الرئيسية » شؤون كوردستانية » يالجن آكدوغان : الانفتاح على الكورد ليس في حزمة الحل, وإنما في المرحلة

يالجن آكدوغان : الانفتاح على الكورد ليس في حزمة الحل, وإنما في المرحلة

التقديم والترجمة : مصطفى إسماعيل
من شيم الحكومات التركية المتعاقبة, أن المسؤولين فيها يجرحون الكورد بما فيه الكفاية, ولا يكفون بالمقابل عن محاولة إعطائهم جرعات من الحلول كأدوية مهدئة, يرون إليها بمثابتها الوصفة الأنجع للعلاج, ويبدو كاتب المقال ” يالجن آكدوغان ” المستشار السياسي لرئيس الحكومة التركية, أحد أولئك الذين يجرحون ويداوون في الآن ذاته, وتتضح من مقاله المنشور في عدد صحيفة ” ستار ” التركية ليوم 27 تموز 2009 أن زوادة الحكومة التركية لحلِّ القضية الكوردية في كوردستانها خالية من كل ما يعينُ على الحلِّ, فلا تروقُ الكاتبَ سياسات حزب المجتمع الديمقراطي, بينما حزب العمال الكوردستاني يبدو مرفوضاً كلية لديه, وأحاديث كورد الشمال عن المخاطب الكوردي في عملية الحلِّ الديمقراطي لقضيتهم المزمنة تعد سفسطة لا طائل منها, ويتضح من المقال أن كاتبها يتعمد الوثب العالي فوق الحقائق, فالشروع التركي في طريق الحل برأيه يتأتى من إرادة حزب العدالة والتنمية الحاكم واجندته, وللتغيير الحاصل في البيئة الجيوسياسية والفكرية في المنطقة والعالم, وكأن دخول القضية الكوردية في تركيا سكة الحلِّ هو نتاج السيرورة التاريخية, ولا يد للكورد وحركة تحررهم وثورتهم المشتعلة منذ عقدين ونصف فيها, يخلص المرء بعد قراءة ما كتبه ” آكدوغان ” أن الحكومة التركية لم تستوعب بعد المشهد الكوردي لديها, وكذلك لم تستوعب بعد مشهد كوردستان, إذ أن مفردات القاموس الكتابي الذي يلجأ إليه آكدوغان هي المفردات نفسها المزمنة والصدئة, والطرفة الملفتة في هذا السياق التي ينبغي التذكير بها, هي ما يجود به كاتبنا علينا, عن أن الكورد ليسوا كتلة واحدة فيتم من لدنه التصنيف الغريب الباعث على الضحك : ” وليس الكوردُ كتلة واحدة, فهنالكَ المديني والقروي, المتعلم والأمي, الذي يعيشُ في غرب البلاد والذي يعيشُ في جنوب شرقها, والعلوي والسني, الحنفي والشافعي, المقيمُ في تركيا والمقيمُ في أوربا ودول المنطقة, الغني والفقير, العامل ورجل الأعمال, العضو في حزب المجتمع الديمقراطي والعضو في حزب العدالة والتنمية. “.
أهمية ترجمة ما كتبه ” يالجن آكدوغان ” تنبع من كونه أحد أبرز من تطرق في كتاباته المنشورة في صحيفة ” ستار ” إلى ما يجري في كواليس وأروقة الحكومة التركية حول حل القضية الكوردية, كونه أحد مستشاري رئيس الحكومة المطلعين على التفاصيل التي لا تظهر ببساطة. إليكم نص المقال :

يالجن آكدوغان : الانفتاح على الكورد ليس في حزمة الحل, وإنما في المرحلة
حين كانت تجري النقاشات بشكل مكثَّف في المسألة القبرصية, ظهرت بعض المفاهيم إلى المقدمة, ومفاهيم من قبيل ” اللا حل هو الحل “, و ” امنح وانقذ نفسك “, و ” أربح.. أربح “, كانت بعضاً من تلكم المفاهيم, وفُهِمَ جيداً حينها أن اللا حل لا يمكن أن يكون حلاً قطعاً, بينما ” امنح وانقذ نفسك ” كانت الشكل الآخر لمفهوم اللا حل, وكانت المقولات الأكثر معقولية هي ” حُلَّ وأعِشْها ” و ” أربح .. أربح “, وكانت الفكرة القائلة بأنَّ اللا حل لا يمكنُ أن يكون حلاً في قبرص, هي الحقيقة التي أظهرتْ وجوبَ عدم استمرار العمل بالسياسة ذاتها في هذه الحقبة.
