الرئيسية » دراسات » كتاب في حلقات صدام والفخ الأمريكي الحلقة 13 / 17

كتاب في حلقات صدام والفخ الأمريكي الحلقة 13 / 17

انفصال المنطقة الشمالية عن العراق

بعد المجازر التي اقترفها نظام صدام الفاشي خلال وبعد قمع الانتفاضة الشعبية، حيث قتل ما يزيد على 300 ألف مواطن على أيدي قوات الحرس الجمهوري، والأجهزة الأمنية للنظام، وتشرد أكثر من مليون كردي تاركين مدنهم وقراهم في شمال الوطن، ومئات الألوف من المواطنين العرب في جنوب ووسط العراق من هرباً من بطش النظام، وآلته الحربية.
ومن باب الإحراج أمام الرأي العام العالمي لما جرى في العراق من استخدام نظام صدام أقسى درجات العنف ضد أبناء الشعب، وعمليات القتل الوحشية، وامتلاء السجون السجون، والتعذيب الوحشي حتى الموت لكل من تشك السلطة البعثية في مشاركته في الانتفاضة الشعبية ضد نظام الطاغية صدام، قدمت الولايات المتحدة مشروع قرار إلى مجلس الأمن، والذي جرت المصادقة عليه تحت رقم 688 في 5 نيسان 1991، والمتعلق بحقوق بصيانة الإنسان في العراق، وما تتعرض له المواطنون العراقيون على أيدي طغمة صدام الفاشية.
لكن الولايات المتحدة لم تكن جادة في سعيها لتأمين الحقوق المشروعة للشعب العراقي في الحرية والديمقراطية والسلام، وهي التي سمحت لقوات صدام باستخدام كل أنواع الأسلحة لقمع الانتفاضة الشعبية، فهي لا يهمها انتهاك نظام صدام لحقوق الإنسان، بل كل همها في كيف تحافظ على مصالحها في منطقة الخليج، وضمان تدفق النفط دون مخاطر.
ولذلك وجدنا أن القرار المذكور، على خلاف كل القرارات التي أصدرها مجلس الأمن ضد العراق تحت البند السابع، والذي له قوة إلزامية للتنفيذ، لم يصدر هذا القرار بموجب البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة، ولذلك فلم تكن له صفة إلزامية تجبر النظام على تنفيذه، وبقي حبراً على ورق، وقد وجدت من الضروري أن يطلع القارئ الكريم على القرار:

قرار مجلس الأمن بفرض الحماية على المنطقة الكردية
قرار رقم 688 ـ في 5 نيسان 1991 :
مجلس الأمن :
مشيراً إلى الفقرة السابعة من المادة الثالثة من ميثاق الأمم المتحدة، واضعاً نصب عينيه، واجباته ومسؤولياته المنصوص عليها في الميثاق، وبقلق شديد، بسبب عمليات القمع التي تستهدف لها السكان المدنيون في أنحاء كثيرة من العراق، وقد شمل في الآونة الأخيرة المناطق الكردية المأهولة، الأمر الذي أدى إلى اندفاع جموع غفيرة من اللاجئين نحو الحدود الدولية وعبورهم، مما نجم عنه غارات عبر الحدود قد تهدد السلام والأمن الدوليين في المنطقة.
وبإحساس عظيم منه بالأسي لما يعانيه الإنسان هناك من أهوال، وبعد تأمل بالتقريرين الذين رفعهما ممثلا تركيا وفرنسا لدى الأمم المتحدة في 3، و4 نيسان 1991، برقم 22435 / س، ورقم 22445 / س، وكذلك التقريران اللذان رفعهما الممثل الدائم لجمهورية إيران الإسلامية إلى الأمم المتحدة بتاريخ 3 ، و4 نيسان 1991، وقد سجلتا برقم 22436 / س، و22447 / س. معيداً تأكيده بالتزام الدول الأعضاء كافة بأمنها وسلامتها، واستقلالها السياسي، واضعا نصب عينيه تقرير السكرتير العام المرقم 22366 / س، والمؤرخ في 30 آذار 1991 يقرر:
1ـ يدين مجلس الأمن عمليات القمع التي يعانيها السكان المدنيون العراقيون في أنحاء كثيرة من البلاد، وقد شمل في الأيام الأخيرة المناطق الكردية المأهولة، وإن ذلك يؤدي إلى تهديد الأمن والسلام الدوليين في المنطقة.
