الرئيسية » مقالات » العراقيون شكّاؤون بكّاؤون. لماذا؟

العراقيون شكّاؤون بكّاؤون. لماذا؟

كلما فتحنا قناة فضائية عراقية على نشرة اخبار أو لقاءات مع الناس نسمع شكاوى من كل شيء، ومن كل حدب وصوب، من الفقير والمسكين والمحتاج الى المرفّه الناعم في ريش الحمام والمولدات الكهربائية والمائية الضخام. كما نصغي إلى بكاء مرير يُقطّع القلب ويثير الرثاء! ونشاهد وجوهاً يملأها الحزن والأسى واللوعة، عن صدقٍ أو عن تمثيل، وتتصدّع رؤوسنا باستجداءات مخزيةٍ لا تنتهي، عن حقّ أو عن باطل.

إنّ بعض هذه الشكاوى والبكاء نابع من معاناة حقيقية، وبعضها ادعاءات لغاية في نفس يعقوب، سياسيةٍ كتشويه سمعة الدولة، أم بحثٍ عن مصلحةٍ ذاتيةٍ كمثل مكرمة مادية (زايدْ خيرْ ) من أحد المسؤولين أو أحد المتبرعين من أصحاب السلطة والمال الباحثين عن الأجر والثواب أو اللاهثين خلف الشهرة والظهور بمظهر التقي الورع السخي الكريم المهموم بمعاناة الفقراء والمحتاجين! أو المساعدة من الفضائية المعنية لدعاية خاصة لها مثل معالجة المرضى والمعاقين والمشوهين، وتقديم الهبات المالية بالدولارات الأمريكية، أو الأموال العربية التي تنهال مساعدات، بالتأكيد ليست لوجه الله!

وقد يكون الكثير من هذه الأمور مرتبة من قبل الفضائية العارضة نقداً للحكومة والنظام الجديد أو تعريضاً بهما، فلا فرق! ففي الحالتين العراقيون شكّاؤون بكّاؤون!

ومن سمات الفرد العراقي المتأصلة في عمق النفس والتاريخ هو الحزن المرافق حتى في الأغاني التي تمتاز بمسحة الشجى والألم . ولذا حاول البعض تلمس الأسباب الكامنة وراء هذا الحزن والتشكي.

لا شكّ أن للتاريخ وأحداثه الجسام التي مرت بالعراق بسبب موقعه الجغرافي الاستراتيجي اثره في أن يتحلى العراقي بهذه السمات، فتجر في أثرها ملامح الشكوى والبكاء في حياته عامة، فتنعكس على بنيته الثقافية لتتأصل في الذات فتغدو صفة ملازمة لا تنفكّ عن تكوينه النفسي، فتصبغ حتى ملامح وجهه بآثارها. وتجرّ في أذيالها أيضاً سمة العنف والحدة والغضب التي يعرف بها العراقيون، حتى في تعاملهم اليومي مع الناس.

لستُ هنا في مجال البحث العلمي والتاريخي عن الأسباب الكامنة خلف هذه الظاهرة المميزة للفرد العراقي، فهذا شأن الباحثين الاجتماعيين والمؤرخين المتخصصين وعلماء النفس. لكننا لا نستطيع أن ننكر أن للتاريخ والجغرافيا أثرهما الكبير في تشكيل وتلوين نفسية الفرد وتكوين ثقافة المجتمع بسماتهما وآثارهما.

لقد مرّ العراق في تاريخه الممتد الى عمق الزمن بالكثير من الأحداث الكبيرة والمؤثرة والدموية من حروب وغزوات وانقلابات وحكام طغاة، من ايام الآشوريين وحتى العصر الحديث، ومن الاسكند المقدوني مروراً بغزوات بلاد فارس، وحكم الأمويين والعباسيين والبويهيين والسلاجقة، وغزوات المغول والعثمانيين والصفويين والانجليز وآخرها الأمريكان والايرانيين، والحبل على الجرار!

اضافة الى الحكام الطغاة، من عبيد الله بن زياد الى الحجاج القائل في أول يوم يدخل فيه العراق:

أنا ابنُ جلا وطلاع الثنايا… متى أضع العمامةَ تعرفوني

ونعرف جيداً ويذكر التاريخ ماذا جرى بعد أن وضع عمامته!

ثم واقعة الطف واستشهاد الإمام الحسين ع وأهله وأصحابه بتلك الطريقة الوحشية البشعة التي تنم عن مدى القسوة والحقد والبعد عن القيم الدينية والانسانية، وهو أحد الأسباب الرئيسة التي صبغت المجتمع العراقي بصبغته الحزينة الباكية حتى الأبد.

أما غزوات العثمانيين والصفويين في صراعهم على حكم العراق فقد جلبت معها الويلات الكثيرة والدماء الغزيرة، قتلاً وتدميراً على الهوية المذهبية. اضافة الى الفقر والجهل ونهب المال والأمراض كالطاعون الذي اجتاح العراق مرات وخلال قرن واحد وهو القرن التاسع عشر.

أما في العصر الحديث فاحتلالات وانقلابات دموية وحروب عبثية راح ضحيتها الألوف المؤلفة من القتلى والجرحى والمشوهين والمعاقين الى جانب التدمير للبنى التحتية ولنفسية الفرد العراقي. فخلّفت الأرامل واليتاميى والأيامي والفقر والتخلف والجهل والمرض، وآخرها أمراض العصر بسبب استخدام الاحتلال الأمريكي لمختلف أسلحة الدمار الحديثة ومنها اليورانيوم المنضّب. فقضت كل هذه الأحداث الجسام على خيرة شباب العراق المتفتح للحياة ومن كل اختصاصات العمل والمهن التي يحتاجه البلد.

فبالتأكيد كل هذا التاريخ الزاخر بالحروب والدمار والموت سيخلق فرداً شاكياً باكياً مستجدياً كئيب المنظر عنيف المظهر شديد الجوهر.

ولكنْ يبقى السؤال:

حتامَ هذه الشكوى والبكاء والمرارة الاستجداء؟
أين دور الفرد والمجموع في مواجهة المعاناة والصعاب وأسباب الداء؟
وأين يكمن الدواء ؟ وكيف الشفاء؟
ماذا فعل الفرد العراقي للخلاص من هذا الشقاء؟

وقد قال الشاعر أبو القاسم الشابي:

إذا الشعبُ يوماً أرادَ الحياةْ …. فلابدَّ أنْ يستجيبَ القدرْ

بمعنى أنَّ إرادة الشعوب تخلق أقدارها وأمانيها وأهدافها. أي أن من مهمات الشعوب البحث بنفسها عن طرق خلاصها من قيودها ومعاناتها. فأين دور الشعبب العراقي في مواجهة كل ما يتعرض له من صعاب وأزمات ومعاناة معيشية وسياسية؟

يبدو أن شعبنا قد تعلم أن يطلب من خلال الشكوى والبكاء لا أن يأخذ بيده حقه ويستحصل أمانيه بما يمتلكه من أدوات. الشعوب تخلق أقدارها ولا يصنعها غيرها، حاكماً كانَ أم غازياً!

فحتامَ يبقى العراقيون شكّاؤون بكّاؤون؟!

وقد قال الشاعر العربي القديم:

أعلّلُ النفسَ بالآمال أرقبُها … ما أضيقَ العيشَ لولا فسحةُ الأملِ


كما قال الآخر:

لا تنفع الشكوى الذليلةُ والبكا …. وضراعةُ الأطفالِ والضعفاءِ


الخميس 6 أغسطس 2009