العملُ على إدامة اللا حل ظلَّ الشروط المتغيرة, لم يكُ ملائماً لمصالح الجمهورية التركية في شمال قبرص KKTC , ولا لمصالح تركيا, فمحور الحديث كان عدم موائمة الوضع للمصالح من جهة, ومن جهة أخرى عدم إمكان العمل بسياسة لا يمكن إدامتها, انطلاقاً من ذلك ظهورُ إرادة الحلِّ, وإجراءها القراءة الصحيحة الواعية للمرحلة, ما أدى إلى إبراز محاولات جريئة للحلِّ. أيضاً فإن اللا حلَّ لم يعدْ حلاً بالنسبة للمسألة الكوردية, ففي الوضع الحالي إذا ما جرى العملُ الاستراتيجي على إدامتها معَ الخُسران, فإن ذلك سيجلبُ معه إنفاقاتٍ كبرى من مالية الدولة.
النضج الديمقراطي
الآنَ هنالك وضعٌ غيرُ مقبولٍ, سرى في الداخل عبر سنوات, وتعقَّدَ وآلمَ ضميرَ المجتمع, وتكمن دوافع رفض هذا الوضع في الذهنية السياسية لأصحابها, ومن منطلق الوعي, وكذلك من زاوية عدم إمكان المسير بسكونية الوضع الحالي.
قابليةُ نظامٍ سياسي لحلِّ مشاكله مرتبط أيضاً بماهية الذهنية المطلوبة والوعي والإرادة, ومهما كانت الذهنية والفهم اللذان يخلقان المشاكل مَعلومين, فإن الذهنية والفهم اللذان سيَحلان المشاكل أيضاً معلومين. وقد وصلت تركيا في الآناء الأخيرة إلى نضجٍ ديمقراطي, يتيحُ لها الجدال حول مختلف المسائل, ومناقشتها بنية الحل, وأهمُّ من كل ذلك, وضعها على طريق الحل. قابلية الحل التي وصلها النظام السياسي, واجتماع النية الحسنة للسلطة السياسية والصميمية وإرادة التقرير, أظهر للعيان قوة وثقة مطلقة, يُمَّكنها من وضعِ أكثر من مسألةٍ مُزمنةٍ على طريق الحلِّ.
إنَّ خرائطَ الطريق, مُخططات الأنشطة, حُزمُ الحلِّ, المشاريعُ ضروريةٌ كلُّها من أجل الحلِّ, ولكنها غيرُ كافية, لو كان ذلكَ كافياً, لما كانت تركيا اليوم مقبرةً للمشاريع وخرائط الطريق. في هذه النقطة, فإن الخاصية التي تحملُ أهميةً كبرى هو دخولُ إرادة الحلِّ والنية الحسنة والصميمية السكة, وبالتالي عرض موقفٍ مُقَرّرٍ. من البديهي التفكيرُ بأن تركيا نالت فرصة تاريخية, والإشارة إلى المرحلة التي وصلتها, فالموازين الإقليمية والدولية وضعتْ أمامنا اليوم فرصة للحلِّ.