2ـ يطلب بأن يقوم العراق على الفور، كإسهام منه في إزالة الخطر الذي يتهدد السلم والأمن الدوليين في المنطقة، بوقف هذا القمع، ويعرب عن الأمل في السياق نفسه في إقامة حوار مفتوح لكفالة احترام حقوق الإنسان، والحقوق السياسية لجميع المواطنين العراقيين.
3 ـ يصر على أن يسمح العراق بوصول المنظمات الإنسانية الدولية على
الفور إلى جميع من يحتاجون المساعدة في جميع أنحاء العراق، ويوفرجميع التسهيلات اللازمة لعملياتها.
4ـ يطلب إلى الأمين العام أن يواصل بذل جهوده الإنسانية في العراق، وان يقدم على الفور، وإذا اقتضى الأمر على أساس أيفاد بعثة أخرى إلى المنطقة، تقريراً عن محنة السكان المدنيين العراقيين، وخاصة السكان الأكراد، الذين يعانون من جميع أشكال القمع الذي تمارسه السلطة العراقية.
5ـ يطلب كذلك إلى الأمين العام أن يستخدم جميع الموارد الموجودة تحت تصرفه بما فيها موارد وكالات الأمم المتحدة ذات الصلة، للقيام على نحو
عاجل بتلبية الاحتياجات الملحة للاجئين، وللسكان العراقيين المشردين.
6ـ يناشد جميع الدول الأعضاء، وجميع المنظمات الإنسانية أن تسهم في جهود الإغاثة الإنسانية.
7ـ يطالب العراق بأن يتعاون مع الأمين العام من أجل تحقيق هذه الغايات. 8 ـ يقرر إبقاء المسالة قيد النظر. (1)
نظرة في قرار مجلس الأمن رقم 688:
بقراءة متأنية لبنود هذا القرار، نجد انه قد ركز في أغلبه على المنطقة الشمالية من العراق ذات الأغلبية الكردية، بينما مرّ مرور الكرام على معانات المناطق الجنوبية والوسطى من العراق، من أساليب القمع الوحشية التي تعرض لها السكان، أبان الانتفاضة وبعدها، وخاصة الشيعة منهم .
ولم تحاول الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين فرض تنفيذ هذا القرار كما فرضوا على النظام العراقي تنفيذ القرارات السابقة المتعلقة بمصالحهم في المنطقة، فمصلحة الشعب العراقي ليست في قائمة مصالحهم واهتماماتهم، ولذلك فقد بقيت بنود هذا القرار حبراً على ورق، شأنها شأن القرارات التي أصدرها مجلس الأمن لسنوات عديدة ضد إسرائيل، ولم تنفذ منها شيئاً.
وبقي الشعب العراقي يعيش حياة بائسة في ظل الحصار الأمريكي على العراق، يفتقد الغذاء والدواء، جراء الحصار الجائر، وجراء انهيار العملة العراقية، وفقدانها للقوة الشرائية حيث تراجعت قيمته الحقيقية 10000 مرة، فبعد أن كان الدينار يعادل 3،3 دولار بات الدولار الواحد يعادل 3000 دينار، وفي الوقت الذي كان الشعب العراقي يعاني مرارة الجوع كان الدكتاتور صدام حسين يرفض القبول بقرار مجلس الأمن المتعلق بيع النفط العراقي مقابل الغذاء والدواء، واستمر في رفضه خمس سنوات أوصلت الشعب العراق إلى المجاعة دون أن تتخذ الولايات المتحدة، ولا مجلس الأمن، أية إجراءات لإجبار صدام على إطعام الشعب العراقي الجائع، و إن كل الذي فعلته الولايات المتحدة هو إصدار القرارين التاليين:
القرار الأول:
يحدد الأول المنطقة الواقعة شمال الخط 32 من شمال العراق، منطقة آمنة، تحميها الطائرات الأمريكية والبريطانية المرابطة في تركيا، والمسماة [كومفورت بروفايد] ومنعت الجيش العراقي من دخولها، وبذلك تسنى للمواطنين الأكراد الانفصال عن الجسد العراقي تحت الحماية الأمريكية والبريطانية.
