الرئيسية » مقالات » «يوميات مدينة» غوص في قاع مدن بلاد الرافدين

«يوميات مدينة» غوص في قاع مدن بلاد الرافدين

يعتبر برنامج «يوميات مدينة» الذي تعرضه قناة «الشرقية» العراقية أحد أكثر البرامج في الفضائيات العراقية والعربية عامة فرادة ولفتاً للأنظار. ففكرة البرنامج القائمة أساساً على إطلاق العنان لكاميراه كي تصول وتجول في مختلف مدن بلاد الرافدين مصورة يوميات الناس ونشاطاتهم في الأماكن العامة كالأسواق ومحطات (كراجات) السيارات والباصات والأحياء الشعبية وغيرها من أمكنة وأزقة يؤمها سكان المدينة ويقضون فيها ساعات وساعات من يومياتهم المزدحمة بأعباء العيش والحياة ومشقاتهما. البرنامج، الذي لا وجود حتى لمذيع يقدمه ويعلق على فقراته وجولاته يلامس مباشرة واقع الناس – المشاهدين ويرصده وينقله إلى الشاشة كما هو من دون رتوش وبلا تجميل أو تقبيح.

والحال أن البرنامج الذي يطوف مدن العراق من جنوبها إلى شمالها ومن شرقها إلى غربها نجح في ترسيخ هويته كبرنامج عراقي شامل لا يكترث بالاعتبارات الفئوية والطائفية والقومية التي عادة ما تجد لها منابر إعلامية وتلفزيونية تكرسها وتغذيها. و«الشرقية» نفسها كما يرى كثر لا تشذ عن ذلك وبخاصة في برامجها وتغطياتها السياسية التي تأخذ منحى التمترس في خنادق طائفية وعرقية.

أكثر فائدة

بيد أن برنامجاً بسيطاً وسلساً ومعبراً مثل «يوميات مدينة» يبدو أكثر فائدة وجدوى من عشرات البرامج والمطولات الحوارية السياسية المضجرة لجهة إسهامه في إعطاء صورة أصدق عن وطن تتكامل أجزاءه وتتآلف وتعطي فكرة واقعية أوضح عن بلد لطالما أنهكته شعارات الوحدة والاندماج الفوقية الاستبدادية والتي تخفي نزعات جهوية ومناطقية وعنصرية ما دون وطنية فالتجول مثلاً بين الباعة والمشترين في الأسواق والحواري الشعبية وتقريب الكاميرا من وجوه الناس الطيبين البسطاء حيث يبدي بعضهم انطباعاتهم وتعليقاتهم العفوية البريئة مرحبين بحرارة بالمصور وبكاميراه هم الذين عادة ما يتم تجاهلهم في وسائل الإعلام عبر اختزالهم في صيغ جمعية فضفاضة كالجماهير وأبناء الأمة وقوى الشعب وغيرها من مصطلحات. فتسليط الضوء على هكذا مشاهد واقعية من صميم حياة المواطنين هو أفضل ألف مرة من إفراد مساحات بث تلفزيونية عريضة لمن يتلاعبون ويتاجرون بمصير ومستقبل هؤلاء المواطنين منظرين عليهم من علٍ.

ومن هنا تنبع أهمية هكذا برامج تخرج من أبراج الاستوديوات العاجية العالية وتنزل إلى قاع المجتمع والمدينة حيث ملايين المشاهد والقصص والحكايا بحلوها ومرها التي يعيشها الناس ويسردونها في ما بينهم. وهي بصنيعها هذا تستحق الإشادة كونها تحتفي بهذه اليوميات الشعبية جاعلة منها موضوعها الأول والأخير في حين أن غالبية البرامج التلفزيونية في ربوعنا تحرص على تقديم صورة وردية مغرقة في الكمال والمثالية عن مجتمعاتنا المعطوبة بما لا يعكس واقع الحال وتعطي الأولوية لمخاطبة الشرائح المرفهة والمتنفذة من علية القوم وتلبية اهتماماتها ورغباتها مع إهمال الشرائح (ولا نقول الطبقات كي لا نقع في فخاخ تنظير ماركسي منقرض) البسيطة الكادحة التي تشكل الأغلبية الساحقة في ظل تآكل الطبقات الوسطى وانحسارها المزمن.

إنها اليوميات البسيطة التي يعيشها عامة الناس والتي تختزل آلامهم وآمالهم وأحلامهم الصغيرة المجهضة والتي تتجدد مرة بعد مرة رغم قسوة الظروف وبؤس الحال لتزرع الأمل في مستقبل أفضل تحرراً وتعليماً وطبابة وترفيها وبنية تحتية فهذه هي أحلام البشر وتطلعاتهم المشروعة في العراق وفي سائر دول عالمنا الثالث. وبرنامج «يوميات مدينة» إذ يرصد حياة سكان المدن العراقية فانه يسلط الضوء أيضاً على حجم التآكل والتخلف الواضحين في تلك المدن المهشمة التي حولها جنون الاستبداد وهوس التسلط على مدى عقود إلى ما يشبه قرى كبيرة في إطار منهجية مبرمجة هادفة إلى ترييف المدن شكلاً وروحاً وتشويه قيمها الحضارية وصولاً إلى اغتيالها بما هي حاضنة الثقافة والمعرفة والبناء والأفكار الخلاقة المتجددة.

ولعل وطأة الدمار اللاحق بالمدينة العراقية معنى ومبنى يبدو جلياً على محيا سكنتها ممن تركت سنوات القمع المديد والحروب الداخلية والخارجية بفعل الهوس الاستبدادي آثارها وندوبها العميقة على دواخلهم وملامحهم وقسمات وجوههم المتعبة لكن المتفائلة دوماً بمستقبل أفضل من ماض مأساوي يلقي بظلاله الكئيبة وحاضر مرتبك وقلق.

بيد أن الأمل يبقى في خروج بلاد الرافدين من حلقة الدم والإرهاب الآخذة في الانحسار والتخلص من تركة الاستبداد الثقيلة وهكذا فقد عرضت «الشرقية» ضمن «يوميات مدينة» قبل أيام حلقة من مصيف سرسنك في محافظة دهوك في كردستان العراق حيث رصدت الكاميرا جمال الطبيعة الكردستانية وانعكاساته الايجابية البادية على روحية المصطافين ومزاجهم ومعنوياتهم عرباً كانوا أم أكراداً، حيث العوائل المتجاورة تفترش الأرض تحت ظلال الأشجار ووسط خرير الشلالات والجداول ونسمات الهواء العليلة وحلقات الدبكة والتمايل على أنغام الموسيقى والأغاني السريعة الإيقاع، الكردية منها والعربية. إنها إرادة الحياة وجذوة الأمل التي لطالما كانت حافزاً لتغلب البشر أفراداً ومجتمعات على كل العقبات والصعاب والمآسي والتي للأسف تكون في غالبها من صنعهم أو بالأحرى من صنع من يتسلطون عليهم مختزلين الفرد والجماعة في ذواتهم النرجسية المتضخمة محولين كل شئ إلى وقود لاشتغال مشروعاتهم الايديولوجية الفاشلة لكن القاتلة أيضاً.
الخميس, 06 أغسطس 2009
الرياض