الفرصة التاريخية لم تفت
ولكن الفرصة الأصلْ مُرتبطةٌ بالسياسات المتبعة في السنوات الأخيرة, وحكمُ حزب العدالة والتنمية الذي صاغَ هذا الوعي اليوم. أمَّا الإشارةُ خلال فترة الحلِّ إلى خارطة الطريق التي يُعدُّها أوجلان فهو خاطىءٌ من جهة ولا أحقيةٌ من جهة أخرى, إذ تجري منذُ ما يقربُ السنةَ أعمالٌ جدية وتحضيراتٌ في نقطة حلّ المسألة الكوردية. وضعُ حزب العمال الكوردستاني في شمال العراق, والمرحلة التي وصلها مكافحة الإرهاب, ازدهارُ الحريات والحقوق, تصاعدُ تأثيرات السياسية المدنية, وتحقيقُ تركيا لتعاونٍ مؤثرٍ مع الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوربي والعراق, كلُّها أمورٌ حملت مسيرة الحل إلى نقطة مختلفة. ولكن أنشطة المحرضين هي التي أخَّرت مسيرة الحل إلى يومنا هذا. الآن, فإن التفكير بأن أوجلان سيجد الأرضية للمسألة عبر العمل الذي قام به, وإجلاسه في مركز عملية الحل سيكون قراءة خاطئة للتحول الحاصل.
أي الكورد ؟.
إذا كان وضع مكافحة الإرهاب وحزب العمال الكوردستاني موضوعاً مهماً خلال هذه المرحلة, فإن عدم أخذ تأثير أوجلان في الحسبان سيُرى طبعاً كخطأ, أما التعبير عنه باصطلاحاتٍ من قبيل ” المُخاطب, والناطق, والزعيم ” فلا يخدم عملية الحلِّ.
ليس الكورد هم المنزعجون الوحيدون في المسألة الكوردية, بل كل أقسام المجتمع وطبقاته, وليس الكوردُ كتلة واحدة, فهنالكَ المديني والقروي, المتعلم والأمي, الذي يعيشُ في غرب البلاد والذي يعيشُ في جنوب شرقها, والعلوي والسني, الحنفي والشافعي, المقيمُ في تركيا والمقيمُ في أوربا ودول المنطقة, الغني والفقير, العامل ورجل الأعمال, العضو في حزب المجتمع الديمقراطي والعضو في حزب العدالة والتنمية..
ليس إظهارُ المشاعرِ في المسألة الكوردية قومجيةً كوردية, وليسَ إيلاءُ الأهميةِ لصاحب عقلٍ سليمٍ وللمعقوليةِ وللسياسة الواقعية سكونيةً, كما أنَّ البِرَّ بالمسألة الكوردية, وتبيانُ الرأي في هذا الموضوع, والتعبيرُ عن المعاناة في قضايا الحقوق والحريات, ليسَ مرهوناً بحزب العمال الكوردستاني أو بحزب المجتمع الديمقراطي.
جلبُ مِروحة واسعة بهذا القدر, والإشارةُ إلى حزب المجتمع الديمقراطي أو أوجلان سيكونُ خاطئاً جداً, حين يكونُ الموضوع حزب العمال الكوردستاني مثلَ العديد من أصحاب الأدوار, قطعاً سيكون أوجلان أيضاً صاحبَ دورٍ, ويجبُ عدمُ رؤية هذا الدور وقوَّته ككلِّ شيء أوْ لا شيء.
برغمِ وجودِ مشاريعَ مُتباينة واقتراحات ومقولات في موضوع حل المسألة الكوردية, لكنها تتفقُ في خاصية أنَّ الحلَّ هو الشرطُ.
في هذه النقطة, ينبغي على الاتفاق المجتمعي الإشارةُ إلى الحلِّ, ولا يعني التوافقُ جلوسَ مجموعة أشخاص على طاولة واحدة, والتحاور, والاتفاق, بل يعني التوافقُ وجودَ مطلبٍ وارتقابٍ مُجتمعي يَحظى باقتراحٍ ينالُ قبولاً عاماً.