لقد اتصف رد صدام حسين على ذلك الإجراء بالغباء، وكان أشد ضرراً على وحدة العراق أرضاً وشعبا، فقد أقدم على سحب الموظفين والأجهزة الإدارية، وأساتذة الجامعة من المنطقة، وقطع الطاقة الكهربائية عن محافظة دهوك، وفرض على المنطقة حصاراً داخلياً، مما عزز نزعة الانفصال لدى القيادات الكردية والمواطنين الأكراد.
فقد جاء رد الفعل الكردي على إجراءات صدام بإجراءات تصب في خانة الانفصال التام، حيث تم إجراء انتخابات برلمانية في المنطقة الكردية، كما جرى تشكيل حكومة كردية.
القرار الثاني:
كان القرار الثاني يتعلق بسكان الجنوب الشيعة، فقد تضمن منع طائرات سلاح الجو العراقي ـ عدا الطائرات المروحيةـ من الطيران فوق المنطقة الممتدة جنوب الخط 38، ولاشك أن هذا القرار يخدم مصالح الولايات المتحدة من حيث الأساس، ولم يغير شيئاً من حملات القمع ضد الشعب العراقي في الجنوب.
فصدام لا يحتاج لعملياته القمعية في الجنوب إلى الطائرات الحربية، فلديه ما يكفيه من قوات الحرس الجمهوري، ومن الأسلحة الثقيلة، ما يستطيع فيه قمع الشعب في هذه المنطقة من العراق، والحقيقة إن الولايات المتحدة استهدفت من هذا القرار إبعاد الطائرات العراقية عن منطقة الخليج، وطمأنة حكام الكويت.
وفي واقع الحال فإن الولايات المتحدة هي التي سمحت لصدام بقمع الانتفاضة الشعبية، وسهلت لقوات الحرس الجمهوري العبور، وسمحت له باستخدام كافة الأسلحة المتوفرة لديه لقمع وتصفية الانتفاضة، والإبقاء على نظام صدام في السلطة، والحيلولة دون وقوع العراق فريسة بيد النظام الإيراني وذراعهم في العراق، والمتمثل بالمجلس الأعلى للثورة الإسلامية، وذراعها العسكري منظمة بدر الممولة والمسلحة والمدربة إيرانيا.

الطالباني والبارزاني يفاوضان نظام صدام
بعد صدور قرار مجلس الأمن رقم 688، في 5 نيسان 1991، وقرار الولايات المتحدة بإقامة منطقة حماية للأكراد في المنطقة الواقعة شمال خط العرض 38، ورضوخ نظام صدام للقرار، وبعد المعانات الشديدة للشعب الكردي من آثار الحصار العراقي على المنطقة، ظهرت دعوات بين صفوف القيادات الكردية تدعو للتفاوض مع النظام على أساس بيان 11 آذار 1970، ولاسيما بعد أن عجزت الانتفاضة عن تحقيق ما كان يصبو
إليه الأكراد.
ورأى النظام العراقي أن يستغل هذه الدعوات في محاولة منه لإعادة سيطرته على المنطقة، فأرسل إشارات إلى القيادات الكردية، عن طريق برزان التكريتي ـ أخو صدام غير الشقيق ـ أعرب لهم فيها عن استعداد الحكومة للتفاوض مع القيادات الكردية.
وجاء الرد من القيادات الكردية على دعوة برزان التكريتي سريعاً، بالموافقة على أجراء المفاوضات، دون الرجوع إلى ما كان يدعى بلجنة العمل الوطني المشترك للمعارضة العراقية!!، وتحفظ بعض القوى المنضوية تحت لواء جبهة الأحزاب الكردستانية.(2)
ففي 12نيسان 1991 توجه وفد كردي من الحزب الديمقراطي الكردستاني، والاتحاد الوطني الكردستاني، على مستوى أعضاء اللجنة المركزية إلى بغداد، وأجرى الوفد مباحثات مطولة حول مستقبل المنطقة الكردية، ومسألة تطبيق الحكم الذاتي الحقيقي.
