الرئيسية » مقالات » أساليب بالية لا تُنقذ حكام إيران من مأزقهم

أساليب بالية لا تُنقذ حكام إيران من مأزقهم

فرسان الاستبداد من كل الألوان لا يملّون من اللجوء إلى أسلوب فاشل لا ينقذهم من مأزقهم. فهم لا يكتفون بكل أساليب العنف والبطش والتزوير وشراء الذمم فحسب، بل يلجأون إلى أسلوب انتزاع اعترافات مزورة وكاذبة من ضحاياهم وتحت طائلة التعذيب الرهيب. والأمثلة لا تعد ولا تحصى عن تاريخ هذا الأسلوب غير الأنساني في تاريخ البشر قديماً وحديثاً. فقد أُرغم العالم الإيطالي غاليلو غاليلي على التنصل عن اكتشافه الفريد حول كروية الأرض، واضطر تحت طائلة التعذيب والتهديد بالموت إلى الاستسلام والقبول بخرافة رجال الكنيسة حول أن الأرض غير كروية بل مسطحة!!. والأمثلة عندنا في العراق عن هذه الممارسة غير قليلة ولا مجال لذكرها في هذا الحيز.
أما في إيران فحدث ولا حرج عن هذا الأسلوب المنافي لأية قيم وأعراف، والذي مارسه ويمارسه حكام إيران المستبدون من شتى الأصناف وبغض النظر عن زيهم في العصر الحديث ظناً منهم أن ذلك سيحفظ تسلطهم ويخرجهم من مأزقهم، ولكن هيهات. ففي كل أزمة اجتماعية واقتصادية واجهت هؤلاء الحكام، كان انتزاع الاعترافات تحت طائلة التعذيب والعمالة لجهات خارجية هو الخيار المفضل لهؤلاء البائسين. وهكذا ففي أوج الانقلاب ضد حكومة الزعيم الوطني الدكتور محمد مصدق أصبح أسلوب انتزاع الاعترافات من الوطنيين الإيرانيين وتحديداً من الضباط المنتمين إلى حزب توده إيران هو الإسلوب المفضل لقمع إرادة الشعب وتحطيم مقاومته للانقلاب الرجعي وتشويه سمعة انصار الحكم الوطني. ولكن كل هذا الاسلوب الذي اتبع ضد غالبية التيارات السياسية خلال كل تاريخ الحكم البهلوي لم ينقذ النظام الشاهنشاهي من مصيره المحتوم، وسقط مرتين في عام 1941 ثم انتهى كلياً في عام 1979.
ويبدو أن حكام التطرف الديني الحاليين لم يتعضوا ولا يريدون أن يتعضو من هشاشة هذا الأسلوب، وعمدوا منذ الأشهر الأولى بعد انتصار ثورة الشعب في 22 شباط عام 1979 إلى التوسل بنفس الأسلوب، وبالاعتماد على نفس الجهاز السابق للساواك. فقد حلّوا في هذا الجهاز القسم الخاص بمكافحة المعارضة الدينية وأبقوا على الأقسام الأخرى المتخصصة في مكافحة التيارات الوطنية والليبرالية الدينية والليبرالية واليسارية، لكي تصفى الأجواء فقط للتيار المتطرف كي ينفرد باحتكار الحكم في إيران حتى الآن. فقد مارس الحكم المرة تلو الأخرى ترتيب مشاهد “الاعترافات المفبركة المذلة” لضحاياه وعلى شاشات التلفزة لجميع انصار القوى السياسية الإيرانية، ومن لم يذعن فمصيره الهلاك أو تقطيع الأوصال كما حصل لمسؤول حزب الأمة داريوش فروهر وعقيلته. فقد أضطر تحت طائلة التعذيب والتهديد بعض السياسيين الإيرانيين من شتى الاتجاهات والصحفيات وبعضهن من الأجنبيات إلى “الاعتراف” بذنوبهن أمام محاكم التفتيش الصورية الإيرانية. ولعل أكثر المشاهد مأساوية هي تلك الحملة التي أدت إلى اعدام الآلاف من السجناء السياسيين الإيرانيين عشية قبول الخميني بوقف الحرب من الذين لم يضعفوا أمام جلاديهم عند التعذيب الرهيب ولم ينصاعوا لإرادة الجلادين بتقديم “الاعترافات” اللازمة، ومنهم ضباط كبار لعبوا دوراً أساسياً في معركة خرمشهر الشهيرة ومعارك أخرى لإخراج جيش صدام من الأراضي الإيرانية. وكان من أكثر المشاهد درامية هي تلك “الاعترافات” المفبركة التي قدمها نفر قليل من قادة حزب توده من الذين أنصاعوا تحت طائلة التعذيب لإرادة جلاديهم وقرأوا ما أملي عليهم من “اعترافات” مفبركة ومذلة وكاذبة حول ارتكابهم التجسس لصالح الاتحاد السوفييتي والتحضير لانقلاب عسكري على غرار الانقلاب الذي جرى في افغانستان عام 1978!!، هذه الاتهامات التي رفضتها الغالبية الساحقة من قادة الحزب وكوادره، وفارقوا الحياة لقاء صمودهم كضحايا للغدر وللتزوير والافتراء.