وبَيِّنٌ ضرورةُ عدم وجودِ مُخاطبينَ في التوافق والتفاوضِ قاموا بنقل المسألة إلى وضعها الراهن ( يقصد وضعها السلبي ). وجود المعنيين بالمسألة في مرحلة الحلِّ شيء, والعملُ على تنصيب مُوصلي المسألة إلى هذه الحالة كأصحابِ دورٍ في المرحلة شيءٌ آخرْ.
اليومَ, فإنَّ المجتمعَ متوافقٌ حولَ الحقيقة التي مُنِحَتْ له, وهي : ألا تسيلَ الدماءُ بعدَ الآنْ, ألا يُقتلَ الشبابُ بعدَ الآنْ, على الأسلحة أنْ تصمتْ, ألا يُقصى أحدٌ بعدُ بسبب جذره الإثني, ألا يُذَّلَ, وألا يُعدَّ معدوماً, ألا يعاني أحدٌ بعدُ من الفقر, وانعدام النصيب, واللا إمكان, والتأخر, ألا يُحرمَ أحدٌ بعدُ من الحقوق والحريات الأساسية, ألا يُعدَّ أحدٌ بعدُ العنفَ, والإرهابَ, والقتلَ طريقةً للتعاملِ.
النية الحسنة مطروحة…
الأعمالُ التي سيَّرتها الحكومةُ لمْ تبدأ اليوم, ولكنها كسبتْ في الراهنِ مشهداً مُلفتاً ومُكثفاً. هذه الأعمال إذا ما تحوّلتْ إلى سياسةٍ للدولة والحكومة, فإنَّ بعثها في المستقبلِ القريبِ سيكونُ أمراً حيوياً.
ولكنا في حالةِ من يجبُ ألا ينسى هذا : لا يمكنُ حلُّ أيِّما مسألةٍ من جذورها من ساعات الليل وحتى ساعات الصباح, المُهمُّ في الأمرِ, أن تسلكَ الطريقَ بنيَّةٍ حَسنة والعزمُ على المسيرِ في الطريق, من هذه الزاوية, فإن الفرصة التاريخية لا تكمنُ في حُزمة الحلِّ, بلْ يجبُ فهمها على أنها عمليةُ الحلِّ.
للمسألة الكوردية أبعادٌ شتى سياسية واقتصادية واجتماعية ودبلوماسية وعسكرية وثقافية, وقد خَطَتْ الحكومةُ في السنوات السابقة خطواتٍ هامة في الميدانين الاجتصادي والديمقراطي, ولكن من الضروري اليومَ التصدي للمسألةِ على أنَّها أكثرُ حِصاراً لنا, ومتعددة الأبعاد, بشكلٍ مُخطط وأكثرَ تنسيقاً.
والشرطُ الأساسُ للنجاح هو إظهارُ مؤسساتُ الدولةِ جميعها أنشطتها, مُمْتَثلةَ في ذلك للاستراتيجية الرئيسة المُحدَّدة واتخاذُها الطريقَ نحوَ الهدفِ وسطَ جوٍّ من الانسجام.
انتقاداتٌ لا أساسَ لها…
رغمَ أهمية الخطواتْ الاجتصادية المُتخذة, إلا أنها لا تبدو مُطَمْئِنَة بما فيه الكفاية للذهنيات المُتطبعة بالسياسة, فالمسألةُ الكورديةُ تلقىَ صداها فقطْ في البُعد السياسي, وتحديداً في الانفتاح الديمقراطي عليها, لهذا فإن الأبعادَ المُتوقعة الاجتصادية والثقافية والسياسية ليستْ ذاتَ معنى, بعيداً عن خطواتٍ أولى ديمقراطية.