اعتبر ذلك الاجتماع تمهيداً لاجتماع جديد وتقرر أن يكون الوفد على أعلى مستوى لبحث كافة الأمور المتعلقة بتطبيق اتفاقية 11 آذار 1975، وطلبت حكومة صدام حضور كل من السيد مسعود البارزاني، والسيد جلال الطالباني إلى بغداد.(3)
وبعد أسبوع توجه إلى بغداد وفد برئاسة جلال الطالباني، الذي التقى بصدام حسين، وطلب صدام من القيادات الكردية أن تقدم مشروعا مفصلاً، وكاملاً، ودقيقاً يتضمن مطالبها.
وعاد جلال الطالباني إلى أربيل، وتم عقد اجتماع لكافة القيادات الكردية لتدارس نتائج اللقاء الذي تم بين صدام حسين وجلال الطالباني، ووضع مشروع جديد حول إقامة حكم ذاتي حقيقي للمنطقة الكردية، لتقديمه لنظام صدام، وتضمن المشروع البنود التالية: (4)
1ـ يتم تطبيق الحكم الذاتي الذي نص عليه اتفاق 11 آذار 1970، مع ضم محافظة كركوك لمنطقة الحكم الذاتي.
2 ـ إطلاق سراح السجناء السياسيين في جميع السجون العراقية كافة.
3ـ تسهيل عودة جميع اللاجئين الأكراد، بالتعاون مع الأمم المتحدة، ومنظمات غوث اللاجئين.
4ـ اعتماد التعددية السياسية والديمقراطية في العراق، وأجراء انتخابات حرة ونزيهة لانتخاب مجلس تأسيسي، ووضع دستور دائم للبلاد.
5ـ ينبغي أن يتم ضمان الاتفاق بواسطة أطراف دولية عبرالأمم المتحدة ويمكن أن تشمل هذه الضمانات مشاركة طرف ثالث في تلك المفاوضات، وتوجه بعد ذلك وفد كردي عالي المستوى ضم كل من:

1 ـ جلال الطالباني ـ زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني.
2ـ سامي عبد الرحمن ـ سكرتير عام حزب الشعب الديمقراطي.
3 ـ رسول مامند ـ سكرتير عام الحزب الاشتراكي.
4ـ نتشيرفان البارزاني ـ نائب رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني.
5 ـ عمر فتاح ـ قائد الجناح العسكري للحزب الديمقراطي الكردستاني.
6ـ فاضل مصطفى ـ عضو المكتب السياسي للحزب الديمقراطي.
7ـ عمر عثمان ـ عضو المكتب السياسي للحزب الديمقراطي.
8ـ فريدون عبد القادرـ عضو المكتب السياسي للاتحاد الوطني.
أما الوفد العراقي فقد تالف من كل من:
1 ـ صدام حسين ـ وقد شارك في اجتماع يومي 21، 22 نيسان.
2 ـ عزت إبراهيم الدوري ـ نائب رئيس مجلس قيادة الثورة.
3 ـ طه ياسين رمضان ـ نائب رئيس الجمهورية.
4 ـ سعدون حمادي ـ رئيس الوزراء.
5 ـ حسين كامل حسن المجيد ـ وزير الدفاع.
6 ـ علي حسن المجيد ـ وزير الداخلية.

وقد جرت المباحثات بين الوفدين حول المشروع المقدم من الطرف الكردي، مساء يوم 21 نيسان بحضور صدام حسين الذي تحدث في الاجتماع عن أهمية الروابط الوثيقة بين القوميتين العربية والكردية، واعترف صدام بأنه أخطأ في سياسته تجاه الأكراد، وأعلن عن التزامه بإجراء انتخابات عامة، والمحافظة على التعددية السياسية، وحرية الصحافة، لكنه رفض القبول بمطالب القيادات الكردية حول ضم محافظة كركوك إلى منطقة الحكم الذاتي، والبند الخامس المتعلق بالضمانات الدولية.
عاد الوفد الكردي بعد نهاية المحادثات إلى أربيل للتشاور، ثم عاد بعد أيام إلى بغداد مرة أخرى لمناقشة المسائل المختلف عليها مع حكومة صدام.
