الرئيسية » شؤون كوردستانية » التغلب على الماضي.. برانت والمالكي

التغلب على الماضي.. برانت والمالكي

بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية أعتاد المسؤولين الألمان أن يواجهوا مآسي الماضي بشکل وئيد. غير ان زيارة المستشار الألماني فيلي برانت الى بولندا في نهاية عام 1970 رافقتها حدث تاريخي فريد من نوعه، وهو التعامل مع قضية الشعور بالذنب بکل إخلاص وجدية.
كان من ضمن برنامج برانت في بولندا زيارة ضريح الجندي المجهول. بعد ذلك بوقت قصير تخطى المستشار الالماني باتجاه شاهد أبكم لتاريخ الحرب: أمام النصب التذكاري لضحايا غيتو وارشو. كما هو الحال دائما في مثل هذه المناسبات والزيارات فأن أثنين من حراس الشرف يتقدمون الضيف الكبير ويضعون اكليلاً من الزهور أمام النصب، وبعدها يقوم صاحب الاكليل بتعديل موضع ربطات الاكليل رمزياً ويتخطى خطوة أو خطوتين الى الخلف ليقف برهة من الزمن اجلالاً لذكرى الضحايا. ولكن ماحدث في تلك اللحظات، لم يکن يتوقع أو يخطر ببال أحد. هناك، امام برج الأسلاك المحترقة، سقط برانت جاث على ركبتيه، واضعا يده‌ اليمنی علی کفه‌ اليسری، غارق في الذكرى البشعة ـ حياة مئات الالاف من البشر الذين أصبحوا ضحايا المحارق النازية (الهولوكوست) والحرب الكونية الثانية. لقد استمر ركوع المستشار الالماني مايقارب من ثلاثين ثانية على الأسفلت الرطب. بعدها نهض برانت، وکان عمره‌ آنذاك 56 سنة، دفعة واحدة دون الإستعانة بيديه، عائدا بخطوات هادئة وخفيفة نحو الخلف الى أصحابه ولم يترك وراءه أية أسئلة معلقة!
هذه البادرة كانت في الواقع مصدر إلهام اللحظة. وبها تمكن الضيف ان يعرب عن صدمته الحقيقية لما حدث في الماضي للبولنديين وخاصة اليهود منهم من قبل نظام واناس بات الان يقودهم هو سياسياً. فما حصل تم بروح ومعنوية عالية. ومنذ ذلك الحين، بدأ المرء في بولندا، احد اكبر المجتمعات المتضررة من جرائم النازية، يشعر وكأنه نجا من مرض خطير.
ففي مذكراته كتب برانت حول ماقام به امام النصب التذكاري: “في هاوية التاريخ الألماني، وتحت وطأة الملايين من القتلی، فعلت ما علی المرء عمله، عندما تُعجز اللسان عن البيان.”
إن “ثني الركبتين في وارشو” لبرانت هي أحد النماذج النادرة لقوة الأنسان في التعامل مع مأسات الماضي. وهي تعتبر من أبرز رموز التأريخ المعاصر لألمانيا وبالتالي هويتها الجديدة بعد الحرب… وهي في نفس الوقت مثالا رائعاً لإظهار وتقديم الدليل بأنه حتى الرموز تمتلك تاريخاً لنشؤها وتبقی خالدة.
ما من شك في ان جمهورية المانيا الاتحادية استطاعت التغلب على ماضيها القاتم، فالکثير من الأخلاف البريئين من جرائم الاسلاف أعتذروا رسمياً و بكل شهامة لضحايا الابادات الجماعية. وما قام به برانت أمام نصب غيتو وارشو، لم تكن بادرة رسمية، بل هو شعور انساني صادق، به فتح في الواقع فصلا جديدا في العلاقات بين بولندا وألمانيا.
وماذا عن التغلب على الماضي في العراق؟
خلال الايام القليلة القادمة يُنتظر المالكي في زيارة له فى كردستان العراق، المنطقة التى هُضم حقوق أهلها من قبل جميع الانظمة العراقية وشهدت الكثير من الابادات الجماعية لساکنيها على ايدي النظام البائد (مأساة الانفال، تصفية الـ 8000 بارزاني، محرقة حلبجة، محنة شيخ وسانان، وهي بالمناسبة اول قرية كردستانية قصفت عام 1987 بالأسلحة الكيماوية و… و….). فيا ترى هل يضع السيد نوري مالكي في زيارته المرتقبة آية من آيات الاعتذار لشعب كردستان لما اقُتُرف ضدهم؟
الالتباسات التي شابت العلاقات العراقية ـ الكردستانية في الأونة الأخيرة ربما تمنع المالكي ان يؤثر مخلفات ومضاعفات تسع عقود من الزمن من تأريخ القضية الكردستانية على نظرته الى عالم السياسة الواقعية الرمادي اللون، وخاصة في هذه الأيام التي بات فيها الكثير من العراقيين ينسون عن عمد أشباح الماضي، وبالأخص ما أقتُرفت بحق الكرد من جرائم وتصفيات وملاحقة وتعريب…
رغم كل ذلك فأن آية صادقة من قبل رئيس الوزراء العراقي في كردستان وبالتحديد في أحدى الاماكن التى تعرضت الى الجينوسايد، وهي بالعشرات إن لم نقل بالمئات، فأنها لن ترد بالجحود وستظل انجازا يسطر التاريخ عظمته… وليس من الضروري ان تكون مطابقاً لما قام به نظيره الالماني السابق في بولندا قبل حوالي 38 عاماً…



صورة تاريخية لفيلي برانت يظهر فيها وهو يركع
أمام نصب تذكاري بمدينة وارشو أقيم لضحايا النازية