الركنُ الآخرُ المُهمُّ في المسألة هو مُكافحةُ الإرهاب, ووضعُ حزب العمال الكوردستاني, ونظراً لاستحالة إنهاء التنظيم الإرهابي كُلِّياً ( وقد تمَّ مُحاولة ذلكَ كثيراً سياسياً واستراتيجياً في الماضي ) فإنه ينبغي تسريعُ وتيرة الأنشطة المُتعلقة بتصفية هذا التنظيم الإرهابي, إذ يبدو حزب العمال الكوردستاني اليوم في وضعية يبدو فيها أكثر وحدة وعُزلة.
وحزب العمال الكوردستاني بمحاولته صياغةَ آليةٍ نظريةٍ لإلقاء السلاح, وتفكيرهِ بما يُمكنُه القيامُ به للنزولِ من الجبال يكادُ يُصبحُ في وضعية البُعد الأهمِّ للمسألة.
وردتْ ردودٌ جدية وانتقاداتٌ حول كتابتي المُعنوَنة بـ ” أن تصبحَ جزءاً من الحلِّ لا المشكلة “, الفكرةُ الرئيسةُ في تلك الكتابة كانتْ أنَّ هُنالكَ ارتقاباً عاماً في نُقطةِ حلِّ المسألة الكوردية, ويُفهمُ من ذلكَ أنَّ مؤسسات الدولة تبذلُ محاولاتها إذا ما صحَّ ذلكم الانتظار, وعدم قبول الدولة بمطالبِ قسمٍ مؤذٍ من معسكر حزب العمال الكوردستاني / حزب المجتمع الديمقراطي يُمكنُ أنْ يكونَ مُساعداً في عملية الحلِّ.
وليست الموضوعاتُ المُحتملُ قبولها أو رفضها هي مطالبي الشخصية وأمنياتي, ولكنها كانتْ انعكاساً لمراقبتي التجاربَ حتى يومنا هذا, فبدلاً من فهمِ مُحيطِ حزب العمال الكوردستاني المسألةَ بالمزاج السيء ونفاذ الصبر كما في كل وقت آخر, قاموا بتوجيه مفردات التحقير والتهديد, إذ تظهر في صحيفة ” غوندم ” المُقرَّبة من حزب العمال الكوردستاني كتاباتٌ نقدية, وهي كتاباتٌ دونَ المستوى, ومُهدِّدَة, وهي كتاباتٌ تُظهرُ مزيجاً من الجهلِ والافتقار إلى التربية, وهي كتاباتٌ تُظهرُ كمْ أنَّ كتابها أصحابُ ذهنيةٍ معجونةٍ بنفاذ الصبر.
عنونتها بالإثارة …
في السنوات الماضية, حين كان أحدهم يُظهرُ ديمقراطيته ومشاعره الإنسانية حول المسألة الكوردية ( مثلي كأحد مواطني إقليم البحر الأسود ) كانت تُلصقُ به تهمة ” قومجي كوردي “, ويُدْخَلُ في إطار المتعصبين, اليومَ فإن المقاربات المعقولة ذاتها تشهدُ اتهامه بكلماتٍ من قبيل ” دولتجي ” و ” سكوني “.
ليسَ إظهارُ المَشاعرِ في المسألة الكوردية قومجيةً كوردية, وليسَ إيلاءُ الأهمية لصاحبِ عقلٍ سليمٍ وللمعقولية وللسياسة الواقعية سكونية, كما أنَّ البرَّ بالمسألة الكوردية, وتبيانُ الرأي في هذا الموضوع, والتعبيرُ عن معاناة الكورد أو الناس من جذورٍ أخرى في قضايا الحقوق والحريات, ليسَ مرهوناً بحزب العمال الكوردستاني أو بحزب المجتمع الديمقراطي, إن المقاربة القائلة بـ ” نحنُ ضحينا بأناسٍ كثرٍ, لذا فنحنُ فقطْ أصحابُ الحقِّ في القول ” ليستْ صحيحة.