ولكن المحادثات لم تصل إلى أي نتيجة، وباءت تلك المحاولات بالفشل، وعاد الوفد الكردي إلى أربيل، وقد بدا واضحاً أن هناك العديد من نقاط الخلاف بين الطرفين وكان أبرزها:
1ـ رفض نظام صدام أن تشمل الضمانات المطلوبة من الجانب الكردي مشاركة طرف ثالث في المفاوضات لحل الخلاف حول تحديد مناطق الحكم الذاتي، كما رفض النظام رفضاً قاطعاً ضم محافظة كركوك إلى منطقة الحكم الذاتي.
2ـ إصر نظام صدام على عودة أجهزة الأمن والاستخبارات إلى منطقة الحكم الذاتي، ومعاودة نشاطها من جديد، وقد رفض الجانب الكردي ذلك.
3ـ أصر نظام صدام على عدم السماح بالنشاط السياسي في صفوف الجيش لغير حزب البعث، وقد قدم الجانب الكردي اقتراحاً بأبعاد الجيش عن الحزبية، إلا أن صدام رفض الاقتراح كذلك.
4ـ استمرار الخلاف حول مسألة الديمقراطية والحريات العامة، فقد طالب
الوفد الكردي بإطلاق حرية الأحزاب السياسية، وحرية الصحافة، وأجراء انتخابات حرة ونزيه لانتخاب مجلس تأسيسي يقوم بوضع دستور دائم للبلاد، وتشكيل محكمة دستورية عليا، وإشاعة الديمقراطية في البلاد. (5)
وكان النظام العراقي يراوغ حول هذا الموضوع، ويحاول إقامة مؤسسات صورية خاضعة لأشرافه ونفوذه، ولم يكن جاداً في تحقيق الديمقراطية في البلاد.
وإثر فشل المحادثات بين الطرفين، بدأ النظام بممارسة الضغوط على المنطقة الكردية من جديد ، حيث فرض حصاراً اقتصادياً عليها، وسحب الإدارة المدنية والموظفين، وقطع الرواتب عن الموظفين والعمال الأكراد، وقطع الطاقة الكهربائية عن محافظة دهوك، وقطع جميع الاتصالات مع منطقة كردستان.
لقد كان واضحاً منذُ البداية أن المفاوضات لا يمكن أن تنجح بين نظام أوغل في جرائمه بحق الشعب العراقي، عرباً وأكراداً وسائر القوميات الأخرى على حد سواء، وبين سلطة قيادات قومية كردية وجدت نفسها على حين غرة مستقلة عن سلطة حكومة صدام حسين، تحت الحماية الأمريكية والبريطانية.
وكان واضحاً بأنه حتى لو تم توصل نظام صدام مع الوفد الكردي إلى أي اتفاق، فلن يكون إلا اتفاقاً مرحلياً اضطرته ظروفه الصعبة إلى قبوله، وعندما تتحسن ظروفه يسارع للتنصل من الاتفاق، ويبدأ بالتنكيل من جديد بالشعب الكردي، فنظام من هذا النوع لا يمكن أن يؤمن بالديمقراطية وحقوق الإنسان.
القيادات الكردية تعود إلى لجنة العمل الوطني!
بعد أن فشلت المحادثات مع نظام صدام عادت القيادات الكردية إلى أحياء التعاون المشترك مع لجنة العمل الوطني للمعارضة العراقية، حيث وجه السيد مسعود البارزاني والسيد جلال الطالباني رسالة إلى قيادة لجنة العمل الوطني المشترك داعياً إياهم إلى عقد مؤتمر وطني في مصيف شقلاوة بكردستان، لغرض مناقشة كل جوانب القضية العراقية، بما في ذلك المفاوضات التي أجرتها القيادة الكردية مع النظام، وسبل أعادة اللحمة بين أطراف لجنة العمل الوطني، والعمل المشترك. وقد أكدت قيادة أحزاب الجبهة الكردية أنها بصدد أجراء مناقشة نقدية، بعد أن وصلت المفاوضات مع نظام صدام حسين إلى طريق مسدود، والإجراءات التي اتخذها النظامضد الشعب بعربه وأكراده وسائر أطيافه الأخرى. (6)
كما اعترفت القيادة الكردية بأن المفاوضات قد أضرّت ليس فقط بالقضية الكردية، بل بقضية الشعب العراقي بكل مكوناته، حيث أصيبت الوحدة الوطنية بالتصدع جراء انفراد القيادات الكردية دون الرجوع إلى ما كان يسمى بـ [جبهة العمل الوطني] التي ضمت أحزاب المعارضة العراقية مؤكدين العودة إلى الطريق الصحيح في التعامل مع النظام العراقي، وادعت القيادات الكردية أن صدام قد تعمد خداع القيادة الكردية، وانه غير جاد في مفاوضاته معها!!.
