الرئيسية » مقالات » قصة قصيرة بعنوان : الشجرة الحكيمة

قصة قصيرة بعنوان : الشجرة الحكيمة

وسط التلال العالية ، وفي غابة خضراء زاهية ، كانت هناك شجرة حكيمة وكبيرة ، تأتيها الحيوانات لتأخذ منها العلم والمعرفة، وتستشيرها في بعض الأمور ، وكما أنها كانت تعطيهم الدواء وتعالجهم من الأمراض ، وفي احد الأيام شعرت هذه الشجرة بان وقت الرحيل قد آن ، وأنها قد قدمت ما يكفي من الحكم والدروس ، و أفادت غيرها من المخلوقات ، وقد حان الوقت الآن لتودع هذا العالم وترحل إلى عالم الظلام ، فيجب عليها أن ترى الحيوانات وتوصي كلا منها بأمر معين ، فطلبت من الغراب كوكو أن يذهب ويدعو الحيوانات إلى اجتماع ، فذهب الغراب وبدأ يحلق عالياً في الجو ، فرأى الثعلب لبلب يقف أمام النهر فذهب إليه ليخبره بان يذهب إلى الاجتماع ، فعندما رآه الثعلب صاح قائلا ً: اغرب عن وجهي يا نذير الشؤم و إلا سأقطع جناحك .
فاستغرب الغراب من تصرفه وقال: جئت لأخبرك أن…فقاطع الثعلب كلامه قائلاً:كلما رآك حيوان أصابته مصيبة أو كارثة أو هلك ابتعد عني قلت لك ولا أريد أن تخبرني بأي شيء تكفيني مصائبي .
فطار الغراب وهو يقول بنفسه : لماذا تكرهني الحيوانات ويعتقدون بأني نذير شؤم فيبتعدون عني ويتجنبونني وإذا أردت أن اشرب من النهر يهرب الجميع ويبتعد عنه ، هل أنا حقاً نذير شؤم كما يقولون ؟
ثم ذهب الغراب إلى الطاووس سوسو فحط بقربه وقال له: مرحبا يا سوسو فلم يجبه الطاووس ، فأعاد وقال: مرحبا يا سوسو فلم يجبه أيضا ، ودخل إلى منزله وأغلق الباب في وجهه،وبعدها ذهب إلى الأرنب ومن ثم إلى حمارة الوحش والى الببغاء والكل طرده و وصفه بنذير الشؤم.
فرجع كوكو إلى الشجرة فسألته: ما بك يا كوكو لماذا تبدو حزينا؟ ، هل هناك من أزعجك ؟
فاخبرها كوكو بما حصل له ، وكيف عاملته الحيوانات ووصفته بنذير الشؤم ، وفوق كل ذلك طردته وأغلقت الباب في وجهه
فقالت له الشجرة الحكيمة : لا عليك يا كوكو أعدك أنني سأجعل الجميع يعاملك بحب واحترام ، ولن يناديك احدٌ بنذير الشؤم بعد الآن ، وسيكون هذا درسي الأخير في هذه الحياة .
فبدأت الشجرة تفكر كيف ستقنع الحيوانات بان الغراب ليس نذير شؤم ، وفجأة لمعت بذهنها فكرة فدعت الحيوانات لوداعها ، فجاء الكل ما عدا كوكو فقد طلبت منه أن لا يأتي حتى يحين الوقت المحدد الذي أخبرته عنه لكي ترى ردة فعل الحيوانات الأخرى، فكان الجميع يودع الشجرة ويشكرها على ما قدمته له من علم ومعرفة وحكم ، وبعد أن أنهى الجميع كلامه وودعها ، قالت لهم الشجرة: أيتها الحيوانات أريد إخباركم بأنني أود اختيار من يكون من بعدي حكيما لهذه الغابة فمن يرى في نفسه أنه يستحق ذلك فليقل .
فقال الثعلب :يا أيتها الشجرة أنا أرى أنني الأحق في هذا المنصب من غيري فقد اكتسبت منك حكم وخبرات كثيرة ، ثم إنني الأكثر ذكاء واستطيع خداع الجميع، فما رأيك ؟
فقالت له الشجرة :حسناً دعنا نستمع لغيرك .
