الرئيسية » مقالات » عن معنى المجالس العمالية أو الكومونات

عن معنى المجالس العمالية أو الكومونات

يصبح من الضروري جدا إعادة مقاربة المضامين المختلفة التي يستخدمها اليسار عندما يشير إلى المجالس العمالية أو الكومونات , و ذلك مع التشويش الذي يخلقه هذا الاستخدام ذا الأهداف المختلفة بل و المتناقضة , يقدم لنا محمود أمين إحدى هذه الاستخدامات في نقاشه عن الأستاذية و خط الجماهير في الحركة الماركسية ( الماوية ) المغربية ( المنشور في الحوار المتمدن ) , حيث يستوقف المرء طويلا مثاله عن “كومونة شعبية” شكلها أهالي منطقة ما في الصين و موقف ماو من هذه الكومونة الشعبية , عندما يرى أنها “وسيلة رائعة لتسهيل قيادة الجماهير” , و أن هذا كان هو السبب وراء قراره بتعميمها في كل مكان , هذه الصورة عن الكومونة الشعبية كمعسكر شبه حربي يخضع لقيادة عليا على أساس انضباط حديدي يختلف تماما عن صورة الكومونة كمجتمع يكون فيه كل إنسان , كل عضو , على قدم المساواة , مسؤولا عن إدارة شؤون حياته هو و شؤون المجموعة ككل دون وصاية من أحد بحرية لا تعرفها المؤسسات التمثيلية البرجوازية , هنا يجري قلب منطق المجالس و الكومونات العمالية رأسا على عقب , فبدلا من أن تكون النموذج الفعلي للديمقراطية العمالية , للقيادة الذاتية للجماهير لنفسها دون وصاية من أية طبقة أو نخبة ما تصبح الوسيلة الأفضل لفرض سلطة طبقة جديدة و وصايتها على البروليتاريا و لسلب الجماهير أي تأثير جدي في إدارة شؤونها , أما الحزب الشيوعي العمالي العراقي في جريدته الشيوعية العمالية – العدد 282 الصادر في 12 تموز يوليو 2009 فيتحدث رئيس تحرير جريدته مؤيد أحمد عن الحزب كممثل للشيوعية العمالية و عن تجربة مشاركته في انتفاضة كردستان العراق لعام 1991 , عندما شكلت الجماهير مجالسا قاعدية لإدارة المناطق الثائرة , لكنه يردد بعد بعض السطور فقط ذات الرؤية الستالينية عن “السلطة العمالية” , على أنها سلطة “الحزب العمالي” , و ينسى , كما فعلت القوى القومية الكردية , و اليسار العراقي الرسمي , جوهر تجربة انتفاضة 1991 عندما أخذت الجماهير العراقية , ربما لآخر مرة قبل أن يغرق نظام صدام ثورتها في الدماء بتآمر مباشر من أمريكا و حلفائها المنتصرين في حرب الخليج الأولى و قبل أن تجوعها مراكز النظام الرأسمالي العالمي حتى الإنهاك الأخير و إبقائها تحت سوط أجهزة نظام صدام كشرط أساسي لتمرير احتلالها للعراق , زمام أمورها و بنت مؤسساتها الخاصة الثورية و الديمقراطية التي دمرت لصالح مؤسسات ديكتاتورية صدام أولا و من ثم لصالح مؤسسات سلطوية بيروقراطية فاسدة حتى النخاع تشرع و تقونن سلطة الملالي و الشيوخ السنة و امتداداتها و تحالفاتها الاجتماعية , إن المجالس العمالية أو الكومونة , كما أبدعتها الجماهير , تختلف تماما عن هذا التعريف الستاليني , لم يخلق الحزب البلشفي , أو أي حزب آخر أو أي منظر أو مفكر عبقري ما , مجالس العمال أو الكومونة الباريسية أو ما تلاها من أشكال أخرى من السلطة العمالية أو الشعبية المباشرة , بل عمل على تفريغها من معناها , و تهميشها و الاستيلاء على سلطتها بزعم أنه الممثل الوحيد للبروليتاريا , ليشكل ديكتاتورية الحزب على البروليتاريا , الإيديولوجيا هنا هي المبرر الذي يقوم عليه هذا الإدعاء بوحدانية تمثيل البروليتاريا , على العكس تماما فمنطق مجالس العمال و الكومونات يصر على أن البروليتاريا تمثل نفسها بنفسها دون أية وصاية نخبوية أو بيروقراطية ما , الإيديولوجيا هنا ليست مبررا لقيادة الجماهير كالغنم , و لسلبهم صوتهم و في النهاية حريتهم مرة أخرى , إنها في أفضل الأحوال حفاز , سلاح بيد الجماهير نفسها لتحرر نفسها , لا لتستبدل نيرها بآخر , ربما كان أشد وطأة…..