تلقت الأمانة العامة للجنة العمل الوطني المشترك رسالة البارزاني، والطالباني على مضض، ووعدت بدراستها والرد عليها، وأكدت أيمانها بضرورة مواصلة العمل المشترك لكل فصائل المعارضة العراقية، وعدم السماح للخلافات التي ظهرت أثناء المفاوضات التي جرت بين القيادات الكردية ونظام صدام أن تؤثر على مستقبل التحالف الوطني، وجهوده من أجل قيام نظام ديمقراطي حقيقي في البلاد.(7)
وتقرر أن تعقد الأمانة العامة للجنة العمل المشترك اجتماعاً طارئاً لمناقشة الموقف الحالي، ووضع التزام محدد لكافة فصائل المعارضة، تتعهد بالعمل به، حرصاً على وحدة الصف الوطني، ومن أجل قهر الدكتاتورية، وإقامة البديل الديمقراطي التعددي، الضمانة الأكيدة لحقوق الشعب العراقي بكل مكوناته العرقية.

انسحاب القوات الأمريكية والحليفة من العراق
بعد أن أستتب الأمر لنظام صدام، وتم قمع الانتفاضة الشعبية بتلك الصورة الوحشية، بدأ صدام يركز جهوده لترميم نظامه، وتثبيت حكمه، وإعادة تنظيم جيشه، بعد كل الذي حدث إبان الانتفاضة، وانضمام أعداد كبيرة من الجنود والضباط إلى صفوف الانتفاضة، حيث جرى تصفية كل العناصر المشكوك في ولائها للنظام .
كانت القوات الأمريكية تراقب بحذر واهتمام، عودة الأمور إلى حالها قبل قيام الانتفاضة، وبعد أن تأكد لها إمساك صدام حسين بزمام الأمر من جديد، بادرت في 7 أيار 1991 إلى الانسحاب من الأراضي العراقية التي احتلتها في جنوب العراق تاركة لصدام قوة عسكرية كبيرة من حرسه الجمهوري، معززين بمختلف أنواع الأسلحة، لكي يستطيع الحفاظ على نظامه أمام الإخطار المحدقة به، سواء من جانب الشعب العراقي، أو من جانب إيران التي خاض صدام حسين ضدها حرباً دامية استمرت 8 سنوات، وخلفت وراءها ما خلفت من العداء والكراهية.
فالولايات المتحدة تخشى أن يصبح العراق لقمة سائغة في حلوق حكام طهران، كما خشيت من قبل أن تصبح إيران لقمة سائغة في حلق صدام إبان حرب الخليج الأولى، لكي لا يصبح النفط العراقي أو الإيراني تحت سيطرة أحد النظامين، بما يملكان من إنتاج هائل، حيث تمثل إيران ثاني دولة منتجة في منطقة الخليج، ويأتي العراق في المرتبة الثالثة، هذا بالإضافة إلى ما يملكه البلدان من خزين احتياطي هائل في أعماق الأرض.
إن كل ما قاله الجنرال الأمريكي [شواردزكوف] حول تحطيم الجيش العراقي تماماً، وقدر ما تبقى من ذلك الجيش بأنه لا يعدو أن يكون أكثر من فرقتين أو ثلاث كان غير صحيح، فقد تبين بعد نهاية الحرب أن ما يزيد على 20 فرقة، أغلبها من قوات الحرس الجمهوري الموالية لنظام صدام قد خرجت سالمة، وقيل آنذاك أن الولايات المتحدة أرادت إبقاء هذه القوات العسكرية لصدام، لكي تشعر حكام الخليج بأن نظام صدام لا يزال يشكل تهديداً لتلك الأنظمة، لكي تبقى الذريعة للولايات المتحدة لبقاء قواتها وأساطيلها الحربية في المنطقة لأمد طويل، ولكي تضغط على هذه الدول لشراء الأسلحة والمعدات الحربية، وتستنزف مواردها الاقتصادية في التسلح.