وصولُ المسألة إلى هذه الحالة, وفُقدانُ الآلاف من الأتراك والكورد لحياتهم, يُعتبرُ نتيجة طبيعية لأخطاء هؤلاء في المقام الأول, وإذا كانت لا تظهرُ اليوم في المسألة الكوردية مبادرةٌ مدنية لها الكلمة, وإذا كان الخبراء والبحاثة لا يتخذون اليوم موقفاً مستقلاً, وإذا كان الناس اليوم مطموسين تحت ضغوطات التنظيم ( ب ك ك ), أفليس المسؤول عن ذلك هو حزب العمال الكوردستاني ؟.
إذا كانت الانفتاحات الديمقراطية مستمرة بشكلٍ أعرجٍ ثقيل الوطأة, وإذا كانت الأحزاب المَطلوبةُ للنضال في الساحة السياسية لا يُمكنها التخلصُ من مشاكل القانونية والمشروعية, وإذا كانت الفروقاتُ المجتمعية تتحوَّلُ يوماً بعد آخرَ إلى خطرٍ جدي, أفليسَ المسؤولُ عن كل ذلك هو حزبُ العمال الكوردستاني ؟.
حزب العمال الكوردستاني اليوم هو جزءٌ خطرٌ من المسألة, كونه أكبرَ العقباتِ أمامَ الحلِّ.
المسألة الوحيدة هو ألا يكون هنالك حزب العمال الكوردستاني…
أوليتُ حزب المجتمع الديمقراطي الأهمية في كل وقتٍ, ولكني لمْ أتجنب انتقاده أيضاً, لأنَّ حزب المجتمع الديمقراطي لم يستخدم بشكلٍ صحيحٍ الساحة التي فتحتها الديمقراطية والقانون له, ولا يستخدمها إلى الآن.
أعيدُ : كان حزب المجتمع الديمقراطي إذ يتخذ من المسألة الكوردية الأوَّالية المحور لممارسته السياسة يُخطىء, وهو يُخطىء اليوم إذْ يعتبرُ قضيته الوحيدة هي إنقاذ حزب العمال الكوردستاني وأوجلان, فالمفارقةُ الكبرى في حزب المجتمع الديمقراطي هو أنه يربطُ وجوده بوجود حزب العمال الكوردستاني, ولكي ينقل حزب المجتمع الديمقراطي المشاكل الكوردية إلى حيز السياسة على أرضية ديمقراطية, عليه انتاجُ لغةٍ سياسية تمتلكُ مشروعيةً قانونيةً وسياسية.
ولا يمكنُ للحزب برطانته القتالية وأسلوب المواجهة ولغة التهديد صياغة خطٍّ سياسي ذو مشروعية.
وإذا كان تحمُّلُ حزب المجتمع الديمقراطي ضرورةً ديمقراطية, فإن عدمَ تحمُّلُ حزب العمال الكوردستاني هو أيضاً ضرورةٌ ديمقراطية, وإنهاءُ حزب المجتمع الديمقراطي في الساحة السياسية أو تقليص تأثيره لا يخدم مكافحة الإرهاب, بل على العكس يخدمُ أجندة التنظيم الإرهابي.
ولا يمكنُ تدشينُ الصراع من أجل الدمقرطة حين تكون الحربُ المنافس السياسي, بينما الذهنية هي التي تعدُّ المنافسَ مُعادياً.
كما أنَّ حزب المجتمع الديمقراطي لم يطرح إلى الآن, فيما يتعلق بهاجسه الوحيد المسألة الكوردية, أي اقتراحٍ معقول ومقنع, وإذ يشير حزب المجتمع الديمقراطي مجدداً إلى خارطة الطريق التي يعدُّها أوجلان, فإنه أحال عمله إلى إمرالي, ويفهم من ذلك مجدداً أن حزب المجتمع الديمقراطي سيستهلك مرحلة الحلِّ بمحاولة العمل على التحول إلى أداة لإضفاء الشرعية على أوجلان.