نموذج من صحافة الحكم الديني المتطرف التي خرجت في ذلك الوقت وهي تتحدث عن تلفيقات تجسس حزب توده إيران لحساب الاتحاد السوفييتي والتحضير لانقلاب عسكري
وسيذكر التاريخ أن عملية القبض على قادة حزب توده إيران لم تكن بمعزل عن تواطؤ مخابراتي خبيث لأقطاب جهاز الساواك والمخابرات الأجنبية والعناصر المتطرفة في الحكم من خلال استخدام “فلاديمير كوزيجكين” العميل المزدوج للمخابرات السوفييتية والبريطانية، والذي تولى القيام بمهمة تزوير الحقائق من أجل توجيه ضربة إلى الحزب الذي لم يكن في جدول عمله معارضة الحكم الذي جاء بعد الإطاحة بالشاه أو اسقاطه حيث أن متهم من قبل منتقديه بأنه ذهب بعيداً في الدفاع عن “خط الإمام”. وتناغم ذلك مع محاولة الحكم الديني المتطرف التغطية على مأزقه في الحرب العراقية الإيرانية والذي هدد الحكم. فقد أراد المتطرفون في الحكم أن تستمر هذه الحرب تحت شعار توسعي” الطريق إلى القدس عبر كربلاء”، والذي عارضته الغالبية الشعبية بسبب الضحايا الهائلة، وعارضته غالبية الحركات السياسية ومنهم حزب توده إيران الذي طالب الحكم بالاستجابة لدعوة الأمم المتحدة بالجلوس عند طاولة المفاوضات بعد أن اندحرت قوات صدام حسين وغادرت الأراضي الإيرانية.
وتستمر هذه العملية المشينة الآن وبشكل درامي لتمارس ضد أنصار هذا النظام نفسه، بل وحتى ضد من خطط وشارك في ممارسة هذا الأسلوب في وقت سابق ضد أطراف سياسية أخرى، والمقصود هنا السيد هاشمي رفسنجاني الرئيس السابق للجمهورية الإسلامية الإيرانية. ففي أثناء حملة الانتخابات الأخيرة كان محمد علي أبطحي لا يغادر شاشات التلفزة العربية للتعريف بقائمة “الخضر” التي يتزعمها مير حسين موسوي. ولكن ما أن أعتقل في أوج المعارضة الشعبية ضد تزوير الانتخابات، ومن أجل إخماد هذه الحركة وشعور النظام بمأزقه حتى طل علينا محمد علي أبطحي وببجامة السجن المهللة ليقدم “اعترافاته” المفبركة المكتوبة على ورقة أعدت له سلفاً حول “ذنوبه”، و”يكشف” ظلوع رفسنجاني وخاتمي بالتآمر على النظام “الإسلامي” في إيران!!. بدعة قديمة مارسها النظام الحالي ويمارسها الآن كي يخرج من المأزق الذي حبس نفسه فيه، وبعد أن شعر بالضعف والتهديد من قبل الرأي العام الإيراني الذي خرج بفعاليات سلمية كي يطالب بأصواته التي زُورت.