كان حكام السعودية وبقية دول الخليج غير راضين على الصورة التي انتهت بها الحرب، وبقاء صدام حسين ونظامه كسيف مسلط على رقابهم، حتى أن ولي العهد الكويتي، ورئيس الوزراء قال لوزير الدفاع الأمريكي ديك تشيني: {إنكم قد قطعتم ذيل الأفعي، ولكن الأفعى لن تموت بقطع ذيلها، وإنما بقطع رأسها}.
وهكذا بقي نظام صدام كابوساً يؤرق نوم حكام الكويت، فهم لا يمكن أن يشعروا بالراحة مع وجود صدام على رأس النظام في العراق، إلا أن ما تريده الولايات المتحدة ليس بالضبط ما يريده حكام الكويت، فمصلحة الولايات المتحدة فوق كل اعتبار.

تحول منطقة كردستان ساحة للصراع الإقليمي
أصبحت منطقة كردستان بعد هزيمة نظام صدام في حرب الخليج الثانية، وإعلان الولايات المتحدة ما دعته [كومفورت بروفايد] لحماية الأكراد من بطش الحرس الجمهوري لصدام مسرحاً للصراع الإقليمي، ومما ساعد في تصاعد ذلك الصراع اتخاذ المنطقة مسرحاً لنشاط الحزب الديمقراطيالكردستاني الإيراني، وحزب العمال الكردستاني في جنوب تركيا.
كما ساعد في ذلك التناحر المسلح بين الحزبين القوميين الذين تقاسما السلطة في المنطقة،[حدك] و[ أوك]، وتحالف أوك مع إيران، و تحالف حدك مع تركيا.
وهكذا وجدنا تركيا تدفع بقواتها العسكرية إلى شمال العراق مرات عديدة، بحجة ملاحقة مقاتلي حزب العمال الكردي أو لمساعدة حزب البارزاني [حدك]، وتارة أخرى تدفع إيران بقواتها داخل الأراضي العراقية، بحجة ملاحقة الثوار الأكراد، في إيران، أو لمساعدة حزب الطالباني [ أوك]، مستغلين تكبيل العراق بقيود الحصار الذي فرضه مجلس الأمن منذُ أقدم صدام حسين على غزو الكويت، والهزيمة الكبرى التي لحقت بالعراق في حرب الخليج الثانية.
ولاشك أن الشعب الكردي كان هو الضحية، كلما حدث اجتياح تركي، أو إيراني، حيث تتعرض القرى الآمنة للقصف المدفعي، وقصف الطائرات، وحيث يقع العديد من الضحايا في صفوف المدنيين، وحيث تتعرض أموالهم وممتلكاتهم للنهب، والتدمير.
ولاشك أن تركيا كانت ولا تزال لها أطماع قديمة في ولاية الموصل، والتي تشمل كامل ولاية الموصل التي تضم [ الموصل وكركوك وأربيل والسليمانية ودهوك]، حيث سعت جهدها بعد نهاية الحرب العالمية الأولى للاستحواذ عليها، وساومت بريطانيا الحكومة العراقية، وخيرتها بين فقدان ولاية الموصل أو التوقيع على امتياز النفط، واضطرت الحكومة العراقية على الرضوخ للمطالب البريطانية من أجل الحفاظ على ولاية الموصل.
لقد أسفر الرئيس التركي الراحل [توركت أوزال] عن أطماع تركيا هذه عندما صرح في تموز عام 1995 قائلاً:{ إن ولاية الموصل هي ولاية تركية}.أما وزيرة الخارجية التركية آنذاك فقد صرحت أن تركيا تعتزم إنشاء منطقة حزام أمني داخل الأراضي العراقية، على غرار الحزام الأمني الإسرائيلي في جنوب لبنان.
ومن الجدير بالذكر أن نظام صدام كان قد عقد اتفاقاً مع الحكومة التركية في الثمانينات، يسمح بموجبه للقوات التركية بالتوغل في الأراضي العراقية بحجة مطاردة المتمردين الأكراد، وهكذا استمرت القوات التركية باجتياح الأراضي العراقية كلما شاءت، دون أي احترام لسيادة واستقلال العراق، بفضل سياسة نظام صدام.

ملاحظة: التوثيق في نهاية الكتاب لكل الحلقات
حامد الحمداني
5-8-2009