الحرب ليست وسيلة
حزب المجتمع الديمقراطي إذ يربطُ المسألة بأوجلان, فإنه يتقهقرُ خاسراً ما له من وجود, إن عمل حزب المجتمع الديمقراطي على تحويل حلِّ المسألة إلى مجرَّد عمليةٍ لإنقاذ أوجلان يبدو أمراً مُحزناً للغاية.
كيف يُمكنُ لفهمٍ أو حلٍّ ديمقراطي الصدورُ عن ذهنية لا تزالُ تنظرُ للحرب كوسيلةٍ, وتستخدم الحرب في مرحلة الحلِّ كعنصرِ تهديدٍ ؟. يقولُ أوجلان : ” إذا لم يتحقق الحلُّ سأنسحبُ, بعد شهرٍ أو شهرٍ ونصفْ ستنتقلُ العمليةُ إلى وُجهةٍ أخرى.
يمكنُ لأشياء كثيرة أن تتغير حتى الخريف, إذا وقعت الحرب فإن كوردستان ستنفصل, نحن ندافع عن السلام بإصرار, والذين لن يحققوا السلام سيكونون المسؤولين, لا يقبل الكورد الوضع الحالي في تركيا, هذا الوضع ليس مقبولا,ً الحرب مجلبة لخسارة الطرفين ومضيعة للحقوق “.
الموقف الكلاسيكي لأوجلان وحزب المجتمع الديمقراطي هو المسير في ظل الأسلحة, والحالة هذه يُفترضُ أن تكون حقبة انتظار المدد من الأسلحة قد أغلقتْ.
المنطق والمسؤولية شرطٌ.
وعلى الجميع التعاملُ في هذا المنعطف التاريخي بمنطقٍ ومسؤولية.
ولا يمكن أن يُنظرَ إلى أية مساهمة في عملية الحلِّ باستهانةٍ أو تجاهلٍ أو اعتبارها بلا قيمة.
الاقتراحات المحفزة
سيكونُ موقفاً ثقيل الوطأة الوقوعُ رهنَ قضيةِ : ما لي وما لك, واستخلاص منافع شخصية خلال عملية الحلِّ, والعمل على البروز في المقدمة. الأهمُّ هو الوصول إلى نتيجةٍ تخدم سعادة وسلامة شعبنا, إذ ليست المسألة هي إنقاذ كلٍّ لنفسه أو حيازة تنظيم أو حزب بيِّنٍ لامتيازٍ ما.
ينبغي ألا يطالَ التخريبُ عملية الحلِّ, رأينا حتى الآن أنه حين تظهر إرادة الحلِّ, وحين كان يجري قفزُ خطواتٍ خيِّرة كانت أيادي الظلام تمتدُ لتخريب العملية, عبر التوقيع على أحداثٍ استفزازية, إنَّ إظهار المجتمع لموقفٍ لا مُبالٍ في مواجهة هكذا أحداث هو مهم جداً, لأنَّ كلَّ عمليةٍ تتطلبُ بروداً طويلَ الأمدِ وعزماً, أما طرحُ المطالب الراديكالية والاتيانُ بالحلول المارقة فلا يُعدُّ إلا بُعداً آخرَ للتخريبِ.
إنَّ طرح اقتراحاتٍ عديمة النفع وتحريضية لا يعني سوى دعم اللا حلِّ.
لهذا, فإنَّ عمل حزب المجتمع الديمقراطي المُتاجرِ ومطالبهُ الراديكالية الذي يهدفُ إلى توجيه الرأي العام, إنما يفلحُ في إهدار جهود الحلِّ.
كخلاصة, فإن الأعمال التي سيَّرتها الحكومة, إذا ما تحرك كل شخصٍ تجاهها بنية حسنة ومسؤولية, فإنها تظهر ” إمكان حدوث أشياء جيدة “. الآن إذا ما أضعنا هذه الفرصة التاريخية الماثلة أمامنا, فإنا سنحتاجُ عقوداً للوصول إلى الموقع الحالي, ولا يمكنُ لأحدٍ افتراضُ مدى وبال الأزمة التي ستولدُ حينها.