ثم قال الذئب: مالذي تقوله ؟ أنا الأحق لا أنت أيها الذكي ، فأنا أكبر منك حجماً ، والأكبر منك حجماً أكبر منك عقلاً ،أليس كذلك يا شجرتنا ؟
فأجابته الشجرة : حقاً لم أكن اعلم بهذه الحكمة، و لم اسمع بها من قبل.
ثم من بعده قال الطاووس :كفاكما غراء أنا أكثر من في الغابة حكمة ومعرفة ، و أفوق الكل بذكائي وبحجمي الكبير وبجمال ريشي الملون .
وهكذا قال الكل وجهة نظره،وفي هذه الأثناء دخل كوكو إلى مكان الاجتماع وقال : مرحبا أرجو أن لا أكون قد تأخرت عليكم
فلم يجبه احد ، وتظاهر الجميع بأنهم لم يره إلا الشجرة الحكيمة قالت له :أهلا بك ، لا بأس لم تتأخر كثيراً وأخبرته بأمر اختيار حكيم للغابة .
فسأل الثعلب لبلب الشجرة :الم تقرري بعد من ستختار حكيما للغابة؟ لقد نفذ صبري.
فقالت له : بلى لقد قررت و اخترت .
فسألها الجميع : حقاً، من ؟ وبدأ كل واحد منهم يقول في نفسه لابد أنها اختارتني لي فأنا الأجدر بهذا المنصب .
فأجابتهم :أجل لقد اخترت كوكو ليكون حكيماً من بعدي فهو الأجدر من بينكم ؟
فسألها الذئب:لكن لماذا اخترته ولم تختاري احدنا؟ ألا تعلمي بأنه نذير شؤم وستحل بسببه مصائب على الغابة ؟
فقالت له:لا يا ذكي ، الغراب ليس نذير شؤم ، ولا غيره من الحيوانات ، ولو كنا سننادي لكل حيوان بالاسم المشاع عنه فسوف أناديك بالغدار أو الخائن ، وأنادي الثعلب بالماكر أو الخبيث ، وأنادي الطاووس بالمتكبر أو المتعجرف ، وكل حيوان باللقب الذي يسمى به ، لكن الغراب كان أفضل منكم ، و لم يرد عليكم و لم يسمكم بهذه الأسماء ، لأن كل حيوان يختلف عن الآخر ، فهناك قطط وفيه ، وهناك قطط لطيفة ، وكذلك هناك قطط شرسة ، لذلك اللقب لا ينطبق على الكل .
فقال الطاووس :معك حق وأنا آسف يا كوكو على تصرفي معك وأعدك أن لا أكرره ،وهكذا اعتذرت كل الحيوانات للغراب كوكو ووعدته بأن لا تناديه بهذا الاسم بعد اليوم لأنها اقتنعت بكلام الشجرة الحكيم .
ثم سأل الثعلب : لكن من اخترع هذه الأسماء والألقاب البشعة للحيوانات؟
فقالت الشجرة الحكيمة : إنهم البشر فهم يختلقون خرافات وأساطير كثيرة لا أصل لها ، فما بالكم أيصعب عليهم اختراع صفات يسموننا بها ؟ إن كثير من البشر يا أحبائي أشرار ولا يهتم بنا نحن النباتات والحيوانات ، فيقطعون الأشجار ، ويحرقون الغابات ، ولا يبالون بالأضرار التي يسببونها للبيئة ، فنحن الأشجار نعطيهم الأوكسجين ليتنفسوا ، والثمار ليأكلوا ، ومن أوراقنا يصنعون الدواء ومن جذوعنا الخشب ، ومن أغصاننا الحطب ، و مع كل هذا هم لا يهتمون لأمرنا ، وانتم الحيوانات يأخذون حليبكم وهو حق لأولادكم و يسلخون جلدكم ليصنعوا منه الحقائب ، و يأخذون فروكم وصوفكم ليصنعوا منه المعاطف ، ثم يذبحوكم ليأخذوا لحومكم ويقتلوكم ليعرضوكم في منازلهم ، هكذا حال البشر فهم أنانيون وطماعون وغير مبالين ، فلا تكونوا مثلهم بل كونوا متحابين ومتعاونين وكريمين ومخلصين لكي لا يستطيع أن يفرق احد بينكم .
وهكذا رحلت الشجرة الحكيمة إلى عالم الظلام بعد أن قدمت آخر ما بقي عندها من حكم وعبر ، وعملت الحيوانات بنصيحتها ، فعاشت بسعادة وهناء يغمرهم الود والمحبة والصفاء .