يقضي بإعلان الهدنة بين الطرفين المتحاربين، وبجعل مدينة أربيل منزوعة السلاح، وعودة المجلس التشريعي، ومجلس الوزراء إلى ممارسة مهامهم، والتوقف النهائي عن الملاحقة والاعتقال، وطرد العوائل، ومصادرة ممتلكات المواطنين ومنازلهم.
وبالفعل استطاعت الوساطة تحقيق هدنة بين الطرفين في 7 نيسان 1995 واستمرت حتى الأول من حزيران، ولكن دون تحقيق أي تقدم في المفاوضات بين الجانبين لحل الأزمة، وبناء على المساعي التي بذلتها القوى الوطنية، فقد جرى تمديد الهدنة حتى 15 تموز 1995.
وفي 5 تموز 1995 أجتاح الجيش التركي شمال العراق، في المنطقة الوسطى من الحدود المشتركة بين البلدين باتجاه منطقة[الميسوري] في قضاء[ميركه سور] وقُدرت القوات التركية الغازية بلواءين مدرعين، تسندها الطائرات المقاتلة والمروحيات والمدفعية، بالإضافة إلى القوات المظلية، وادعت الحكومة التركية إنها تطارد المتمردين من أعضاء حزب العمال الكردستاني.
لكن القوات التركية استهدفت المناطق المأهولة بالسكان الأكراد، وقصفت بصورة عشوائية سبع قرى هي شيفي، وميروز، وسبندار، وبندرو، ودزو، وبازيان، مما أسفر عن تشرد أهالي المنطقة بعد تكبدهم خسائر كبيرة في الممتلكات، ووقوع عدد من الضحايا والجرحى.(3)
أدى الاجتياح التركي لكردستان إلى تعقيد الأزمة، وإلى تفاقم أوضاع المواطنين الأكراد المعشية، وزاد من عمق المأساة التي سببها الصراع بين الحزبين (حدك) و(أوك).

رابعاً:البارزاني يستعين بصدام لاستعادة أربيل

في العاشر من آب 1996، دعا رئيس وزراء تركيا، نجم الدين أربكان، الذي كان في زيارة رسمية لإيران، إلى عقد قمة تركية عراقية إيرانية، لحل أزمة كردستان العراق، وأكد على أن تركيا ستستضيف اللقاء، وأنها ستدعو سوريا لحضوره، وقد لاقى الاقتراح التركي استحسان الحكومة الإيرانية وتأييدها.
غير أنه لم يمضي سوى أسبوع على اللقاء، حتى أنفجر القتال من جديد في كردستان في 17 آب 1996، وشملت المعارك مناطق [باليسان] و[وهيران] و [حرير] و[صلاوة] و[جومان] و[حاج عمران]، ورافق القتال قصف مدفعي إيراني لمنطقة [ راوندوز].
وبعد يومين من بدء القتال، بدأ نظام صدام بتحشيد قوات كبيرة من الحرس الجمهوري في مناطق كركوك والسليمانية، والموصل، وأصدر النظام قراراً بتعيين [علي حسن المجيد] الملقب بعلي كيماوي، محافظاً لكركوك، كما أصدرت قيادة الجيش أمراً إلى القطعات العسكرية المرابطة على خطوط التماس بأن تكون على أهبة الاستعداد، وأن تشدد سيطرتها على كافة المسالك، وإطلاق النار على كل من يتحرك في تلك المناطق.
ورغم أن تحشدات القوات العراقية كانت مكشوفة، فأن الولايات المتحدة لم تحرك ساكناً، ولم توجه أي تحذير للنظام العراقي من مغبة الإقدام على أي خطوة عدوانية في كردستان، ولاسيما وأن هذه المنطقة قد وُضعت تحت
الحماية الأمريكية منذُ انتفاضة آذار 1991.
وفي الساعة الرابعة من فجر يوم 31 آب اندفعت قوات صدام نحو مدينة[أربيل] وحاصرتها من اتجاهي الموصل وكركوك، وبعد أن مهدت لهجومها على المدينة بقصف مدفعي وصاروخي استمر 4 ساعات، وبرر النظام العراقي اقتحامه لأربيل بأنه تلبية لدعوة من السيد مسعود البارزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني
وفي الوقت نفسه أعلن الحزب الديمقراطي الكردستاني، بزعامة مسعود البارزاني أن قواته بدأت بمهاجمة أربيل، وأن قواته تقاتل في ضواحي المدينة.
وفي اليوم التالي الأول من أيلول دخلت مجموعات كبيرة من الدبابات العراقية وأحكمت سيطرتها على المدينة، أسفرت المعارك عن وقوع خسائر جسيمة في صفوف المقاتلين الأكراد والسكان المدنيين، وقد مارست أجهزة أمن صدام التي رافقت القوات العسكرية، حملة مداهمات للبيوت، ومقرات الأحزاب السياسية المعارضة، وقامت باعتقال المعارضين للنظام وفق قوائم كانت قد أعدت سلفاً، وجرت حملة تصفية جسدية لعدد كبير من المعارضين للنظام العراقي، ونهبت وأحرقت مقرات الأحزاب المعارضة،
أما الولايات المتحدة فلم تتعرض لقوات نظام صدام التي اقتحمت أربيل.
لكنها أطلقت 27 صاروخاً على مواقع عسكرية في جنوب العراق ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍في الأول أيلول، ثم أعقبتها بإطلاق 17 صاروخاُ آخر على المنطقة نفسها في الثالث من أيلول، وقرر الرئيس الأمريكي [كلنتون] تمديد منطقة الحضر الجوي في جنوب العراق إلى خط العرض 33، وكأن أربيل واقعة في جنوب العراق !!.
إن كل متتبع للأوضاع السياسية آنذاك كان يدرك أن صدام حسين لم يكن قادراً على الأقدام على خطوة كهذه، وفي مثل تلك الظروف التي كان يمر بها النظام، دون تخطيط الولايات المتحدة ومباركتها، وكانت للولايات المتحدة حساباتها في ذلك، وأن أهداف عديدة كانت قد حققتها من وراء هذه العملية ومنها:
1ـ تأمين مرور النفط عبر الأنبوب التركي، بعد توقيع مذكرة التفاهم بين النظام العراقي والأمم المتحدة، حول تنفيذ قرار النفط مقابل الغذاء والدواء، والذي أشترط استخدام هذا الأنبوب لنقل معظم النفط العراقي، ومعروف أن الطلباني على علاقة جيدة مع حزب العمال الكردستاني الذي يخوض صراعاً مع الحكومة التركية، والذي كان قد قام بنسف أنبوب النفط المذكور فيما مضى مرات عديدة، ويأتي ذلك لمصلحة تركيا التي تضررت كثيراً جراء الحصار المفروض على العراق، حيث كانت تجني المليارات
من الدولارات من عوائد مرور النفط العراقي عبر أراضيها سنوياً.
‍‍‍‍‍‍‍
2 ـ أشعار أعضاء مجلس الأمن بأن العراق لازال قادراً على تهديد الأمن والسلم الدوليين، وان استمرار الحصار المفروض عليه مازال يتسم بأهمية كبرى لضمان الأمن والسلم الدوليين.

3ـ تفتيت المعارضة العراقية، وإفشال أي محاولة لتغير النظام العراقي لا تأتي من تحت المعطف الأمريكي.

4ـ أشعار دول الخليج أن صدام حسين مازال قوياً، وانه يشكل تهديداً للخليج، من أجل بقاء القوات الأمريكية في المنطقة، وابتزاز دول الخليج، وحثها على شراء الأسلحة.

7/8/2009