محمد علي أبطحي، معاون الرئيس السابق خاتمي “يعترف بجرائمه” أمام محكمة التفتيش الإيرانية
لقد تحولت “الحركة الخضراء” من حركة انتخابية عفوية إلى حركة سلمية تكاد تقترب من جبهة وطنية منظمة وذات انضباط وواسعة ولا يمكن ردعها ضد تزوير الانتخابات ومن أجل انتزاع الحريات التي صُودرت بتعاويذ دينية كاذبة. وتضم هذه الحركة الواسعة كل أطياف الشعب الإيراني بشكل زاد على ما شارك من المكونات الإيرانية أثناء الثورة الشعبية في عام 1979. فهي تضم التيارات الدينية المعتدلة ورجال الدين في أهم المراكز والحوزات الدينية والحركات الدينية – الوطنية والتيارات الوطنية والقومية واليسارية التي اجمعت على أهداف اجتماعية وسياسية محددة في تأمين الحريات وإلغاء التمييز على أساس الجنس والعرق وضمان الحقوق الديمقراطية ودولة القانون وحكم الشعب وضدالاستبداد المغلف برداء الدين والحفاظ على الهوية الوطنية الإيرانية وليس الهوية الطائفية.

دعوا شعبنا يتمتع بحريته
لقد شاركت في هذه الحركة كل مكونات الشعب الإيراني سواء عن طريق المشاركة في الفعاليات أو في الدعم الشفهي لها من اساتذة الجامعات وأرباب الفكر والأدب والفن والرياضة والمثقفين والمراجع الدينية والطلبة والنساء والعمال والأقوام المتنوعة والسنة والشيعة والزردشتيين وأتباع الأديان الأخرى والليبراليين والقوميين، مما يجعل “الحركة الخضراء” تتمتع بقدر من التشابه، من حيث المشاركة، بأحداث كبرى في تاريخ إيران المعاصر مثل حركة المشروطة الديمقراطية وحركة تأميم النفط والثورة الشعبية في عام 1979. إنها وللدقة أقرب إلى حركة تأميم النفط التي كانت تطمح إلى إصلاح النظام السياسي وتمتع الشعب بحرياته وإحياء التراث الديمقراطي لحركة المشروطة وإعادة الثروة الوطنية للشعب وبالأساليب السلمية. إن الحركة الخضراء تجنح إلى الأساليب السلمية لتحقيق الإصلاح، ورفضت بعض الطروحات المتطرفة العنفية لبعض المعارضين.
إن أحد أسباب النضوج والنمو السريع لهذه الحركة وصمودها أمام القمع يتحدد في موقفها المستقل من المواجهات بين حكام إيران وبين الأطراف الخارجية، واعتمادها بالأساس على إرادة الرأي العام الإيراني للتحرر من العسف والاستبداد وتأمين الحريات والمساواة والعدالة وعدم تحيّزها لأي طرف أو لحزب بعينه وبعيدة عن الصراعات والمنافسات الحزبية، وبعيدة عن الطروحات القومية الضيقة أو الطبقية الضيقة، وتميزها بالخطاب الوطني الإيراني المشترك، واتخاذها موقف على مسافة متساوية من كل الأحزاب والحركات السياسية. فلم يعد في هذه الحركة أي دور للشخصية الكاريزماتية ولا لفرد أو لزعيم متميز في قدرته أو في خصاله. ولذا نشاهد وجود أكثر من شخصية تساهم مع الجماهير في الشوارع لتعبر عن مشاعر ومطاليب الرأي العام.
كل هذه الخصائص تضفي على هذه الحركة صفة الديمومة والتوسع وتثير البلبلة في صفوف الحكم وأتباعه. ولهذا فاجأت هذه الحركة الاستبداد الديني، وشددت من تناقضاته وأثارت الفزع وردود الفعل الهيستيرية لرجالات هذا الحكم والتخبط في اتخاذ قراراتهم. فالتصدع كان واضحاً في النخبة الحاكمة، فدخول المرشد عبر خطابه في جامعة طهران بكل ثقله لصالح تبرير التزوير والاستبداد مزق ستار تلك الهالة التي كان الحكم يريد أن يضفيها على المرشد باعتباره الفقيه الورع والأكثر حكمة وخبرة. ولكن ظهر العكس للرأي العام الإيراني والعالم عندما جيّش هذا الفقيه كل القوى القمعية لاستباحة أبناء وبنات الشعب الإيراني. إن البدعة التي شهدناه هذه الأيام والمتمثلة في “الاعترافات”المفبركة، ماهي إلا تعبير عن هلع الحكام وأفلاسهم ولا يمكنها أن تحد من تلك الطاقة الجماهيرية الطامحة للتغيير والإصلاح.

2 آب 2009